غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري



الإرادة الدولية
التكتيكات السياسية

لعل السمة التي تميز مؤتمر جنيف2 بخصوص الأزمة السورية، هي أنه لا أحد -من جميع الأطراف- راض عنه، ذلك أن مناخات المؤتمر واشتراطاته وخلفياته غير مرضي عنها بالكامل من قبل كل الأطراف الذاهبة للتفاوض، سواء كانت داخلية أم خارجية، حتى إن الراعيين الرسميين له -واشنطن وموسكو- يبدوان غير راضيين عن كثير من التفاصيل التي صنعتها أيديهما، ناهيك عن المعارضة والنظام.

وسط هذه المناخات، من المتوقع بذل جهود دبلوماسية مكثفة من أجل إنضاج سياق يتوافق عليه الجميع، وإلا فإن المتوقع أن ينتهي مؤتمر جنيف بعد حفل الافتتاح مباشرة ويعود الجميع إلى مواقعهم السابقة.

والواضح أن ثمة إرادة دولية وإقليمية عازمة على إحداث تغييرات ما في السياق السوري، صحيح أن الجميع يشد البساط إلى طرفه، وهذا وضع طبيعي في الصراعات ذات الطبيعة المعقدة كما هو حال الصراع السوري، لكنه أيضا من شأن عمليات التفاوض وما تنطوي عليه من تنازلات وعمليات تكييف، أن تؤدي إلى تغيرات معينة في المواقف قد تصل إلى حد تحولها إلى تغيرات نوعية.

الإرادة الدولية
لكن، وبعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات، والتوافق على حضور الجولة الثانية في العاشر من الشهر الحالي، ما احتمالات حدوث الاختراق/التوافق؟ وما نسبة نجاحاته؟ وهل الصراع السوري من النوع الذي ينطوي على ممكنات للحل؟

الجولة الأولى من مفاوضات جنيف2 كانت أشبه بغرفة ولادة صيغة دولية للحل في سوريا، المولود لن يكون الحل، وإنما الإطار الذي سيؤدي إلى ولادة الحل المستقبلي

لاشك أن فرضية انعقاد المؤتمر مبنية على إمكانية صناعة الحل حتى أن من يدقق في نصوص الدعوات التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة للحضور سيكتشف أنها تتجاوز فرضية الحل إلى آليات صنع الحل، ما يعكس -ظاهريا على الأقل- مدى التصميم على إحداث تغيير ما في مسار الحدث وتطوراته المستقبلية، وما يعزز مثل هذا الاحتمال عناصر عدة ينطوي عليها الحدث السوري:

أولا- تعدد عناصر خيارات الأطراف، بحيث يمكن لطرف معين استبدال عناصر موقفه بعناصر أخرى تنطوي على مرونة تفاوضية أكبر. فمثلا، يمكن للقوى المؤيدة لبشار الأسد الانتقال إلى خيار آخر، وهو القبول بطرف من النظام يضمن حزمة المطالب التي تراها تلك الأطراف مصالح، كما يمكن للقوى المؤيدة للمعارضة قبول فكرة تأهيل الجزء العسكري والأمني من النظام وقبول استمرار ذلك لعامين قادمين من خلال ضمانات معينة.

ثانيا- تعدد الخيارات التي باتت تطرحها الحالة السورية، وبالتالي تعدد السياسات التي قد يستلزمها تنفيذ تلك الخيارات، وهامش تلك الخيارات يقع بين تأييد الثورة باعتبارها خيار الشعب السوري وحقه، أو تأييد النظام في الحرب على الإرهاب باعتباره إشكالية عالمية، أو الذهاب إلى إرضاء الأطراف وتقسيم سوريا بينهم.

ثالثا- رغبة الأطراف الخارجية في تثبيت مكاسبها من الحدث السوري، ذلك أن الأمر اقترب من الوصول إلى عتبة "اللاجدوى" من استمرار الحرب، وتريد الأطراف الحصول على جوائزها وتكرسها الآن وباعتراف دولي وإقليمي، لن يستطيع أي طرف تحقيق ذلك دون النزول عن شجرة مطالبه أو عن السقوف التي وضعت منذ بداية الأزمة.

رابعا- رغبة الأطراف في الاستفادة من العملية السياسية الدولية المطروحة في جنيف، والتي من المتوقع لها رسم معالم المرحلة المقبلة إقليميا ودوليا ولسنوات طويلة قادمة، مثلما فعلت عملية مدريد، ورغبة الأطراف في أن تكون حاضرة في صناعة تلك المرحلة وتكون لها أدوار معينة في الترتيبات القادمة.

خامسا- تغير المزاج الدولي وذهابه باتجاهات بعيدة عن عالم الاستقطاب والصراعات الدولية إلى عالم يتحول العدو فيه إلى الداخل، ذلك أن أغلب القوى العالمية -وإن بدرجات مختلفة من الحدة- تنطوي على حالات مختلفة من الاعتراض تعبر عن نفسها بطرق مختلفة، والواضح أن الانخراط في القضايا الدولية يزيد من إشكاليات تلك الأطراف وعقدها.

هذه العناصر والمتغيرات، كانت حاضرة في ذهن المفاوضين وفي خياراتهم، وهي لا شك بدأت نذرها بالظهور في الكثير من التسويات والتفاهمات الدولية في قضايا وأمكنة أخرى في العالم، وفي الحالة السورية سيركز كل فريق على فحص واستكشاف جملة من الإمكانيات في المرحلة الأولى:

  •  إمكانية تحقيق اختراق في مواقف الأطراف المقابلة، حتى لو كانت صغيرة سيجري العمل على توسيع مداها.
  • إمكانية وقدرة كل طرف على التكيف مع محاولات اختراق الأطراف الأخرى، وقدرته على رؤيتها كفرص ونوافذ عبور آمنة إلى الممرات الأخرى.
  • إمكانية تحويل تلك المتغيرات إلى إعلان مبادئ عملي.
يراهن النظام على نزق المعارضة وقلة خبرتها السياسية ودفعها إلى القيام بردات فعل تحرج داعمي المعارضة وحلفائها، ودفع هؤلاء إلى اليأس من سلوك المعارضة والقبول بالأمر الواقع

على ذلك، فالجولة الأولى كانت أشبه بغرفة ولادة صيغة دولية للحل في سوريا، المولود لن يكون الحل، وإنما الإطار الذي سيؤدي إلى ولادة الحل المستقبلي.

غير أن كل ما سبق يحده شرط عضوي، وهو إيجاد منظومة واقعية لقضايا المنطقة ويكون لديها قابلية للتطور، وخاصة في ظل حالة التشابك بين قضايا المنطقة برمتها من العراق حتى لبنان.

التكتيك السياسي
أدرك فريق بشار الأسد -والحلف الداعم له- أن ورقتهم الأساسية التي تقوم على أولوية محاربة الإرهاب احترقت، وأنهم فقدوا الكثير من أوراقهم التفاوضية في الجولة الأولى من المفاوضات بعد أن رفض العالم قبولها تورية ومدخلا لإعادة تأهيل نظام بشار الأسد.

على ذلك، يدخل النظام حلبة المفاوضات عاريا ومتخففا من كل أوراق الضغط التي صنعها، ليس في مواجهة المعارضة ولكنه في مواجهة الأكثرية الدولية التي باتت ترى في ادعاءات النظام وحلفائه نوعا من التدليس على الضمير العالمي.

أمام هذه الحالة، بدا أن النظام قرر الاتجاه إلى بناء حالة تفاوضية جديدة عبر صناعة عناصرها بإمكانياته المتاحة وما يمكن أن يوفره خلال مسيرة التفاوض، وتبدو ملامح هذه الإستراتيجية واضحة في المرحلة التمهيدية، حيث ترتكز هذه الإستراتيجية على جملة من التكتيكات.

أولا: إغراق التفاوض بالتفاصيل الكثيرة، وهو تكتيك قديم طالما لعبه النظام وعرف كيف يستفيد منه، ويبدو اليوم مناسبا له، وقد بدأ هذه اللعبة باكرا من المفاوضات وخاصة ما تعلق منها بقضايا شكلية وإجرائية، ويتوقع استمرار النظام بممارسة هذا التكتيك بهدف كسب الوقت وانحراف المفاوضات عن قضاياها الأساسية.

ثانيا: اللجوء إلى الاعتبارات القانونية والدستورية، وذلك من خلال الاستناد إلى الدستور الذي وضعه النظام وفصّله في الأزمة لكي يغطي الظروف الحالية ومحاولة وفد النظام فرضه كمرجعية قانونية وسيادية.

ثالثا: الرهان على نزق المعارضة وقلة خبرتها السياسية ودفعها إلى القيام بردات فعل تحرج داعمي المعارضة وحلفائها، ودفع هؤلاء إلى اليأس من سلوك المعارضة والقبول بالأمر الواقع الذي يوفره النظام.

رابعا: التركيز على البعد الإعلامي، وخاصة في بعده العالمي، لإعطاء تصور معين للعالم الخارجي، وقد بدا واضحا تحضير وفد النظام وعملية توزيع الأدوار والاستعانة بخبرات لبنانية بهذا الخصوص.

خامسا: يعتمد النظام على الإضافات التي سيستفيد منها من دوائر إقليمية ودولية، حيث يقف تحالف حزب الله وإيران وحكومة المالكي على تقديم دعم لوجستي كامل للمفاوضات سواء بالدعاية أو تحريك بعض المعطيات على الأرض أثناء جولات المفاوضات وما بين كل مرحلة وأخرى، إضافة إلى دعم كل من روسيا والصين له في المجال الدولي وتشكيل شبكة أمان تحميه من أي مخاطر دبلوماسية.

سادسا: يتوقع قيام النظام ببعض الإجراءات الشكلية هنا وهناك ليخفف من حدة احتقان الشارع وتوتره، كتخفيف الحصار على بعض المناطق، أو إخراج دفعات صغيرة من السجناء.

سابعا: اعتماد عنصر المفاجأة بطرح خيارات جديدة، تحمل في الشكل تنازلات معينة، لكنها في المضمون ليست سوى محاولات لإرباك الدول التي تدعم المعارضة وتحرجها أمام رأيها العام، مثل اقتراح إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تحت رعاية وإشراف دوليين.

سيسعى النظام إلى إفراغ المؤتمر من أهدافه القاضية بتشكيل حكومة انتقالية بمهمات تنفيذية كاملة، حيث يجهد إلى إحداث تعقيدات تجعل الوصول إلى هذا الهدف أمرا مستحيلا

ثامنا: سيعتمد النظام على خبرته التفاوضية السابقة، وخاصة مع إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة الأميركية في فترات متقطعة، صحيح أن النظام في كل مفاوضاته السابقة كان هو الطرف الخاسر، لكنه يتوقع الاستفادة من تقنيات تلك المفاوضات وكيف يتجنب ما كان قد وقع ضحية فيه.

سيسعى النظام إلى طرح خيار حكومة الوحدة الوطنية بدل الحكومة الانتقالية، وسيحاول توسعة الهامش حول هذا الخيار والتمسك به، فهو لا يعني بالنسبة له سوى الخطة "ب" من خطته في التمسك بالحكم، وهذه الخطة تجعل بشار الأسد فوق المساومات وتضعه في مصاف القضايا الوطنية الكبرى.

سيسعى النظام إلى تمديد عملية التفاوض إلى أبعد مدى يستطيع الوصول إليه، وقد كان حقق بمساعدة حليفه الروسي ضمان عدم تحديد سقف زمني للوصول إلى نتيجة للتفاوض.

وخلال هذه الفترة، سيسعى النظام إلى إفراغ المؤتمر من أهدافه القاضية بتشكيل حكومة انتقالية بمهمات تنفيذية كاملة، حيث يجهد إلى إحداث تعقيدات تجعل الوصول إلى هذا الهدف أمرا مستحيلا، كأن يعمل مثلا على إعادة خلط الأوراق الميدانية أو يدفع مؤيديه إلى طرح وترويج أهداف جديدة مثل إعادة طرح خيار التقسيم لعدم ثقة هؤلاء بأي حكومة ليس فيها الأسد أو لكون الطرف الآخر ذا هوية طائفية غالبة.

لقد أثبتت الجولة الأولى مدى تهافت رواية النظام، وقد انعكس ذلك على أدائه الدبلوماسي حيث ظهر طرفا عصبيا موتورا، في مقابل الأداء العقلاني والهادئ للمعارضة.

ولا شك أن النظام -الذي سيجري تقييما لهذه الحالة بين الجولتين- سيتجه إلى محاولة تعديل الكفة بتهور وجنون، ولعل النيران الكثيفة التي يلقيها على الجسد السوري هي أداته المفضلة والممكنة في الوقت الراهن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك