مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول



لم يشهد المشرق العربي حركة اختلاط أوراق واضطراب مسارات كما تعيشه المنطقة اليوم، وفي ظل تعاقب مواقف ومشاريع تنتهي أحيانا إلى الضد تماما، لا يمكن الحكم على ما يُتبنى من الأطراف العالمية دون الرجوع إلى واقع العلاقات الدولية الإقليمية القائمة حاليا.

وانطلاق المحكمة الدولية لمقاضاة المتهمين بقتل الرئيس الحريري وآخرين جاء في توقيت لافت، ربما ليس ذلك مستغربا في جدول إعدادات قضاة الادعاء والمدعي العام الدولي لكنه غريب في ظل الواقع السياسي لحضور واشنطن والاتحاد الأوربي القوي في لاهاي، وهنا يبدو الأمر مختلفا.

الملفات الأكثر حساسية في المنطقة وهي علاقات دول الخليج مع إيران تم اتخاذ مسار تفاوضي فيها برعاية وتشجيع أميركي تقدمت فيه مسقط وأبو ظبي لمستوى غير مسبوق من التحالف مع طهران

وما نقصده هنا أن التوجه العام للسياسة الغربية يتقدم بسرعة نحو تطوير اتفاق جنيف النووي الذي جاء بعد صفقة سان بطرسبورغ، فتوجه المحاكمة يخالف منهجية التوافق الروسي الإيراني والأميركي الجديدة التي تتخذ اليوم خطوات عملية متقدمة في الملف السوري يتقارب فيها موقف واشنطن كثيرا مع طهران.

بل إن الملفات الأكثر حساسية في المنطقة وهي علاقات دول الخليج مع إيران تم اتخاذ مسار تفاوضي فيها برعاية وتشجيع أميركي تقدمت فيه مسقط وأبو ظبي لمستوى غير مسبوق من التحالف مع طهران في ظل صدمة عنيفة وعدم توازن في مجمل البيت الخليجي المُنشغل بدعم السطلة الجديدة في مصر أو المترقّب للأحداث الكبرى وأسهمه فيها.

ولو صنّفنا ما يجري بهدوء خاصة في ظل ازدحام الجدل المستمر عن صفقة طهران واشنطن، لوجدنا أن الخطوات الفعلية للعلاقة والتقاطع تتقدم على الأرض وتخلق أجواء مختلفة في المنطقة العربية وخاصة في مشرقه.

ويكفي أن نُذكّر -إضافة لموقفهما المشترك عمليا من الثورة السورية- بالدعم المطلق الذي أبدته واشنطن عبر الرئاسة والخارجية والكونغرس لنوري المالكي وحكومة بغداد وإطلاقها التأييد الشامل للخطوات العسكرية التي يُعّد لها المالكي في مناطق السُنة العراقيين.

هنا نعود للساحة اللبنانية وما هي المساحة التي يمكن أن تقدمها واشنطن لدعم حكم قضائي ضد حزب الله أو النظام السوري، هذا لو صدر بالإدانة، في حين أن مراجعة مسار المحكمة ونظامها القانوني وتجاربها السابقة تُعطي مؤشرا واضحا على أن الحكم سيستغرق سنوات طويلة لا تقل عن الخمس سنوات، وبالتالي فواشنطن تُحقق من هذه المحاكمة ثلاثة أهداف ليس منها آلة ضغط على طهران ولا أحزابها ولا نظام الأسد حاليا.

إن واشنطن تحافظ عبر هذا الدعم للمحكمة على ربط تكتل 14 آذار وبالذات تيار المستقبل برابط سياسي معنوي يخفف من معاني تراجع مواقف واشنطن من فرقاء لبنان وخضوع العهد الجديد للتقييم الخاص بالمرحلة الذي لا يُطمئن هذا التكتل ولا حلفاءه الخليجيين، خاصة وأن أسئلة انعكاسات المشهد السوري على لبنان بعد توجهات تصفية الثورة السورية تتصاعد بقلق.

ترغب واشنطن في إبقاء بطاقات ضغط على طاولة المفاوضات القادمة مع إيران خاصة في ظل مستقبل ساحل الخليج العربي الغربي حيث تخشى واشنطن التهام إيران حصة نفوذ أكبر من قياسات اللعبة

ولذلك فهي تحرص على بقاء هذا الخيط الوهمي الرفيع، الذي تقدمه كذلك للائتلاف السوري المنهار كما تُقدمه لتيار المستقبل المحاصر والمستهدفة حاضنته السنية بصورة خطيرة وصلت إلى اعتبار عرسال كأحياء حلب المحررة وتحيّتها بوجبة صواريخ وتفجيرات بناء على تصنيفها الطائفي، وهو أمرٌ مرشح إلى أن ينتقل لبلدات لبنانية أُخرى، تنتقم من مدنيي السُنة كلما اخترقت السلفية الجهادية الضاحية الجنوبية.

أما الهدف الثاني فهو رغبة واشنطن في إبقاء بطاقات ضغط على طاولة المفاوضات القادمة مع إيران خاصة في ظل مستقبل ساحل الخليج العربي الغربي حيث تخشى واشنطن التهام إيران حصة نفوذ أكبر من قياسات اللعبة، وعليه ففكرة المحكمة ستبقى في أرشيف مُعّد لأي تطور.

والخيار الثالث هو بقاء مسار المحكمة حتى يحين موعد صدور حكم الإدانة، فخمس سنوات متوقعة في ظل هذا الخريف الشامل على المنطقة العربية بعد إسقاط آمال الربيع الديمقراطي سوف يحمل متغيرات كبيرة لا تُعلم فيه مدارات التوقف وحدود الدول وربما وجودها!

في كل الأحول ليس للمحكمة ما يستحق التعويل عليه من طرف سعد الحريري والمستقبل والآملين في أن يحّد ذلك من نفوذ إيران الذي يصعد تبعا لصعود فرصة الأسد وإعادة صناعته بعد محرقة سوريا، ليكون شريكا في المستقبل السياسي، على الأقل مرحليا حتى تتخلق للغرب وموسكو شخصية قادرة على أن ترث بناءه الطائفي السياسي وتُشكّل لها عمود توازن.

ويبقى لبنان في كل الأحوال حديقة خلفية لهذا المشروع أو ذاك لكن دون أن يحمل له أي فرص توازن أمام البازار الإيراني الذي بات مغريا للغرب اليوم قبل أي وقت مضى.

واللعبة الداخلية اليوم في لبنان لا يوجد فيها ما يضغط على إيران وحزبها، وهذا الفراغ تعوّد الحزب والنظام السوري عليه، بل هو جزء من متطلبات اللعبة حيث تُنهك بقية الأطراف ويستمر التمدد الذي يُهيمن على الجمهورية بما فيه فراغ المقعد الرئاسي، واضطراب علاقة الرياض مع واشنطن وضبابيتها وتراجع الدور السعودي في سوريا، بعد لعبة الرئيس أوباما الأخيرة التي قلبت الضربة إلى صفقة، لا يُعطي مساحة لنجاح هذا الضغط.

وربما كان لباريس وتوافقها مع الرياض مسعى، لكن لن تستطيع فرنسا تغيير سيناريو مرتبط بلعبة الأمم المتحالفة على ثورة سوريا والتي لا تختلف معها باريس في محصلتها النهائية وهي رفض قيام حكم حر للشعب السوري، وهو موقف يختبئ خلف قصة الجماعات المسلحة المتطرفة وخاصة داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) لكنه موقف يتجاوز هذا المربع.
 رغم المشهد المعتم الذي آل إليه الميدان بعد الجرائم الجديدة للنظام وبعثرة داعش لخطوط الثورة، فضلا عن اجتهادات أخرى ساهمت في تفريق الثوار، فإن نهضة الثورة أمر لا يمكن إ

سيبقى لبنان في هذه المرحلة البرزخية التي لا يشعر فيها الحزب وحلفه بقلق شديد في حين يختنق تيار المستقبل تدريجيا، وسيبقى أمام إيران وحزبها خيارٌ جديدٌ وقديم في ذات الوقت وهو مواجهة ضريبة قتالهم لسُنّة سوريا وحصارهم لسُنة لبنان وخاصة بعد استخدام الجيش اللبناني طائفيا، وهو اندلاع حرب أهلية.

وبعد القهر والخبرة التي اكتسبها سُنة لبنان، من الصعب أن تُضمن في ختام الحرب صفقة كصفقة الحرب الأولى، فسُنة لبنان الذين دافعوا مع الحركة الوطنية عن مخيمات الفلسطينيين وعروبة لبنان واستقلاله، وخذلتهم حماقات بعض قادة فتح والفصائل واتفاق واشنطن مع دمشق، لم يعودوا على الهامش كقوة ميدانية وإن بقوا هامشا سياسيا، وتكاليف الصراع هنا ستختلف حساباتها، خاصة أن الثورة السورية لا تزال صامدة وربما أسقطت داعش وعادت تدّك القرداحة.

وهذه العودة للثورة لا يمكن إلغاء احتمال قيامها رغم المشهد المعتم الذي آل إليه الميدان بعد الجرائم الجديدة للنظام وبعثرة داعش لخطوط الثورة، فضلا عن اجتهادات أخرى ساهمت في تفريق الثوار.

وإذا نهضت الثورة السورية -وهو أمر ممكن ومحتمل- فسيجعل ذلك دمشق الأسد من جديد تحت خطة الزحف أو التضييق، وبالتالي تعود حسابات البيت الإيراني في لبنان إلى مرحلة القلق، حينها سيكون حكم الشعب السوري أقوى من كل محكمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك