​وليد سالم الشوبكي

كاتب وصحفي مصري

 

السياسة والقضاء
بين الأمس واليوم

بانفراج الأفق السياسي مع الهزات الأولى للربيع العربي، وعودة السياسة للشوارع والمقاهي وواجهات الصحف والأبنية، أصبح التساؤل مطروحا: إلى أي مدى تعزز أو تعرقل المحاكم الدستورية التحول الديمقراطي المُبتغَى؟

السياسة والقضاء
عندما استقر الرأي على إنشاء المجلس الدستوري ضمن مشروع دستور ١٩٥٨ في فرنسا، رفض شارل ديجول النموذج الأميركي -حيث يحظر عزل قضاة المحكمة العليا، فيبقون في مناصبهم حتى يقرروا التقاعد- وفضل أن يُعيَّن القضاة لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، وهو ما أُقِر في الدستور النهائي الذي استفتي عليه الفرنسيون في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، وعَقّب الرجل، الذي صار رئيس فرنسا بعد إقرار الدستور بثلاثة أشهر: "لا نريد حكومة قضاة".

لا يزال هذا التخوف من حكم القضاة قائما في الديمقراطيات الناشئة والعريقة على السواء، فخلال العقود الثلاثة الأخيرة صدرت قرارات من المحاكم الدستورية ذات أثر عميق على الحياة السياسية والاقتصادية بل ومسائل الهوية. مثلا، أصدرت المحاكم الدستورية قرارات تبطل أو تقر حرية الإجهاض في الولايات المتحدة (١٩٧٣) وألمانيا (١٩٧٥ و١٩٩٢) وإسبانيا (١٩٨٥).

اللجوء للمحاكم الدستورية مشروع، بل ومفروض حين يُخشى أن يسعى الساسة الذين وصلوا لمناصبهم بالأغلبية الانتخابية لتغيير قواعد العملية السياسية أو الافتئات على حقوق إحدى الأقليات

ويُظهِر ذلك انخراط المحاكم الدستورية في قضايا خلافية ومجتمعية، يكاد يستحيل حسمها بقرار من القضاء.

ففي الولايات المتحدة مثلا، ورغم مرور أربعة عقود على قرار المحكمة العليا بجواز الإجهاض، لا يزال الأمر خلافيا حتى اليوم بسبب أبعاده الدينية والأخلاقية، ثم إن الولايات المتحدة التي يغلب عليها المزاج المحافظ دينيا تعرقل قرار المحكمة على مستوى التطبيق.

ويصح القول إن تعاظم دور الرقابة القضائية/الدستورية على التشريع راجع بقدر غير يسير للتفويض الذي يؤدّيه الساسة للمحاكم الدستورية. فأغلب المحاكم الدستورية مقيدةٌ فيما تنظر من قضايا، فتُقَيِّم فقط دستورية ما يصلها من قوانين أو قرارات تنفيذية، وليس ما تتخير.

ومن ثم فإن الساسة يقررون أحيانا ألا يتخذوا المواقف والقرارات التي قد تكلفهم سياسيا، ويخولون المحاكم الدستورية لتقرر.

من الأمثلة الموثقة على ذلك دعم حكومة الرئيس الأميركي أيزنهاور المحكمة العليا أواسط خمسينيات القرن الماضي في نظرها قضية الفصل العنصري بين البيض والسود في ولايات الجنوب، مفَضّلةً ذلك على اتخاذ إجراءات تنفيذية في هذا الشأن بغير حكم قضائي فتكون الكُلفة السياسية باهظة.

بين الأمس واليوم
ويختلف الحال في الدول غير الديمقراطية، فلجوء جماعات المعارضة والناشطين السياسيين للمحكمة الدستورية في مصر -مثلا- لحماية حقوق المواطنين وكبح تغوّل السلطة التنفيذية لم يكن خيارا من بين عدة خيارات.

وليس من شك في أن المحكمة الدستورية -والشبكة الداعمة لها (بتعبير أحد الأكاديميين) من قانونيين وحقوقيين وناشطين في المجتمع المدني- قد حالت دون وقوع الأسوأ فيما يتعلق بانتهاكات النظام، خاصة خلال التسعينيات.

لكن الملفت أن الواقع السياسي الذي ماج واضطرب باهتزازات الربيع العربي لم يغير أفكار البعض -خاصة ممن كانوا في شبكة دعم المحكمة الدستورية في السابق- بشأن ضمان وتوفير الحقوق للمصريين، فاستمر -وربما يستمر- اللجوء بغير توان للمحكمة الدستورية لفض المنازعات السياسية. هنا يجوز وصف الأمر بما يتجاوز التفويض، فهو في وجه من أوجهه تخلٍّ عن المسؤولية التي أولى الناخبون الساسة الذين يولّون -بدورهم- وجوههم جهة المحكمة الدستورية كلما ضاقوا بأزمة سياسية.

اللجوء للمحاكم الدستورية مشروع، بل ومفروض حين يُخشى أن يسعى الساسة الذين وصلوا لمناصبهم بالأغلبية الانتخابية لتغيير قواعد العملية السياسية أو الافتئات على حقوق إحدى الأقليات.

من ذلك مثلا، لجوء المعارضة في البرلمان الفرنسي للمجلس الدستوري لإبطال قانون للرئيس هولاند -وحزبه الاشتراكي- يرفع الضرائب على الدخل إلى حد أقصاه ٧٥٪.

أما أن تصير المحكمة الدستورية الوسيلة الأولى أو الوحيدة لممارسة السياسة، فهذا ينطوي على خطرين خاصة في بلدان كبلداننا التي تمر بانتقال سياسي يؤمل أن يثمر تحولا للديمقراطية.

أولهما- أن السعي لاستصدار قوانين تؤطر أو تشكل العملية السياسية قد ينتهي إلى جمود يعرقل التحول الديمقراطي، والذي يحتاج بطبيعته لهامش عريض من المرونة والتجربة والخطأ.

فمن طبيعة الانتقال السياسي أن كل جماعة سياسية -كالعمال مثلا- تنخرط أولا في تقييم مصالحها، وحضورها في الشارع السياسي، ثم حضور القوى الأخرى، قبل أن تقبل بقواعد حاكمة للجميع تنظم الممارسة السياسية، أما المسارعة بتقييد تلك العملية بقواعد عجلى، فربما يكون ضرره أكبر من نفعه.

وعلى سبيل المثال، فسواء كان حل مجلس الشعب في يونيو/حزيران ٢٠١٢ صائبا أم غير صائب من الزاوية القانونية المحضة، لو نظرنا الآن للأمر باعتبار كل ما جرى، هل كان السعي لاستصدار حكم قضائي بشأن قانون الانتخاب صائبا؟ هل كانت تبعات حل البرلمان في صالح العملية السياسية الوليدة؟

الحكم القضائي والقانون عامة لغة قواعد، تحدد ما يجب وما لا يجب، أما السياسة فلغة تفاوض، تبحث في سبل مصالحة مصالِح شتى ومتعارضة، عبر حلول تَوَسُّطِيّة، تحاشيا لحل الخلافات بالعنف.

إن بدا ممكنا قطف ثمار العمل الحزبي دون الحاجة للجلَد والانضباط عبر اللجوء للمحاكم الدستورية، فما حافز الأفراد للانضمام لعضوية الأحزاب؟ وأي حافز للعمل الحزبي إن أمكن -مثلا- إسقاط برلمان بناء على تفاسير قانونية ضيقة؟

ومن ثم، هي تعتمد على الأخذ والرد والتوسط والتنازل والتوافق الجزئي أو المرحلي بين أطراف النزاع، ثم الأخذ والرد والتوسط والتنازل والتوافق الجزئي مجددا، ولا تطمح -حين تحسن ممارستها- إلى حلول نهائية، أو لانتصارات حاسمة، كتلك التي يتخيلها هؤلاء الذين يسرعون إلى التقاضي حول كل شأن سياسي قبل تقييم البدائل.

بيد أن القانون والسياسة ليسا نسيجين منفصلين، فالأول امتداد الثاني، بمعنى أنه توثيق للقواعد التي يتفق عليها اللاعبون السياسيون من جماعات وأفراد.

والخطر الآخر في التمادي في تفويض المحاكم الدستورية لحل المنازعات السياسية، أن هذا قد يضعف الأحزاب الناشئة، فالأحزاب تنمو معتمدة على ثلاثة عناصر رئيسة: فلسفة سياسية تجتذب جموعا من المريدين والمؤيدين، وقدرة تنظيمية تضمن ولاء المريدين في أوقات الانتخابات وقادرة على تعبئتهم، والقدرة -أو ما يبدو أنه القدرة- على التأثير في أولويات السياسات العامة للدولة، عبر برلمانيين وتنفيذيين ذوي بوصلة لا يحيد شمالُها عن فلسفة الحزب.

ثم لا بد من توافر المهارة في التعبير عن تلك الفلسفة في المنتديات السياسية والعامة. والأمر كذلك، فإن بناء الأحزاب عمل تراكمي يستغرق أعواما أو عقودا، ويتطلب جلَدا وانضباطا.

فإن بدا ممكنا قطف ثمار العمل الحزبي الجاد دون الحاجة للجلد والانضباط عبر اللجوء للمحاكم الدستورية، فما حافز الأفراد للانضمام لعضوية الأحزاب أو الاستماع لقادتها؟ وأي حافز للعمل الحزبي الطويل إن أمكن -مثلا- إسقاط برلمان بناء على تفاسير قانونية ضيقة؟ سيختلف القانونيون -ومنهم هؤلاء الذين تعبر بهم في تقازفك المؤرّق بين محطات التليفزيون- بشأن وجاهة هذا القرار أو ذاك من قرارات المحكمة الدستورية.

ولكن أغلب الظن -أو قل إنها الحقيقة المتجاوزة لتلك الخلافات- أن ثمة بدائل لم تحظَ بما تستحق من نظر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك