بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

نماذج عالمية
نقاط تلاق
جوانب اختلاف
طوق النجاة

رغم ما يحظى به من تأييد شعبي جارف، تنتظر المشير السيسي -سواء كان مرشحا رئاسيا أو رئيسا- تحديات جسام على الصعيدين الداخلي والخارجي، لعل أبرزها محاصرة مكون الفلول والطفيلية السياسية، علاوة على ارتفاع سقف تطلعات الجماهير بالتزامن مع تنامي وتيرة الاستقطاب السياسي والانقسام المجتمعي في الداخل، فضلا عن تربص قوى إقليمية ودولية بالرجل الطموح على نحو ما بدا جليا خلال زيارته المثيرة لموسكو.

الأمر الذي يجعل من قراره خوض السباق الرئاسي المرتقب -كما إدارته للبلاد حال فوزه- في ظل الظروف العصيبة التي تعصف بمصر حاليا، ضربا من المغامرة.

نماذج عالمية
خلال كلمة له بإحدى الحلقات النقاشية بمنتدى دافوس الاقتصادي الأخير بسويسرا، رفض رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي ادعاءات تصف نائبه الأول وزير الدفاع والإنتاج الحربي المشير عبد الفتاح السيسي -المرشح لمنصب الرئاسة- بالديكتاتور, نافيا أن يكون تكرارا لنموذج الرئيس المخلوع مبارك.

وأكد أن تجربة السيسي ستكون أقرب إلى نموذج كل من الجنرال شارل ديغول في فرنسا والجنرال دوايت أيزنهاور في الولايات المتحدة، واللذين كانا من أبطال الحرب العالمية الثانية في بلديهما ثم أضحيا رئيسين بعدها.

ولفت الببلاوي إلى أن السيسي يتعرض مثلهما لضغوط شعبية هائلة كي يترشح لرئاسة مصر لانتشالها من الأزمات والاضطرابات التي ألقت بظلالها على شعبها.

من أوجه التشابه بين السيسي وأيزنهاور وديجول أن ثلاثتهم قيادات عسكرية مرموقة، صعدوا في ظرف تاريخي يتمثل في مواجهة بلدانهم تحديات داخلية وخارجية وفي ظل ظروف شديدة الصعوبة وتوقيت حرج

وبهذه المقاربة، يكون الببلاوي قد سلط الضوء على ما يذهب إليه مراقبون كثر من مقارنة موقف المشير عبد الفتاح السيسي من الرئاسة في مصر هذه الأيام بحالتي أيزنهاور وديجول عقب الحرب العالمية الثانية.

نقاط تلاق
يستطيع المدقق في الحالات الثلاث أن يلمس -بغير عناء- بعض جوانب الاتفاق، ويلحظ مكامن أخرى للاختلاف والتباين.

ففيما يخص جوانب التشابه أو التلاقي، يمكن القول إنه بجانب كون ثلاثتهم شخصيات وقيادات عسكرية مرموقة، يجمع السيسي بكل من أيزنهاور وديجول خصوصية الظرف التاريخي المتمثل في مواجهة بلدانهم تحديات داخلية وخارجية في ظل ظروف شديدة الصعوبة وتوقيت بالغ الحرج، إضافة إلى وجود مطلب شعبي ملح لهم بالترشح للرئاسة وحمل المسؤولية لإنقاذ البلاد من أخطار محدقة والخروج بها من النفق المظلم.

ما يعني أن التاريخ العسكري المشرف والناصع لثلاثتهم كان بمثابة أوراق اعتمادهم للولوج بقوة وثبات إلى عالم السياسة والوصول إلى سدة السلطة والحكم في بلادهم عبر الأقنية والآليات الديمقراطية المتعارف عليها عالميا.

ورغم أنه لم يشارك في أي من الحروب التي خاضتها مصر خلال النصف الثاني من القرن المنصرم بحكم العامل العمري، شغل المشير السيسي عدة مناصب مهمة، كان أبرزها مدير الاستخبارات الحربية، ثم نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي عقب إقالة الرئيس السابق محمد مرسي المشير طنطاوي وعددا من أعضاء المجلس العسكري في أغسطس/آب 2012.

ومؤخرا، خرجت غالبية الشعب المصري مؤيدة له ومطالبة إياه بالترشح للرئاسة بعدما استجاب لنداء الجماهير في الثلاثين من يونيو/حزيران الماضي وجنب العباد والبلاد حربا أهلية محققة.

أما الجنرال أيزنهاور، فبعد أن ترك منصب القائد العام للقوات المسلحة الأميركية ليتولى قيادة قوات حلف الناتو بباريس، طفق الحزبان الجمهوري والديمقراطي يتباريان لإقناعه بالترشح عنهما لخوض الانتخابات الرئاسية، لكنه فضل الحزب الجمهوري الذي كان لديه ميل إلى أفكاره ومبادئه، وقد قوبل ترشح أيزنهاور بترحيب شعبي واسع في الأوساط الأميركية وقتذاك على مستوى الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء.

ومن جانبه، تزعم الجنرال ديجول حركة التحرر الوطني لبلاده من الاحتلال النازي، وتمكن في عام 1944م من انتزاع اعتراف واسع بقيادته لحركة المقاومة الوطنية، وفي منتصف ذلك العام حَوَّلَ لجنة الحرية الوطنية إلى حكومة مؤقتة لجمهورية فرنسا، ودخل باريس في 25 أغسطس/آب من العام نفسه كزعيم منتصر.

ومنذ منتصف أبريل/نيسان 1958 إلى أواخر مايو/أيار من العام ذاته، كانت فرنسا في حالة هي إلى الانهيار السياسي أقرب، وهو ما دفع ديجول إلى تأسيس الحزب الديجولي أو "الاتحاد من أجل الجمهورية الجديدة".

وحينما أجريت الانتخابات التشريعية منتصف العام، فاز الحزب بأغلبية كاسحة، وعندما تلتها الانتخابات الرئاسية في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه وخاضها ديجول إثر إلحاح شعبي باعتباره منقذا ومخلصا، اكتسحها الرجل وحصل على 78% من أصوات اللجنة الانتخابية.

جوانب اختلاف
عند الحديث عن مكامن الاختلاف بين القيادات العسكرية الثلاث، تطل برأسها الخبرة السياسية كأحد أبرز الفروقات ما بين المشير عبد الفتاح السيسي وكل من أيزنهاور وديجول.

فرغم أن الأخيرين كانا عسكريين محترفين حققا نجاحات عسكرية هائلة لبلادهما إبان الحرب العالمية الثانية ضد قوات النازي على نحو ربما لم يتح بالقدر ذاته للمشير السيسي بحكم طبيعة وخصوصية الأحداث والمراحل التاريخية التي عايشها كل منهم، فإن أيزنهاور وديجول -وإضافة إلى إنجازاتهما العسكرية الرائدة- قد نالا نصيبا لا بأس به من خبرات العمل السياسي والنشاط المدني، حيث ترعرعا في ربوع وأروقة أحزاب وحركات سياسية اكتسبوا خلالها خبرات سياسية مهمة أهلتهما لتحمل مسؤوليات حكم بلديهما لاحقا والتحليق بهما في آفاق أرحب وأسمى عبر تعزيز دورهما الإقليمي وتعظيم مكانتهما العالمية.

ربما تكون أوراق الاعتماد التي يحوزها السيسي حاليا كفيلة بأن تحمله بأريحية إلى الكرسي الرئاسي، لكنه سيكون بحاجة إلى إيجاد أسس جديدة وركائز مبتكرة لشرعية استكمال مدته الرئاسية بعد أن يغدو رئيسا

فالجنرال أيزنهاور، الذي شغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية في عهد الرئيس هاري ترومان، ثم أصبح بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أول قائد أعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا، بدأ ينخرط في العمل المدني بعد أن ترك الخدمة العسكرية وقيادة الناتو سنة 1951 لينضم إلى صفوف الحزب الجمهوري، ثم يستهل عمله المدني برئاسة جامعة كولومبيا.

وبعد عامين من العمل المدني والسياسي تقدم للترشح للرئاسة على مبادئ الحزب الجمهوري ليغدو الزعيم السياسي الناهض والقائد العسكري الفذ المعروف باسم "آيك"، هو الرئيس الـ34 للولايات المتحدة خلال الفترة من 1953 إلى 1961.

أما الجنرال ديجول، فقد كان قريبا من السياسة بحكم انخراطه في الحركة الوطنية الرامية إلى تحرير فرنسا من النازية وإعادة بنائها سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، قام بتكوين منظمة تجمع الشعب الفرنسي حملت اسم "تحالف قومي"، ثم شكل بعد ذلك الحزب الديجولي المسمى "الاتحاد من أجل الجمهورية الجديدة"، والذي خاض الانتخابات التشريعية التي أجريت عام 1958 وحصد أغلبية ملفتة.

وبعد استجابته لمطلب الجماهير الغفيرة بالترشح، خاض ديجول الانتخابات الرئاسية التي أجريت بعدها بأسابيع ليحقق فوزا مؤزرا ويصبح رئيسا لفرنسا في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ثم ليبدأ مساعيه السياسية الحثيثة لتأسيس ما يعرف بالجمهورية الفرنسية الخامسة.

وعلى خلاف أيزنهاور وديجول، لم يكن للمشير السيسي تجارب أو خبرات معمقة مع العمل السياسي أو الحياة المدنية. فباستثناء إدارته الاستخبارات الحربية، لم يكن السيسي عضوا بأي حزب سياسي، ورغم أنه يحظى بتأييد شعبي جارف فإنه لا يتمتع بظهير سياسي قوي.

ولعل ذلك ما دفع بعض الحملات الشعبية الداعمة لترشحه للرئاسة مثل جبهة "مصر بلدي" و"تحالف نواب الشعب" الذي يضم برلمانيين سابقين إلى الشروع في تأسيس أحزاب سياسية كيما تكون بمثابة ظهير سياسي للمشير السيسي كمرشح رئاسي.

ثمة متغير آخر غاية في الأهمية بهذا الصدد، ففي سعيهم لحمل أيزنهاور وديجول على الترشح للرئاسة، حرص الأميركيون والفرنسيون على ألا يكون ذلك الإلحاح الشعبي على شخصيات بعينها مدعاة لتهيئة الأجواء من أجل ترسيخ مبدأ عبادة الفرد أو صناعة ديكتاتور.

لذا، خاض الجنرالان انتخابات رئاسية تتوفر فيها شروط التنافسية والتعددية، فضلا عن وجود أعلى مستويات الشفافية والنزاهة، طارحين برامج ومشاريع انتخابية واضحة وشاملة وجذابة.

ولم يرتكن أي من الجنرالين لتاريخه العسكري العريق أو إنجازاته الحربية الرائدة إبان حقبة عملهما في جيوش بلادهما، وإنما حرص كل منهما على ابتكار ركائز وأسس جديدة لشرعية الحكم والإدارة السياسية عبر بناء رصيد إضافي من النجاحات السياسية والاقتصادية والحضارية لا يقل أهمية ونجاعة عن سجل إنجازاتهما العسكري.

فمن جانبه، تمكن أيزنهاور من وضع أميركا على قمة النظام العالمي، كما رسخ تموضعها الجيوإستراتيجي في بؤر العالم الحيوية بعد أن أجهز على القيادة البريطانية للعالم عبر إدارته الماكرة لأزمة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

أما ديجول، فقد أنجز الكثير من الإصلاحات التي أعادت لفرنسا مكانتها المرموقة أوروبيا وعالميا، فبعدما أن أُقصيت بلاده عن المشاركة في تسويات ما بعد الحرب العالمية الثانية وعن النادي النووي، أعلن في سبتمبر/أيلول 1959 أن فرنسا سوف تبني بمفردها قوتها الرادعة النووية وتسترد حضورها الإقليمي والدولي.

وبالفعل، شرع في العمل الدؤوب على تطوير قدراتها العسكرية وتحديث اقتصادها زراعيا وصناعيا وتكنولوجيا، والارتقاء به إلى مستويات عالمية من الجودة والوفرة، ساعدت على فتح الأسواق الأوروبية والعالمية أمام المنتجات والصناعات الفرنسية بشقيها المدني والعسكري.

طوق النجاة
ربما تكون أوراق الاعتماد التي يحوزها المشير السيسي حاليا كفيلة بأن تحمله بأريحية إلى الكرسي الرئاسي، لكنه -دون شك- سيكون بحاجة ماسة إلى إيجاد أسس جديدة وركائز مبتكرة لشرعية استكمال مدته الرئاسية بعد أن يغدو رئيسا، وسط رضى شعبي يتمحور بدوره حول إنجازات متواصلة على كافة الصعد.

فبالإضافة إلى ضرورة سعيه لتطمين وتحييد أطراف إقليمية وقوى دولية تتوجس خيفة من قيادته الطموحة البلاد، يبدو الرجل في مسيس الحاجة إلى خارطة طريق شاملة ومتكاملة تؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ مصر وثورتها.

الأجدر بالسيسي أن يبذل قصارى جهده لتطهير نظامه المرتقب بحيث لا يقع في براثن الطفيليين وطالبي السلطة والنفوذ من أصحاب المصالح الشخصية الذين يحاولون استعادة نفوذهم

تستهل هذه الخارطة بتطبيق عدالة انتقالية ناجزة تمهد بدورها السبيل لمصالحة وطنية جادة تلم شمل كافة الفصائل السياسية الوطنية المعتدلة دون إقصاء، تحت راية العمل الوطني بعيدا عن مناخ الفرقة والانقسام وأجواء التحريض والكراهية، بغية استكمال أهداف الثورة، التي تاهت وسط زحام الصراعات السياسية بين شركائها بعضهم البعض على نحو هيأ الأجواء لتغول الثورة المضادة وعودة النظام الذي من أجل هدمه انضوى الجميع تحت لواء الفعل الثوري.

ويتعين على المصريين ألا يجعلوا من مطلبهم الملح لترشح المشير السيسي للرئاسة -بوصفه منقذا ومخلصا- مسوغا لإعادة إنتاج فرعون سياسي جديد أو ترسيخ مبدأ عبادة الفرد.

ولست أرى بداية على هذا الدرب أفضل من تأكيد قيم المحاسبة السياسية الدقيقة والرقابة الشعبية الصارمة على السلطات الحاكمة، وضمان وصول الرجل إلى سدة الرئاسة عبر انتخابات رئاسية تعددية تنافسية لا تنقصها النزاهة أو تعوزها الشفافية، بحيث يفسح المجال أمام أي مرشحين منافسين تتوفر بهم شروط الترشح، وأن يتوقف الإعلام "الفلولي" والموجه عن حرب تكسير العظام وحملات الاغتيال المعنوي لراغبي خوض السباق الرئاسي المرتقب من شتى التيارات السياسية ومختلف المشارب الفكرية.

وحري بالمشير السيسي أن يسعى جاهدا لبلورة برنامج انتخابي رئاسي متكامل وواقعي، بحيث يتضمن من الآليات ما يتيح له العروج بالبلاد والعباد إلى حيث يتطلعون، وأن يرقى بنهجه في إدارة مصر -حالة فوزه- إلى ذلك المستوى المرتفع لتطلعات الجماهير، من خلال إرساء دعائم نظام ديمقراطي يستوعب الجميع، وبناء دولة مدنية قوية متقدمة، تحظى بحضور إقليمي بارز ومكانة عالمية تليق بتاريخها وجغرافيتها وإمكانات شعبها، على غرار ما سبق وفعل كل من أيزنهاور وديجول لبلديهما.

وأجدر بالسيسي -الرئيس- أخيرا أن يبذل قصارى جهده لتطهير نظامه المرتقب، بحيث لا يقع في براثن الطفيليين وطالبي السلطة والنفوذ من أصحاب المصالح الشخصية الذين لن يتورعوا عن توخي كافة السبل الممكنة لاستعادة نفوذهم ومغانمهم، التي توارت جزئيا ومرحليا بسقوط مبارك، سواء من خلال إجهاض الثورة وتقويض التوافق الوطني وبث الفرقة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، أو عبر تحويل الزعيم الوطني الواعد إلى مبارك جديد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك