عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي



موجات التحول الديمقراطي
إشكاليات التحول الديمقراطي

ما تشهده أوكرانيا من اضطرابات قد تعصف بوجود الدولة ذاتها ليس وليد أزمة سياسية مفاجئة، كما أنه ليس بمعزل عن سياق دولي عام.

فالأحداث الأخيرة لا تتعلق فقط بخلاف بين الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة حول التقارب مع الاتحاد الأوروبي من عدمه، بل هو مرتبط بمسار التحول الديمقراطي وإشكالياته مثلما يحصل في بعض بلدان الربيع العربي التي تاه فيها هذا التحول.

فالجانب الجيوستراتيجي موجود ولكنه يعكس المؤشرات البارزة وليس الآليات العميقة للحراك الحاصل.

موجات التحول الديمقراطي
ما يحصل في أوكرانيا ليس -إذن- مجرد أزمة سياسية، كما أنه ليس بمعزل عن تحولات عامة شهدها العالم منذ ما يزيد على القرن تقريبا، هو ليس بأزمة سياسية لأنه مرتبط بإشكالية أعمق، وهي تركيز الديمقراطية في هذا البلد، وهذه الإشكالية مطروحة منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي سنة 1991.

الحقيقة أن ما يحصل في أوكرانيا -وحتى في بعض الدول العربية- مرتبط بسياق عام يسميه المؤرخون والمتخصصون في علم السياسة "موجات الانتقال الديمقراطي"

لكن واقع التسلط والخضوع لروسيا استمر إلى حدود الثورة البرتقالية سنة 2004، والتي رجحت كفة الأحزاب ذات التوجه المتقارب مع أوروبا، ثم سقطت هذه الثورة بدورها ضحية انقساماتها الداخلية التي أدت إلى سجن أحد رموزها، وهي يوليا تيموشنكو، كما أدت إلى خسارة انتخابات سنة 2010 التي أعادت إلى السلطة أنصار التقارب مع روسيا.

والحقيقة أن ما يحصل في أوكرانيا مرتبط بسياق عام يسميه المؤرخون والمتخصصون في علم السياسة "موجات الانتقال الديمقراطي"، إذ يرى صامويل هاتنغتون أن العالم شهد ثلاث موجات من "الدمقرطة".

موجة أولى شهدتها أوروبا خلال القرن الـ19، ثم موجة ثانية بعد الحرب العالمية الثانية شملت ألمانيا وإيطاليا واليابان، ثم موجة ثالثة شملت البلدان الأوروبية المتوسطية خلال السبعينيات أي اليونان، والبرتغال وإسبانيا، وقد يضيف لها هاتنغتون موجة رابعة تتمثل في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.

مقابل ذلك، تذهب بعض الدراسات إلى تقسيم آخر لموجات التحول الديمقراطي خلال النصف الثاني من القرن العشرين: شملت الأولى بلدان أوروبا الجنوبية المذكورة، ثم موجة ثانية في أميركا اللاتينية (البيرو، والأرجنتين، وإكوادور، وغيرها)، ثم الموجة الثالثة التي شملت جمهوريات الاتحاد السوفياتي بما فيها أوكرانيا خلال التسعينيات.

ضمن هذا التقسيم يرى بعض الدارسين أن الثورات العربية تندرج ضمن هذا السياق العام من موجات التحول الديمقراطي، فهي في تقسيم هاتنغتون قد تمثل موجة خامسة، أو أنها تمثل موجة رابعة حسب دراسات أخرى.

وعليه، فالمسألة ليست مجرد سياق داخلي معزول سواء في أوكرانيا أو بلاد الثورات العربية، كما أنها ليست مجرد نتاج صراع بين قوى عالمية، بل إن ما يحصل في هذا الفضاء الأوروبي والعربي هو سياق عام من الانخراط في عملية "دمقرطة" تسمح للمجتمع بإسهام أكبر في العملية السياسية.

لكن الانخراط في هذا السياق العام من "الدمقرطة" غير ضامن لنجاح التجربة، باعتبار أن الأحداث سواء في أوكرانيا أو في بعض البلدان العربية بينت أن محاولات الانتقال الديمقراطي كشفت عن مصاعب عدة تهم الدولة والمجتمع.

إشكاليات التحول الديمقراطي
الأحداث في آنيتها وفي ظاهرها تتمثل في صراع بين الرئيس يانوكوفيتش والمعارضة ذات التوجه الأوروبي. لكن مثلما سبق، فإن الحراك الحالي هو في الحقيقة جزء من مخاض طويل نحو "الدمقرطة" كان قد ابتدأ منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي.

وحتى الآن لم يرتق التنافس السياسي إلى مستوى ما تنتظره البلاد من نهضة اقتصادية واجتماعية.
وبالرغم من الإمكانيات الهائلة لأوكرانيا فإنها تبقى من البلدان التي تحقق أقل نسبة نمو مقارنة مع بلدان أوروبا الوسطى، مقابل ذلك ما زال التجاذب حول الهوية الوطنية وتوجهات الدولة على أشده.

لفهم هذا التعثر لا بد من استحضار بعض المعطيات المجتمعية والتاريخية: أولا، تفيد التجارب التاريخية بأن عمليات الانتقال الديمقراطي تكون أسهل في البلدان التي تشهد نوعا من التجانس على مستوى تركيبتها المجتمعية من حيث اللغة والدين والأصول الإثنية والجهوية.

وفي هذا الإطار نرى أن حالة عدم التجانس طاغية في الحالة الأوكرانية، فنحن نعرف أن الصراع بين الرئيس والمعارضة يخفي وراءه انقسام البلاد بين جهتين: الشرق الناطق باللغة الروسية، والغرب الذي حافظ على اللغة الأوكرانية مدعوما بنمو حركات اليمين المتطرف الوطنية.

يوجد كذلك عدم تجانس ديني سواء في داخل المجموعة الأرثوذكسية أو بينها وبين المجموعات الأخرى، فداخل المجموعة الأرثوذكسية نجد صراعا بين الكنائس التي حافظت على علاقاتها البطريرقية مع موسكو، في حين خرجت كنيسة كييف من دائرتها لتؤسس ما يشبه الكنيسة الوطنية. ثم نجد من جهة ثانية العديد من الكاثوليك في الجهة الغربية الذين بدأ يتوسع نفوذهم.

ومما يزيد من حدة حالة عدم التجانس هذه، وجود نوع من التطابق بين مستويات الانقسام المذكورة. فأنصار الرئيس يتمركزون في الشرق ولغتهم الروسية ويتبعون كنيسة موسكو الأرثوذكسية.

الصراع بين الرئيس والمعارضة يخفي وراءه انقسام البلاد بين جهتين: الشرق الناطق باللغة الروسية والغرب الذي حافظ على اللغة الأوكرانية مدعوما بنمو حركات اليمين المتطرف الوطنية
أما المناطق الغربية فلغتها الأوكرانية، ويتبعون كنيسة شبه وطنية، ولهم توجهات أوروبية على المستوى السياسي. فكأننا أمام حالة تشكّل هويتين متنافستين.

بهذا المعنى يمكن القول إن أوكرانيا -هي إلى حد ما- ضحية التاريخ والجغرافيا. ضحية التاريخ لأن تاريخها جسد عددا من الصراعات بين مختلف الإمبراطوريات مثل الإمبراطورية الروسية والبلغارية والنمساوية والعثمانية، وهو ما جعل حاضر المجتمع الأوكراني مطبوعا ببقايا هذه الهويات الثقافية وخاصة الدينية منها.

هي ضحية الجغرافيا كذلك، لأن موقعها هو الحد الفاصل بين أوروبا وآسيا، ولذلك يقال إن أصل كلمة أوكرانيا هي المنطقة الحدودية أو الهامش.

نتيجة هذا التاريخ وهذه الجغرافيا، تطرح مسألة الهوية اليوم بحدة في هذا البلد مما يصعّب من عملية التحول الديمقراطي. هذا على عكس بلدان أوروبا الوسطى (بلغاريا وبولونيا والتشيك وسلوفاكيا) وبلدان البلطيق (ليتوانيا) التي كان فيها الانتقال الديمقراطي سلسا، وهي بلدان توفر فيها حد من التجانس.

وهنا نأتي إلى المعطى الثاني في عملية التحول الديمقراطي والمتعلق بمستويي الأمة والدولة.

والمقصود بالأمة هنا هو ذلك الوعي الجماعي بالهوية الوطنية وتميزها عن الأمم الأخرى وهي تختلف بذلك عن الهويات الكبرى مثل القومية العربية، وتكون الدولة في هذه الحالة هي تجسيد قانوني ومؤسساتي للأمة.

فكلما كان الوعي الجماعي عميقا كانت الدولة قوية وسهل الانتقال الديمقراطي.


وفي حالة أوكرانيا، نرى أن عدم التجانس اللغوي والجهوي يضعف الأمة كما يضعف الدولة، وهذا ما شهدناه سواء في سلوك الرئيس المقرب من روسيا، والذي لم يحترم تعهداته الانتخابية كما تلاعب بالقوانين، أو من طرف المعارضة التي حاولت احتلال البرلمان والقصر الرئاسي بالقوة.

في هذه الحالة، يصبح التحول الديمقراطي كاشفا عن خلل أو نقص في بناء الأمة والدولة.
هذا ما نشهده كذلك في حالة بعض بلدان الثورات العربية التي تشهد تعثرا في تحولها السياسي نحو الديمقراطية، فقد توارت إشكالية الديمقراطية والحريات وراء إشكالية أعمق، وهي إشكالية الأمة الوطنية والدولة.

وتوفر لنا الحالة اليمنية أحسن مثال على دور عدم التجانس الجهوي والعشائري والديني في إضعاف الأمة والدولة مما جعل السلطات تقبل بالحل الفدرالي.

هذا الانسداد نفسه نشاهده في ليبيا بسبب التباينات الجهوية والعشائرية التي جعلت من قضية الديمقراطية قضية ثانوية أمام "البناء الدولتي".

في سوريا كذلك، نرى أن الاختلاف الطائفي والتلاعب به من طرف قوى أجنبية أسهم في انحراف مسار الثورة التي كانت قد انطلقت سلمية في درعا لتصبح اليوم شبه حرب أهلية أخذ فيها البعد الطائفي حيزا كبيرا. قد نضيف إلى هذه الأمثلة حالة العراق التي ضاع فيها "البناء الدولتي" في غياهب التجاذب الطائفي والعرقي.

هناك عامل آخر لا يقل أهمية -وخاصة في الحالة العربية- ويتمثل في عراقة الدولة، فكلما كان للدولة عمق تاريخي ومتواصل خاصة في الفترة الحديثة والمعاصرة كانت الدولة قوية وسهل نسبيا الانتقال الديمقراطي أو الإصلاح الديمقراطي.

هذه حالة تونس مثلا، التي تواصلت فيها الدولة في العصر الحديث منذ بداية حكم البايات الحسينيين سنة 1705 إلى أن ورثتها دولة الاستقلال.

الملاحظة نفسها يمكن أن نسوقها في حالة المغرب، حيث تواصلت فيه الدولة في إطار الملكية العلوية التي بسطت نفوذها على كامل البلاد منذ أواسط القرن الـ17 وتدعمت مع محمد الثالث في نهاية القرن الـ18.

أما البلدان العربية التي تشهد صعوبة في تحولها اليوم، فتتميز بحداثة "البناء الدولتي" فيها مثل اليمن وسوريا وليبيا.

ربما يذهب الترابط بين الحالة الأوكرانية والسورية أبعد مما هو ظاهر، فتنحي يانوكوفيتش قد يضعف الموقف الروسي ويجعله يبحث عن تسوية يكون نظام الأسد ضحيتها

قد نستثني من هذه الوضعية حالة مصر، التي دار تاريخها المعاصر حول التجاذب بين البعدين العسكري والمدني، وذلك منذ ثورة عرابي باشا سنة 1881، وازداد هذا التجاذب بعد ثورة الضباط الأحرار سنة 1952، ليتواصل إلى اليوم ويعيق التحول الديمقراطي.

لا بد من الإشارة في النهاية إلى دور العوامل الخارجية، إذ تفيد التجارب بأن انسداد أفق البناء الديمقراطي نتيجة العوامل الداخلية المذكورة، أي حالة عدم التجانس المجتمعي وهشاشة "البناء الدولتي"، عادة ما تؤدي إلى تدخل أطراف أجنبية سواء من باب المساعدة أو من باب توجيه الأحداث، أو حتى مسار الانتقال الديمقراطي ذاته. ففي الحالة اليمنية -وبسب توازن القوى بين النظام والثائرين- جاء الحل من الخارج (مجلس التعاون الخليجي)، الشيء نفسه حصل في ليبيا عبر تدخل حلف الناتو لحسم الوضع ضد القذافي.

ويزداد احتمال هذا التدخل كلما كان للبلد المعني مكانة في الوضع الجيوستراتيجي.
هكذا نفهم الاهتمام بأوكرانيا، وهي تمثل الحد بين أوروبا الباحثة عن التوسع الاقتصادي وبين روسيا التي تطمح نخبتها السياسية القومية إلى إحياء المجال الحيوي لروسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي.

وهكذا أيضا نفهم الاهتمام النسبي بالحالة السورية، وما تمثله من وزن في شرق أوسط نفطي وتهيمن عليه إسرائيل عسكريا.

وربما يذهب الترابط بين الحالة الأوكرانية والسورية أبعد من ذلك، فتنحي يانوكوفيتش قد يضعف الموقف الروسي مما يجعله يبحث عن تسوية قد يكون نظام الأسد ضحيتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك