متطلبات المصالحة
عوامل مشجعة
عوامل كابحة
إمكانية المصالحة

تتحدث بعض المصادر الموثوقة أن في الأفق محاولة جديدة لإنفاذ المصالحة الفلسطينية، وبدأت فكرتها منذ اللقاء الذي ضم بعض قيادات حركتي حماس وفتح في الدوحة على هامش المؤتمر الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ديسمبر/كانون الأول 2013.

عقب ذلك، جرت اتصالات هاتفية بين مشعل وهنية من جهة وأبو مازن من جهة أخرى، رافقتها اتصالات أخرى بين عزام الأحمد وكل من هنية وأبو مرزوق. وفي الأثناء، تحدثت المصادر عن لقاء بين مشعل والرجوب بهذا الخصوص.

لعل الأطراف الفلسطينية شعرت بضرورة المصالحة في الوقت الراهن، نظرا للمشهد الفلسطيني المنزوي الذي لا يكترث له أحد في أجواء الاضطرابات الإقليمية الجارية، ولحسابات تتعلق بالأطراف ذاتها.

لا يجادل أحد في أهمية المصالحة الفلسطينية، باعتبارها ضرورة وطنية لاجتياز نفق الانقسام الذي أضر بالمشروع الوطني الفلسطيني، متضافرا مع حالة الضعف العربي الراهنة

فملف التسوية على شفا الهاوية، إما التساوق مع كيري تحت سقف اتفاق الإطار الذي لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الطرف الفلسطيني، ومندرجاته التي تعني تصفية شاملة للقضية الفلسطينية، أو رفض ذلك، بما يعنيه من حصار مالي وتضييق الخناق على السلطة الفلسطينية.

وفي الجانب الآخر، المقاومة محاصرة في غزة بأسيجة عربية وعبرية، ومكبلة في الضفة الغربية، وترزح تحت احتلالين: أجهزة الأمن الفلسطينية، وقوات الاحتلال.

لا يجادل أحد في أهمية المصالحة الفلسطينية، باعتبارها ضرورة وطنية لاجتياز نفق الانقسام الذي أضر بالمشروع الوطني الفلسطيني، متضافرا مع حالة الضعف العربي الراهنة، مما فتح نوافذ الفرص على مصراعيها للدولة العبرية، كي تتوغل في تنفيذ إستراتيجيتها عبر قضم الأرض الفلسطينية بالضفة الغربية، في إطار برنامج استيطاني مكثف أوصل عدد المستوطنين حاليا إلى ما يزيد على 650 ألف مستوطن بما في ذلك مدينة القدس.

يرافقه برنامج تهويد مركّز لمدينة القدس والمسجد الأقصى، إذ الأخير غدا مقسما زمنيا للصلاة فيه بين المسلمين واليهود، والمخطط جارٍ لتحقيق التقسيم المكاني.

مرت المصالحة الفلسطينية بمحطات عديدة، اقتربت في بعضها من مرحلة الإنجاز، ولكن المؤثرات الدولية والإقليمية حالت دون إنجازها أكثر من مرة.

فما متطلبات المصالحة الفلسطينية؟ وما العوامل الدافعة والكابحة لها؟ وما أفق إنجازها، بمعنى هل هي ممكنة في الظرف الراهن؟

متطلبات المصالحة
لأن المصالحة انتكست في محطات عديدة، وترك تعثرها آثارا بالغة على القضية الوطنية والشعب، لأجل ذلك وبخبرة التجربة فلا بد من توفير الحد المعقول من الدعائم اللازمة لإنجاحها، كي تتجاوز العقبات والتحديات التي تواجهها، لعل من أبرزها المتطلبات التالية:

- تحتاج المصالحة كي تنجح لراعٍ إقليمي وازن، ومقبول لدى أطراف المعادلة الفلسطينية، ويقف على الحياد بين أطراف الخلاف الفلسطيني، وقادر على تحييد المؤثرات الإقليمية والدولية التي تمنع إنفاذها.

- من ضرورات نجاحها توافر الإرادة السياسية الصادقة والجادة من قبل طرفي الخلاف الفلسطيني الأساسيين، وعدم الولوج فيها بهدف تحقيق أهداف ذاتية.

- أن يتضمن مشروع المصالحة برنامجا سياسيا توافقيا مؤسسا على قاعدة القواسم المشتركة، لأن أي مصالحة من دون ذلك البرنامج ستظل مجرد حزمة من الإجراءات المتناثرة بلا نسيج ناظم تحكمه رؤية سياسية مرحلية وتوافقية.

- لضمان إنفاذها لا بد من دعم عربي جاد، يشمل توفير غطاء سياسي لمشروعها مساند لبرنامجها، يعضده توفير شبكة أمان مالي، لتحرير السلطة الفلسطينية من الضغوط المالية الغربية.

- أن تكون في سياق برنامج يحوي آليات تنفيذ واضحة ومزمنة، توازيها معايير تنفيذ ضابطة، ضمن حزمة متكاملة تلبي الحد المعقول من طلبات الأطراف الفلسطينية، تساندها ضمانات كافية من جهة أطراف وازنة.

تحتاج المصالحة لراعٍ إقليمي وازن، ومقبول لدى أطراف المعادلة الفلسطينية، ويقف على الحياد بين أطراف الخلاف الفلسطيني، وقادر على تحييد المؤثرات الإقليمية والدولية التي تمنع إنفاذها

- لتعزيز الجدية لدى الأطراف الفلسطينية يحسن البدء بتنفيذها في توقيت يناسب أطراف الخلاف، بحيث تفرّغ لحظة التنفيذ من أي تأثيرات سياسية مرافقة قد يستفيد منها أحد الأطراف دون الآخرين.

- والأهم أن تكون وفق رؤية إستراتيجية وطنية لإدارة الصراع مع العدو، من أجل التحرك في مواجهة دولة الاحتلال على قاعدة القواسم المشتركة، وبحسب برنامج يهدف إلى تعظيم كل موارد القوة وتكتيلها لتحقيق الأهداف الفلسطينية العليا.

عوامل مشجعة
لا ريب في أن العوامل الذي تدفع لإنجاز المصالحة عديدة، باعتبارها ضرورة وطنية لازمة، ولكون الانقسام يشكل ضررا كبيرا يفت في أساسات المشروع الوطني الفلسطيني، حيث مشهد الصراع يبدي الجبهة الصهيونية متماسكة، بينما الحركة الوطنية الفلسطينية منقسمة على ذاتها، وتاليا سردية لأهم العوامل التي تدفع لإنجازها:

- المشهد الفلسطيني في ظل الانقسام يبدي الأطراف الفلسطينية في صورة صراع على السلطة غير المكتملة أصلا (سلطة تحت الاحتلال)، ويظهرها جهات متصارعة تغلّب المصالح الفئوية على حساب الأجندة الوطنية.

- يحصر الانقسام الفلسطيني تأثير كل طرف من جناحي الحركة الوطنية (حماس وفتح) في دائرة نفوذه الجغرافية (جغرفة الخلاف السياسي)، مما يشكل خسارة فادحة لمجمل المشروع الوطني، بل مع الزمن يخلق -وقد خلق- نوعا من الطائفية السياسية المضرة بالعمل الوطني، ولا شك في أن ذلك يستخدم كأداة من قبل العدو لتفتيت الجبهة الفلسطينية.

- المزاج الشعبي الفلسطيني ضاغط لإنجاز المصالحة، لأن تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أضرت بكل الجسم الفلسطيني، ولا غرو أن الجماهير تتشوق لتوحيد اللحمة الوطنية لمواجهة المشروع الصهيوني الذي يهدد الوجود والهوية.

- المصالحة ضرورة لقطع الطريق على إستراتيجية الدولة العبرية التي تقتطع الأرض بالاستيطان، وتغيّب وجه القدس والأقصى العربي والإسلامي بالتهويد المنظم والمتدرج وفق جدول زمني مدروس يسابق الزمن، لتقطف ثمار اللحظة التاريخية المتاحة لها.

- من المفترض أن تتخذ المصالحة كبوابة للتوافق الفلسطيني لإنجاز إستراتيجية وطنية موحدة، لإخراج الملف الفلسطيني من انزوائه الحالي في المشهد الإقليمي المضطرب، ولمواجهة العدو في إطار برنامج وطني توافقي.

- يستخدم الانقسام لدى بعض الأطراف العربية كذريعة للتقاعس عن القيام بالدور القومي لدعم القضية والشعب الفلسطيني، وبالتالي من المهم أن تنزع هذه الذريعة من يد من يتكئون عليها لتبرير تقصيرهم تجاه القضية العربية المركزية.

- المصالحة مهمة لإعادة القضية الفلسطينية إلى ألقها في المشهد الإقليمي، ولفرضها على المشهد باعتبارها مركز الصراع ومادته الأساسية، إذ إن الأطراف الدولية -بسبب انزواء الملف الفلسطيني وانشغال العرب بأحوالهم الداخلية- تستفرد بالطرف الفلسطيني حاليا لتفرض عليه تسوية بالمقاس الصهيوني، مما يستدعي توحيد الجهود الفلسطينية لإنقاذ القضية من التصفية النهائية.

عوامل كابحة
تضافرت جملة عوامل طوال مسيرة المصالحة عملت على كبحها وإفشالها في أكثر من محطة، وفي المرحلة الحالية أضيف إليها عامل آخر يتعلق بالمتغيرات الإقليمية عقب الانقلاب على الربيع العربي، مما أنتج مشهدا إقليميا مضطربا شديد السيولة تظلله سحب قاتمة من عدم اليقين.

ولعل أبرز تلك المتغيرات الحملة المنسقة المضادة لـ"الإسلام السياسي" وكافة تفريعاته في المنطقة.
وأبرز الكوابح هي:

- عدم توافر الراعي الإقليمي المتوازن، فالنظام المصري الحالي المعادي لحماس والمحاصر لحكومتها في غزة لا يمكن أن يكون راعيا متوازنا، ناهيك عن انشغالات النظام بشؤونه الداخلية.

- ضعف الحالة العربية الراهنة، وانشغال معظم نظمها بأحوالها الداخلية القلقة التي أفرزتها موجة الربيع العربي، وتداعياتها المتمثلة بالثورة المضادة.

- غياب الثقة لدى طرفي الخلاف الفلسطيني، حيث أظهر السلوك السياسي الفلسطيني تجاه المصالحة في الفترة الماضية صورة تؤكد أنه يتم تفعيلها لحسابات سياسية طارئة، وليس في إطار رؤية وطنية فلسطينية جامعة.

- غياب البرنامج السياسي الوطني التوافقي على قاعدة القواسم المشتركة ساهم في إجهاض فرص المصالحة، ولا جدال في أنه العمود الفقري لأي مشروع مصالحة جادة وناجحة.

- المشهد الإقليمي تتسيده حملة شرسة لمحاربة "الإسلام السياسي" من قبل جهات إقليمية ودولية، لكونه عماد الربيع العربي الذي هدد أنظمة الاستبداد العربي، وأسفر عن فرصة إستراتيجية سانحة لإزاحة وطأة الهيمنة الغربية عن المنطقة.

غياب الثقة لدى الطرفين يمثل أحد كوابح المصالحة، فقد أظهر السلوك السياسي الفلسطيني تجاه المصالحة في الماضي أنه يتم تفعيلها لحسابات سياسية طارئة، وليس ضمن رؤية وطنية فلسطينية جامعة

وباعتبار حماس أحد تجليات "الإسلام السياسي" المستهدف، فالحملة كما يبدو تشملها، وتتمظهر بالحصار الخانق الذي يفرضه النظام المصري الجديد على حكومتها في غزة.

وحينما يبرز ملف المصالحة فجأة -وفي هذا التوقيت بالذات- في ظل حالة ترقب على عتبة إبرام اتفاق إطار برام الله، يقابله حصار خانق على المقاومة في غزة، فإن الشكوك تتكثف تجاه خطوة المصالحة الحالية (خاصة أن عباس هو من تنازل فجأة عن شرط إجراء الانتخابات بعد ثلاثة أشهر)، وبالتالي ربما تأتي المصالحة حاليا كعتبة للنفاذ إلى قطاع غزة، لمواجهة حماس من الداخل وتفكيك قبضتها على القطاع، باتجاه المس ببرنامج المقاومة، باعتباره بؤرة الاستهداف المركزية.

إمكانية المصالحة
في أجواء المناخ الإقليمي المضطرب -الذي يتسم بالسيولة العارمة- من المستبعد أن تلقى خطوة المصالحة المقبلة فرصة نجاح كافية، بسبب غياب الراعي الإقليمي المتوازن، ولضعف الحالة العربية الراهنة غير القادرة على دعم الأطراف الفلسطينية في هذا الاتجاه، وغياب البرنامج السياسي اللازم لنظم برنامج المصالحة وتوجيه بوصلتها الوطنية.

هذا فضلا عن عدم توافر الثقة المتبادلة بين طرفي الخلاف، ويعززه من جهة حماس العامل الجديد المتمثل بالحملة التي تستهدف "الإسلام السياسي" في المنطقة الممتدة من الرباط حتى أنقرة، وما تعكسه تلك الحملة من تخوفات لدى الحركة من أن تكون خطوة المصالحة الجديدة مجرد مسار في هذه الحملة الإقليمية الشاملة، بهدف اختراق حصن غزة من الداخل، لإضعاف قبضة حماس على القطاع، تمهيدا لتفكيك برنامج المقاومة.

وجوهر الفكرة الأخيرة تضمنته دراسة خاصة أصدرها مركز أبحاث تابع للخارجية الأميركية قبل بضعة أشهر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك