عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


 
عواقب أزمة اللجوء
تعاظم تجارة السلاح
قضية العائدين
جرائم ضد الإنسانية
تنامي الاستقطاب الإقليمي

كيف تؤثر الأزمة الراهنة في سوريا على البيئة الأمنية للشرق الأوسط والعالم؟ وما طبيعة هذا التأثير؟ وما تجلياته المباشرة وبعيدة المدى؟

عواقب أزمة اللاجئين
يتبدى أول مهددات الأمن الإقليمي والدولي -ذات الصلة بالأزمة السورية- في طوفان اللاجئين، الذين بلغ عددهم الفعلي أربعة ملايين نسمة، يضاف إليهم أكثر من هذا العدد من النازحين داخليا، ويُمثل هذا الرقم أحد أضخم حالات النزوح التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

ويبلغ إجمالي اللاجئين والنازحين السوريين ما نسبته نحو 20% من المجموع العالمي المقدر بـ 42 مليون نسمة.

وإضافة للتضخم الكبير لأعداد اللاجئين، فإن حالة النزوح واللجوء السورية بدت أكثر تحديا في حسابات الأمن الدولي بالعديد من المعايير.

أول المهددات الأمنية يتبدى في طوفان اللاجئين، الذين بلغ عددهم الفعلي أربعة ملايين، يضاف إليهم أكثر من هذا العدد من النازحين داخليا، ويُمثل هذا الرقم أحد أضخم حالات النزوح عالميا

فهي عبرت أولا عما يشبه الانفجار الاجتماعي الداخلي، بملاحظة نسبة النازحين واللاجئين إلى إجمالي عدد السكان.

كذلك، حدثت هذه الأزمة في غضون فترة زمنية قصيرة تصعب مواكبتها إنسانيا وأمنيا. وأخيرا، فإن هذه الأزمة قد انفجرت على دول صغيرة ذات طاقة استيعابية محدودة، يعاني بعضها من ضغط أزمات قديمة مماثلة، كما في حالتي الأردن ولبنان.

وهناك بُعد آخر لم تتم ملاحظته بداية، وهو أن موقع سوريا الجغرافي على البحر الأبيض المتوسط قد مثل عاملا رئيسيا لانسياب اللاجئين إلى حدود بعيدة، وانتشارهم بأعداد متفاوتة في عدد كبير من الدول، على الرغم من أن ثقلهم بقي متركزا في الجوار الجغرافي المباشر.

هذه الخصائص لواقع اللجوء السوري وضعت المجتمع الدولي أمام تحديات غير محسوبة، تخطت القدرات الإجرائية لمؤسساته ذات الصلة، وأوقعت دول الجوار في مأزق اجتماعي وأمني، فرض عليها قدرا عاتيا من الضغوط.

وفي إطار المقاربة الأمنية لأزمة اللاجئين السوريين، برز تحد كان في الأصل متوقعا، تمثل في تفشي عصابات الجريمة المنظمة، التي سعت لاستغلال مأساة اللاجئين لغايات منافية للقانون الدولي، على نحو يزيد من واقع المحنة ويرمي بتداعياته المدمرة على فرص الأمن والاستقرار، إن على المستويات الوطنية، أو ما هو أبعد منها.

تعاظم تجارة السلاح
ثاني مهددات الأمن الإقليمي والدولي -النابعة من الأزمة السورية- يتجلى في انفجار ظاهرة التجارة الفردية للسلاح، إن في الداخل السوري أو في جواره الإقليمي.

هذه الظاهرة ليست جديدة تماما على المنطقة، إلا أن الجديد فيها هو تعاظم حجمها، وتضخمها إلى درجة الانفلات، الذي غدت معه خارج نطاق السيطرة على نحو تام.

ليس هناك اليوم من يُمكنه الزعم بالقدرة على التحكم في هذه التجارة أو الإمساك بخيوطها، وذلك لسبب بسيط هو أنها غير منظمة في كافة جوانبها، وغير موجهة مركزيا من تنظيمات أو جماعات محددة.

وإذا وضعنا جانبا الحديث عن الداخل السوري ذاته، فإن ما يدور في المحيط يبدو مثيرا ومذهلا، ولنأخذ العراق مثالا.

في محافظات العراق المختلفة، تتكدس لدى الأهالي أكثر من سبعة ملايين قطعة سلاح، بين خفيف ومتوسط وثقيل، بل وحتى طائرات حربية من طرازي "ميك" و"سوخوي"، جرى السطو عليها وتفكيكها، ودفنها في مزارع وحدائق.

وقد بيعت بعض هذه الطائرات مفككة لتجار سلاح أردنيين بأسعار بخسة، وقاموا هم بدورهم ببيعها في السوق السوداء الدولية.

وكانت الثكنات العسكرية منتشرة في عموم العراق، وضمنها مستودعات الأسلحة، سواء للجيش أو الحرس الخاص أو الجيش الشعبي، كما تحولت الكثير من المدارس في حرب عام 2003 إلى مستودعات للأسلحة والذخيرة، وقد تعرضت أغلب هذه المواقع لعمليات سطو كبيرة، حدثت في ظل فوضى عارمة.

وفي السنوات الأخيرة، نشط سماسرة السلاح المحليون وغيرهم لشراء هذه الأسلحة، المغرية من حيث تنوعها وحداثتها النسبية، فهي تشمل مدافع الهاون والصواريخ والقاذفات، فضلا عن البنادق والمسدسات على اختلافها.

وقد قام العديد من السماسرة بتهريب ما حصدوه من أسلحة وذخيرة عراقية إلى محافظات القطر الشرقية، وخاصة دير الزور.

وما يُقال عن العراق يُمكن إسقاطه -مع اختلاف التفاصيل والظروف- على لبنان، الذي ارتفعت فيه أسعار الأسلحة الفردية والخفيفة إلى أكثر من عشرة أمثال ما كانت عليه قبل عام 2011.

والفرق الرئيسي بين حالتي العراق ولبنان هو أن الأسلحة المتجهة من هذا الأخير إلى سوريا تعد أكثر ارتباطا بحرب العصابات، وبعضها مصنع محليا من قبل جماعات محترفة.

وهذه الأسلحة كانت -ولا تزال- تتجه نحو محافظتي حمص وريف دمشق، وهي تتحرك في عملية شبه معلنة، على خلاف ما يدور في المحافظات الشرقية للقطر مع العراق.

وعلى الرغم من أن الأسلحة التي يجري تهريبها من الداخل العراقي قد أخذت في الغالب من مخازن القوات المسلحة خلال عام 2003 -وتعتبر حديثة نسبيا- فإن تلك المهربة من لبنان تفوقها حجما بأضعاف مضاعفة، وهي خليط من أنواع مختلفة من تجارة السلاح.

وإضافة للساحتين العراقية واللبنانية، بدت بعض الدول الأخرى في المنطقة وقد لحقتها هذ الظاهرة، وإن بدرجات أقل.

إن تداعيات الانفجار الفوضوي للتجارة الفردية للسلاح في الشرق الأوسط قد لا تتبدى كاملة في وقتنا الراهن، لكنها سوف ترمي مستقبلا بتداعياتها عميقة الأثر على الأمن الإقليمي، واستتباعا الدولي.

قضية العائدين
البعد الثالث في عواقب الأزمة السورية على الأمن الإقليمي والدولي، يتجلى في انتشار ثقافة القتال ومهاراته بين آلاف الشبان من دول المنطقة وخارجها.

استمرار الأزمة أدى إلى استفحال ظاهرة تجارة السلاح، وانتشار ثقافة القتال ومهاراته بين آلاف الشبان من دول المنطقة وخارجها، ووجود آلاف الشباب المدربين على القتال خارج أطر الدول التي ينتمون إليها

إن القضية الرئيسية هنا تتمثل في فكرة أن وجود آلاف الأفراد المدربين على القتال خارج أطر الدول التي ينتمون إليها، يُمثل تحديا للأمن القومي لهذه الدول، كما أنه تحد إقليمي ودولي في التحليل الأخير.

ولعل هذا الأمر تحديدا هو ما تركز عليه أجهزة الاستخبارات الدولية، وتتحدث عنه تقاريرها المتواترة، وهو يشكل في الوقت الراهن محور دراسات العديد من مراكز البحث الغربية.

وفي الحقيقة، ليس هناك من يُمكنه تقديم رقم دقيق حول العدد الفعلي للعناصر التي ذهبت إلى سوريا من دول الشرق الأوسط المختلفة، فضلا عن دول العالم عامة، وما يجري نشره من أرقام يبقى تقديريا فحسب.

وحتى وقت قريب، لم تكن ظاهرة المقاتلين العرب والأجانب في سوريا أمرا مثيرا لاهتمام أجهزة المخابرات العالمية، إلا أن هذه الأجهزة بدأت في الفترة الأخيرة تتحدث عن خطر "العائدين من سوريا"، الذين ربما جرى تدريبهم على القيام بأنشطة أمنية داخل دولهم.

وبطبيعة الحال، فإن المقاربات هنا تتفاوت بين دولة وأخرى، إلا أن أجهزة أمن مختلفة حول العالم أعلنت عن اجتماعات تنسيقية بينها على هذا الصعيد، وحدث هذا حتى بين دول يفترض أنها في خصومة سياسية.

جرائم ضد الإنسانية
البعد الرابع في مهددات الأمن الإقليمي والدولي -ذات الصلة بالمسألة السورية- يتمثل فيما يُمكن تعريفه قانونيا بالجرائم ضد الإنسانية، التي تم توثيقها في عدد من الأحياء والبلدات، حيث جرى قتل المدنيين على نحو متعمد، وتم أحيانا التمثيل بهم، ونشر صورهم على مواقع الشبكة العنكبوتية.

كذلك، يدخل في عداد الجرائم ضد الإنسانية الخطف الجماعي للمدنيين.

ويدخل في التصنيف ذاته حصار المدن والبلدات، لأن فيه تهديد صريح للحياة البشرية، وهو شكل من العقاب الجماعي، الذي يتسبب في كوارث إنسانية. ويعتبر هذا الفعل من جرائم الحرب وفقا للقانون الدولي الإنساني.

ومنذ عقود عدة، أثار العلماء نقاشا حول وجه العلاقة بين الجرائم ضد الإنسانية والأمن الدولي.
وجاء في خلاصة هذا النقاش أن الفظائع المرتكبة بحق المدنيين عامة، أو بحق عرقية أو طائفة أو قبيلة معينة، تمثل أهم محفزات الحروب، وأقوى دوافع استمرارها.

وإن من شأن مثل هذه الجرائم توسيع رقعة الحرب إلى خارج الحيز الوطني الذي تدور فيه، إذا تسببت في خلق شعور بالامتهان أو الاستهداف لدى عرقية أو طائفة معينة.

وإضافة لهذا التحليل الذي خلص إليه الفقهاء، فإن الأمر -بالنسبة لنا نحن في الشرق الأوسط- ينطوي على أهمية خاصة نتيجة للتداخل التقليدي الوثيق بين الطوائف والأعراق، مما ينذر بتفجر حروب أهلية، وربما حرب إقليمية طاحنة ومدمرة، يفقد الجميع إمكانية السيطرة على مجرياتها واتجاهاتها.

ومن هنا، تأتي ضرورة توخي الحذر الشديد في مقاربة الأحداث على الأرض، لأن هذه المنطقة هي اليوم في وضع معين ومن المحتمل -والممكن جدا- أن تصبح غدا في وضع مختلف، ونقول جميعا حينها ليتنا لم نصل إليه.

تنامي الاستقطاب الإقليمي
البعد الخامس في مهددات الأمن الإقليمي والدولي -ذات الصلة بالأزمة السورية- يتمثل في ارتفاع منسوب الاستقطاب إقليميا وعالميا.

هناك استقطاب حاد حول سوريا، يعيد إلى الأذهان الانقسام الذي حدث حول قضايا كبرى، مثل حرب الخليج الثانية عام 1991، وحرب العراق عام 2003.

ونحن اليوم بصدد مستويين من الاستقطاب، إقليمي ودولي، يتزاوج الأول مع الثاني، أو هو لصيق له في الحد الأدنى.

أزمة سوريا أدت إلى ارتفاع منسوب الاستقطاب إقليميا وعالميا، بشكل يعيد إلى الأذهان الانقسام الذي حدث حول قضايا كبرى، مثل حرب الخليج الثانية عام 1991، وحرب العراق عام 2003

في هذا الإقليم -ونعني به الشرق الأوسط- تجاوز الاستقطاب مستوى الحرب الباردة الإقليمية بالصورة التي كانت قائمة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ليقترب من حرب الإرادات الوجودية.

في الصورة الجديدة لهذه الحرب، تجاوزنا ما هو سياسي وإعلامي إلى حيث الفعل الأمني، مباشرة أو مداورة. وهي بهذا المعنى حرب الجميع ضد الجميع، وهذا وضع لم يشهد له الشرق الأوسط مثيلا حتى في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، التي انخرط فيها معظم العرب، دولا وأحزابا.

والحرب الباردة الإقليمية هذه مرشحة للتصاعد لا النزول، لأن أحدا ليس في وارد التخلي عن رهاناته، وأن آفاق الحسم العسكري لا تبدو واضحة المعالم.

على المستوى الدولي، لا نبدو أمام مشهد مماثل من الاستقطاب، وذلك لسبب بسيط هو أن الولايات المتحدة وروسيا لديهما من نقاط التلاقي والخلاف ما يفوق الشرق الأوسط ذاته.

كما أن التمسك الأميركي بهذا الشرق لم يعد بالمستوى الكبير الذي كان قائما قبل الانسحاب من العراق، وذلك بخلاف الروس الذين يشعرون بمزيد من الحاجة إليه. ولذا، نحن اليوم أمام استقطاب دولي ناعم وحسب حول سوريا، ولسنا بصدد حرب باردة دولية عليها.

وخلاصة ما يُمكن قوله -في سياق هذا الإيجاز- هو أن القضية السورية أضحت العامل الأكثر تأثيرا في معادلة الأمن الإقليمي، وهي مؤثر رئيسي في التفاعلات الراهنة للبيئة الدولية.

وهذا يعني في التحليل الأخير، أن سوريا اليوم موضع اهتمام العالم، أما حصيلة هذا الاهتمام -وما إذا كانت موجبة أو سالبة- فتعتمد على الكيفية التي يقارب بها السوريون قضاياهم الوطنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك