عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.



من الانسداد إلى الفشل
أسباب الفشل
مسؤولية القوى الدولية

بعد تحضيرات وضغوط عديدة -أميركية وروسية- وتجاذبات ومشاهدات ما بين المعارضة والنظام، عقد مؤتمر جنيف2 بجولتيه الأولى والثانية دون التوصل إلى نتائج تذكر، وقد أعلن المبعوث المشترك الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي تعثر المفاوضات وتوقفها، بسبب عدم الاتفاق على نقاط أجندة التفاوض التي اقترحها، حيث رفض وفد النظام مناقشة مسألة هيئة الحكم الانتقالي.

من الانسداد إلى الفشل
لم يجد الإبراهيمي أمامه في مؤتمره الصحفي سوى أن يُحمّل -علنا- وفد النظام السوري مسؤولية الفشل، حيث قال صراحة إن "وفد النظام رفض مناقشة ثلث ما جاء في أجندة التفاوض، ورفض مناقشة بند هيئة الحكم الانتقالي"، ووجه اعتذارا للشعب السوري عن "عدم التمكن من تحقيق تقدم في مفاوضات جنيف".

جولتا جنيف تبين أن النظام لم يرسل وفده للتفاوض على تطبيق القرار 2118 وتطبيق بنود اتفاق جنيف1، بل كي يراوغ ويماطل، في محاولة منه لتحويل قطار التفاوض عن سكة الحل السياسي

وكشف الناطق الرسمي باسم الائتلاف السوري المعارض أن "الإبراهيمي اعترف بأن من يقوم بتعطيل المفاوضات هو وفد النظام، خاصة أنه أنهى جلسة اليوم بشكل عصبي، إذ عقد اجتماعا أمس مع الجعفري، وأبدى الأخير موافقته على مناقشة جدول الأعمال كما قرره الإبراهيمي، إلا أنه رفض خلال جلسة اليوم ذلك، وأنكر وعده الذي قطعه أمس للإبراهيمي، ما دفع بالأخير إلى إنهاء الجلسة ومغادرة القاعة".

ويؤكد سلوك وفد النظام في مفاوضات جنيف على سياسة الإنكار والتعطيل والمماطلة، التي ينتهجها النظام الأسدي على مدى عقود عديدة من حكم سوريا، حيث إن بشار الجعفري خرج على الصحفيين -بعد فشل مفاوضات الجولة الثانية- لينكر ما قاله الإبراهيمي، وراح يتبجح بالقول "نحن وافقنا على مشروع جدول الأعمال الذي قدمه الإبراهيمي، ويبدو أنه أثار حفيظة الطرف الآخر، ويثير تأويلاته، وتفسيراته الخاصة، حول تطبيق مشروع جدول الأعمال".

وكذلك ذهب وزير خارجية النظام وليد المعلم، في سياسة الإنكار نفسها، ليتحدث عن أن الجولة التفاوضية الثانية في جنيف "لم تفشل وأحرزت تقدما مهما"، في تناقض سافر لما أعلنه الموفد المشترك الأممي العربي الأخضر الإبراهيمي.

وتبيّن من خلال جولتي التفاوض في جنيف أن النظام السوري لم يرسل وفده للتفاوض على تطبيق القرار 2118 وتطبيق بنود اتفاق جنيف1، حسبما نصت عليه الدعوة إلى مؤتمر جنيف2، بل كي يراوغ ويماطل، في محاولة منه لتحويل قطار التفاوض عن سكة الحل السياسي، التي تفضي إلى قيام هيئة حكم انتقالي.

ولذلك اتسمت الجولة الأولى بانسداد أفق التفاوض فور البدء في مناقشة القضايا السياسية، حيث إن وفد النظام أراد تحويل مؤتمر جنيف إلى مؤتمر لمحاربة الإرهاب، أي لمحاربة فصائل المعارضة المسلحة وتدمير الحاضنة الشعبية للثورة، بينما ركز وفد الائتلاف على تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، التي تقود المرحلة الانتقالية، وتتكفل بتنفيذ بنود اتفاق جنيف1، لذلك وصل التفاوض إلى مرحلة من الانسداد تتطلب جهودا وضغوطا كبيرة للخروج منها.

وبالرغم من ذلك دعا الإبراهيمي إلى جولة ثانية للتفاوض، لكنه اصطدم مرة أخرى بوفد النظام الذي رفض الأجندة التي اقترحها، القائمة على أربع نقاط: أولها مناقشة وقف العنف ومحاربة الإرهاب، وثانيها قيام هيئة الحكم الانتقالي، وثالثها مؤسسات الدولة بين الاستمرارية والتغيير، ورابعها الحوار الوطني والمصالحة الوطنية.

ثم أراد أن يرحّل أجندته إلى جولة ثالثة من التفاوض، فاصطدم أيضا برفض وفد النظام ثلث أجندته، وخاصة رفض مناقشة هيئة الحكم الانتقالي -حسبما أعلن الإبراهيمي- وبالتالي أفضى الانسداد في أفق التفاوض الذي سبّبه سلوك وفد النظام إلى فشل المفاوضات، وترحيل أمرها إلى الدولتين الراعيتين (روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية) وإلى الأمم المتحدة، بوصفها وسيط عملية التفاوض والداعية لها.

النظام أراد تحويل جنيف إلى مؤتمر لمحاربة الإرهاب، وتدمير الحاضنة الشعبية للثورة، بينما ركز الائتلاف على تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، فوصل التفاوض إلى مرحلة انسداد تتطلب جهودا للخروج منها
أسباب الفشل
أسباب الفشل عديدة، سواء من جهة غموض بنود جنيف1، أو من جهة عدم وجود مرجعية وضمانات لنجاح عملية التفاوض، أو من جهة عدم وجود سقف زمني لعملية التفاوض. ولعل الأهم هو المبدأ الذي يقوم عليه التفاوض، وهو مبدأ الرضا، الذي يقتضي موافقة الطرفين ورضاهم بأي قضية تطرح للمناقشة، فضلا عن أن كل بنود أجندة الإبراهيمي المطروحة للتفاوض يختلف فهمها وتفسيرها ما بين فهم وفد النظام وفهم وفد الائتلاف المعارض.
 
فمسألة وقف العنف مثلا، يريد وفد النظام حصرها في محاربة الإرهاب، الذي يتطلب قطع الإمداد الخارجي عن المجموعات الإرهابية، وجعلها موضوع المفاوضات الحتمي، ويصر وفد النظام على أن مصدر العنف هو المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام، ويريد أن يتعهد وفد الائتلاف بمحاربة هذه المجموعات، وتحويل الكارثة السورية المتفاقمة الناتجة عن تعامل النظام مع الأزمة الوطنية السورية- التي تمتد على طول ثلاث سنوات- إلى قضية إرهاب، يتعرض لها هذا النظام المسكين والمسالم، الذي لم يقصف الغوطتين بالأسلحة الكيميائية، وبكافة أنواع الأسلحة المتوفرة لديه، ولا يُلقي يوميا عشرات البراميل المتفجرة على المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرته.

وفي المقابل، يريد وفد المعارضة بحث مسألة وقف عنف النظام وإرهاب الدولة، الذي خلّف أكثر من 150 ألف ضحية، وهجر وشرد أكثر من سبعة ملايين من أماكن سكنهم إلى خارج البلاد وداخلها.

ويكشف واقع الحال أنه لا يمكن معالجة المشاكل والأزمات التي يتعرض لها السوريون بنتائجها، إلا بالقفز عن مسبباتها، والتغاضي عن الحرب الشاملة ضد المحتجين والثوار، التي بدأها النظام الأسدي منذ اندلاع الثورة السورية.

كما لا يمكن لعاقل أن يختصر الكارثة السورية في مسألة إرهاب مدعوم عربيا ودوليا، إلا إذا صدقنا أن النظام يمكن أن يتحول من قاتل دمر معظم المدن والبلدات السورية وهجر ملايين السوريين إلى ضحية وديعة تدافع عن غالبية السوريين، الذين تحولوا -وفق هذا المنطق- من ضحايا نظام ظالم وديكتاتوري إلى مجرمين وإرهابيين، يستحقون القتل والإبادة والتشريد.

وبالتالي، فإن العنف -بحسب منطق النظام- هو العلاج الوحيد لسلوكهم الإجرامي، بغية استعادة أمن البلاد واستقرارها، وإعادة الجميع إلى مظلة النظام الظالم، الجاسم على صدور السوريين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن.

مسؤولية القوى الدولية
بعد إعلان فشل الجولة الثانية من المفاوضات، فإن الكرة في ملعب القوى الدولية، وخاصة رعاة مؤتمر جنيف، إذ يتعين على ساسة روسيا الاتحادية الضغط على النظام السوري، إن كانوا جادين في تطبيق بنود جنيف1 وتشكيل حكم انتقالي يخلص الشعب السوري من القتل اليومي الذي يتعرض له، خصوصا أنهم يتحدثون دوما عن تطلعات الشعب السوري وأمنه واستقراره، في حين يتعين على الولايات المتحدة مراجعة سياساتها حيال سوريا، بعد أن جلبت الائتلاف المعارض إلى جنيف، وبذلت جهودا من أجل إقناعه، وإقناع حلفائها الإقليميين بجدوى المؤتمر، وقدرته على تفكيك النواة الصلبة للنظام، إلى جانب تعهدها بتقديم الدعم الكامل للائتلاف، وأنها عند بدء المفاوضات ستسعى إلى إقناع الروس بالتخلي عن رأس النظام والقبول بالبديل الجديد.

وبالنظر إلى الحرج الذي أصاب الولايات المتحدة الأميركية حيال سياستها في الملف السوري، سارع وزير الخارجية جون كيري إلى القول إن الرئيس باراك أوباما طلب مجددا بحث جميع الخيارات السياسية حيال سوريا، لكنه لم يطرح أيا منها.
المهم لدى واشنطن هو تجريد النظام من سلاحه الكيميائي مقابل موافقتها على بدء التفاوض مع وجود المجرم في الحكم، دون أي عقاب على جريمته ضد المدنيين العزل في مجزرة الغوطتين

ولا يغدو هذا التصعيد سوى زيادة في الضغط الدبلوماسي، إذ من الطبيعي أن يجري فريق أوباما للأمن القومي -باستمرار- عمليات إعادة تقييم للخيارات السياسية بشأن سوريا، وحيال قضايا أخرى.

وقد أثبتت الإدارة الأميركية الحالية أنها لا تكترث كثيرا بالكارثة السورية، وبما أصاب السوريين من قتل وخراب ودمار.

وتبين ذلك بجلاء بعد تراجع ساسة الولايات المتحدة الأميركية عن الضربة العسكرية التي لوح بها أوباما، حيث ظهر أن المهم بالنسبة له هو الحصول على صفقة تجريد النظام من سلاحه الكيميائي، مقابل موافقته على بدء التفاوض مع وجود المجرم في الحكم، دون أي عقاب على جريمته ضد المدنيين العزل في مجزرة الغوطتين، فيما اكتفى ساسة البيت الأبيض بترديد مقولة إنه لن يكون للأسد دور في العملية الانتقالية.

ولذلك من الطبيعي ألا يثق أغلب السوريين في ما يقوله ساسة الولايات المتحدة، ومن الطبيعي أيضا أن تثار شكوك كثيرة حول جولات التفاوض في مؤتمر جنيف2، وحول جدوى المشاركة فيه، حيث إن المهم بالنسبة إلى ساسة الولايات المتحدة الأميركية -وكذلك ساسة روسيا- هو أن يديروا الأزمة من خلال جلسات التفاوض غير المحدودة، ودون أي ضمانات حول نجاحها في تقديم حل مقبول من قبل جميع الأطراف وينهي الأزمة السورية.

وقد بدا أن مجرد الجلوس على طاولة التفاوض مطلوب بوصفه هدفا قائما بذاته، وإنجازا يطلب تحقيقه بأي ثمن، ولو على حساب دماء السوريين وعذاباتهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك