توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


 
ليس ثمة ما يبرر التوصل لحل "للقضية الفلسطينية" الآن، وبهذا الاستعجال وهذا التفريط، فما هو قائم الآن ليس فرصة للحل، بل فرصة انتظار المتغيرات على الساحة العربية والإقليمية والعالمية، والتي تحمل إرهاصات حقبة مختلفة عن كل ما سبق.

نعم، تختلف عن ما سبق، بدءا بالربيع العربي الذي لم ولن يتوقف حتى استقرار الدول العربية على إرادة شعوبها. وقبل الربيع العربي, تتزايد عزلة إسرائيل, بل ومشاعر العداء الأوروبي والعالمي لها كنتيجة حتمية للعنصرية التي تمارسها، وهو ما أدى لتحول جذري ومتنام داخل إسرائيل ذاتها يرفض تلك العنصرية ويدعو لحلول أخرى أقرب للعدالة وللديمومة.

وهنا نقدم مثالين على التحول الجذري في قلب إسرائيل, ونشير سريعا للأول، وهو كتاب "ابن الجنرال" الذي صدر عام 2012، ومؤلفه ميكو بيليد، الذي وصل لرتبة "كابتن" في الجيش الإسرائيلي, وأبوه الجنرال الإسرائيلي ماتي بيليد الذي شارك في حرب 1967على الجبهة المصرية, ودعا لتوظيف النصر الذي حققته إسرائيل بالانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة في تلك الحرب, والتعايش بسلام مع المحيط العربي وبحقوق متساوية مع عرب 1948.

بعد مقتل ابنة أخت الجنرال بيليد في هجوم نفذه فدائي فلسطيني عام 1997 أصبحت العائلة -بمن فيها أم الفتاة- تطرح السؤال الأهم وهو: ما الذي لحق بإنسان كهذا الفدائي من معاناة بحيث فجر نفسه هكذا مع آخرين؟

وعند مقتل ابنة أخت الجنرال في هجوم انتحاري نفذه فدائي فلسطيني عام 1997, وبدل الدعوة لقتل أضعاف هذا العدد من المدنيين الفلسطينيين كما يفعل ساسة إسرائيل, أصبحت العائلة -بمن فيهم أم الفتاة- تطرح السؤال الأهم وهو: ما الذي لحق بإنسان كهذا الفدائي من معاناة بحيث فجر نفسه هكذا مع آخرين؟ وقد وجد الكتاب -ومثله محاضرات مؤلفه في أميركا وأوروبا- إقبالا وتأييدا كبيرين.

ولكن الأهم -والذي يساوي في أهميته نشأة الحركة الصهيونية ذاتها- هو صدور كتاب المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب, "اختراع الشعب اليهودي" عام 2008, والذي ألحقه بكتاب "اختراع أرض إسرائيل" عام 2013.

وكتابه الأول أهداه "لذكرى اللاجئين الذين جاؤوا لهذه الأرض واللاجئين الذين أجبروا على تركها", فيما أهدى كتابه الثاني "لذكرى سكان قرية الشيخ مونّس الذين اقتلعوا في الماضي البعيد من المكان الذي أعيش وأعمل فيه في الحاضر القريب".

والكتاب الأول تصدرت نسخته العبرية -الأصل- الكتب الأكثر مبيعا في إسرائيل لأكثر من أربعة شهور حينها, ويعتبر الكتاب العبري الأكثر ترجمة لمختلف اللغات العالمية ومنها الترجمة العربية الصادرة عن "الأهلية للنشر والتوزيع" عام 211، وهي الدار نفسها التي نشرت كتابه الثاني مترجما للعربية عام 2014.

أهمية كتاب "اختراع الشعب اليهودي" تأتي من كونه بحثا تاريخيا علميا يقوض "أسطورة الشعب اليهودي"، أي أنه يقوض الأساس الوحيد الذي تزعمه إسرائيل للمطالبة باعتراف العرب والعالم بـ"يهودية دولة إسرائيل".

فالمؤلف قرر أن يمحّص الخلفية التاريخية لمسلّمات التاريخ اليهودي المعاصر، وخلال بحثه التاريخي -عائدا لعشرات القرون- لم يجد ما يعزز المزاعم التي قامت عليها الصهيونية ودولة إسرائيل, بل وجد ما ينقضها.

والكتاب يثبت أن اليهود الذين يعيشون في إسرائيل -أو خارجها الآن- ليسوا "شعبا أو عرقا"، ولم ينحدروا من قوم قدماء كانوا يعيشون في فلسطين، بل ويثبت أن يهود العالم منحدرون من مختلف الأقوام، لأن اليهودية كانت- بعكس ما هي عليه من انغلاق الآن- ديانة تبشيرية انتشرت في حوض المتوسط بشكل خاص.

ويقول الكاتب "اليهود لم ينتشروا (مهجرين خارج وطن أصل مزعوم) في العالم, اليهودية هي التي انتشرت"، وقد دخلها وثنيون من مختلف الأقوام, وظلت كذلك حتى القرن الرابع عندما انتصرت الديانة المسيحية (باعتناق الإمبراطور قسطنطين لها).

ولا يجد الكاتب أي دليل تاريخي على حدوث نفي قسري لليهود وتشريدهم الذي تزعمه الصهيونية, فلا الرومان ولا غيرهم فعلوا هذا, بل ولم يكن بإمكانهم فعله حينها "لوجستيا".

فما جرى هو أن وقف التبشير باليهودية في الدولة الرومانية التي أصبحت مسيحية, جعل المبشرين اليهود يستهدفون أقواما آخرين وثنيين في حوض المتوسط وامتداداته وحتى في الجزيرة العربية, فدخل اليهودية عرب من اليمن (بقايا دولة حمير في القرن الرابع الميلادي) ودخلتها قبائل بربرية في شمال أفريقيا في القرن السادس تقريبا.

كتاب اختراع الشعب اليهودي يثبت أن اليهود ليسوا "شعبا أو عرقا" ولم ينحدروا من فلسطين، بل ويثبت أن يهود العالم منحدرون من مختلف الأقوام لأن اليهودية كانت -عكس ما هي عليه من انغلاق الآن-ديانة تبشيرية انتشرت في حوض المتوسط

ويغلّب الكاتب أن يكون وجود جالية يهودية كبيرة في إسبانيا في القرون الوسطى يعود للبرابرة اليهود الذين جندهم طارق بن زياد ذو الأصول البربرية.

أما وجود أكبر عدد من يهود العالم في أوروبا الشرقية، فيعود لكون أكبر قوم اعتنقوا اليهودية هم أهل إمبراطورية الخزر الذين اعتنق ملوكهم اليهودية في القرن الثامن الميلادي.

ويقول الكاتب إنه لولا استهداف المبشرين اليهود أقواما آخرين وثنيين لأصبحت اليهودية "ديانة هامشية للغاية إن لم تنقرض". وبعد سقوط مملكة الخزر على يد المغول في القرن الـ13, لا يُعرف تحديدا مصير السكان اليهود.

ولكن ساند يتفق مع مؤرخين آخرين من القرنين التاسع عشر والعشرين, في كون اليهود الخزر يشكلون أغلب يهود أوروبا الشرقية, مضافا إليهم اليهود السلافيين.

ويقول إنه حتى "بن صهيون دينور" -أبو التاريخ الإسرائيلي- لم يتردد في اعتبار الخزر أصل يهود أوروبا الشرقية, ووصف بلاد الخزر بأنها "أم الشتات" في أوروبا الشرقية. ولكن الكاتب يضيف "تقريبا منذ عام 1967 أصبح الحديث عن الخزر باعتبارهم أسلاف يهود أوروبا الشرقية يعتبر ضربا من الجنون".

وهذا يؤشر على تسييس هائل لأسطورة الشعب اليهودي، حيث باتت تعدّل حسب تطور الأطماع الصهيونية وتوفر ما يوحي بإمكانية تحقيق تلك الأطماع، فيما اختراع "الشعب اليهودي المشتت الذي يجوب العالم معزولا منذ قرون ليعود لموطنه الأصل في مملكة داوود" -حسب ساند- محض "أسطورة قومية"، نسجت على منوال -وفي منافسة- الحركات القومية الأوروبية التي بدأت تزعم أنها -كما الإغريق- عريقة، وتعود لعصر ذهبي قام منذ بداية التاريخ.

وتصوير تاريخ اليهودية باعتباره تاريخ شعب كانت له مملكة, بدأ في القرن الـ19 بالمؤرخ هاينريك جرايتز للتمهيد لفكرة "شعب يهودي معاصر يعود لموطنه الأصل".

وفي لقاء مع صحيفة هآرتس عن كتابه (أخذت منه بعض المقتطفات السابقة على لسان ساند) سُئل ساند عما إذا كان يمكن -حسب ما تكشف- أن يكون الفلسطينيون من سلالة القوم الذين سكنوا فلسطين في عهود الممالك اليهودية؟ فأجاب: "لا يوجد عرق يبقى نقيا لآلاف السنين، ولكن احتمال أن يكون الفلسطينيون هم سلالة الأقوام القديمة أكبر بكثير من احتمال أن نكون أنت وأنا منهم.

والصهاينة الأوائل -حتى الثورة العربية (9/1939)- كانوا يعرفون أنه لا وجود ليهود منفيين في الشتات, وأن الفلسطينيين هم سلالة سكان هذه الأرض. فهم عرفوا أن الفلاحين لا يتركون الأرض ما لم يرحّلوا منها عنوة. حتى إسحق بن زيفي -ثاني رئيس لدولة إسرائيل- كتب عام 1929 يقول "الغالبية الساحقة للفلاحين (الفلسطينيين) أصولهم ليست من الفاتحين العرب, بل تعود لما قبل ذلك للفلاحين اليهود الذين كانوا هنا بأعداد غفيرة وشكلوا غالبية من بنوا هذه الأرض".

فإذا كان الفلاحون لا يَهجُرون الأرض ما لم يُهجّروا عنوة -كما هو معروف تاريخيا ويعترف ساند- وإذا كان لا وجود ليهود هُجّروا عنوة من أرض فلسطين كما يُثبت ساند، فمعنى هذا أن من كانوا على هذه الأرض أثناء الحقبة اليهودية وقبلها في الحقبة الوثنية وبعدها في الحقبة المسيحية ثم زمن الفتح الإسلامي, هم نفس الفلاحين (الكل كان فلاحا قبل العصر الصناعي وقلّة عملت بالتجارة أو الحرف) الذين كانوا وثنيين, ودخل بعضهم أو جلّهم -لا فرق- اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام، حسب تبدل القناعة أو دين الدولة، وسلالتهم هم الفلسطينيون الذين لا يزعمون أنهم عرق صاف, ولكن يشهد التاريخ هنا على أنهم أهل وأصحاب الأرض التي توارثوها وزرعوها حتى تم تهجيرهم منها عنوة.

ويقول ساند إن اليهود الآن لا يريدون الاعتراف بأصلهم الخزري، لأن هنالك "خوفا عميقا" من أن يجردهم هذا من شرعية وجودهم على أرض فلسطين. "فمنذ بداية تفكيك المستعمرات في العالم كله لم يعد بإمكان المستوطنين -في أي أرض- أن يقولوا ببساطة: "نحن جئنا، وانتصرنا, والآن ها نحن هنا"، كما فعل الأميركيون والبيض في جنوب أفريقيا والأستراليون".

لكن ساند لا يعتبر هذا الخوف مبررا, كونه يعتقد "أن أسطورة الشعب في المنافي لا تشكل شرعية وجودنا هنا, والاعتقاد بأصولنا الخزرية لا يهدد وجودنا, فما يهدده بشكل أشد خطورة هو طبيعة الدولة الإسرائيلية، ما يمكن أن يشكل أساسا لوجودنا هنا، هو أن نشرع في تأسيس مجتمع حر لكل مواطني إسرائيل".
ساند سُئل هل يمكن أن يكون الفلسطينيون من سلالة القوم الذين سكنوا فلسطين في عهود الممالك اليهودية, فأجاب: "لا يوجد عرق يبقى نقيا لآلاف السنين، ولكن احتمال أن يكون الفلسطينيون سلالة الأقوام القديمة أكبر بكثير من احتمال أن نكون أنت وأنا منهم

ولفت مقترحه إلى أن تلك الدولة تقلل من المناسبات "اليهودية" وأن تشرع بتبني أعياد وتذكارات "عابرة للدولة", من مثل "ذكرى النكبة". ويؤكد ساند شرعية تمسك الفلسطينيين بكون هذه بلادهم، قائلا "لو كنت فلسطينيا كنت سأثور على الدولة التي تقول لي "هذه ليست بلادك", بل ها أنا أثور على هذا القول وأنا إسرائيلي".

ويستدرك ساند أن تعريفه هذا للشعب والدولة الإسرائيلية "لا الصهيونية ولا القوميون العرب يقبلون به". ومن ناحيته يؤكد "إسرائيل لا وجود لها كدولة يهودية، إذا لم تتطور إسرائيل لتصبح مجتمعا منفتحا متعدد الثقافات ستكون هناك "كوسوفو" في الجليل".

يصعب حقيقة تلخيص كتاب كهذا في مقالة, ومحاولتي هنا هي فقط لإثارة الاهتمام به ببيان أهم الحقائق التاريخية كما يوردها مؤرخ يهودي, وبيان نهج جديد بالتفكير في حلول للصراع العربي-الإسرائيلي بدأ يظهر متتاليا ويتزايد مؤيدوه في إسرائيل.

وهذا تحديدا ما تحاول حكومات إسرائيل المتطرفة والصهيونية العالمية, ومعهم زاعمو تمثيل الشعب الفلسطيني وزاعمو تمثيل شعوب عربية أخرى استباقه بما لا يقل عن "بيع الأرض والشعب الفلسطيني" ومعهم شعوب وأراض عربية أخرى, بزعم -للمرة كذا- أن هذه هي الفرصة الأخيرة.

ولا نحتاج لبيان ما تعنيه "يهودية الدولة" ويتجاوز مصادرة حق العودة "للترانسفير" لعرب الـ1948 والترحيل المبرمج لسكان الضفة الحاليين لأوطان بديلة, ولا ما تعنيه "الكونفدرالية" من إلحاق أشبه بالاستعمار المباشر للكانتونات الفلسطينية وللأردن، ولكن الأخطر أن هذه التسوية يراد لها أن تكون "الأخيرة".

فهذه تسوية تشترط فيها إسرائيل "إسقاط أي مطالب أو حقوق فلسطينية لدى إسرائيل مستقبلا بما فيها ما نصت عليه القرارات الدولية التي صدرت بشأن القضية الفلسطينية". وهذه من البنود التي وافق عليه محمود عباس في اتفاقية أبو مازن- بيلين التي اعتمدت مرجعية للمفاوضات السرية الجارية بينه وبين نتنياهو منذ عهد حكومة الأخير السابقة, كما وافق عليها ياسر عرفات وجماعته في لقاء سابق سري جرى في البحر الميت.

وهذا تنازل غير جائز وغير ممكن, ولا يُسقط فقط شرعية أي اتفاق, بل يسقط الشرعية الدولية للأمم المتحدة ذاتها، بما يطلق كل أشكال التطرف التي تسعى لتحصيل الحق باليد ولكل فرد, ولا يلام أحد مهما استعمل من وسائل قوة وعنف, لأن ما سلب منه كان بقوة جلفة فاسدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك