محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي



طوال الأيام الثمانية عشر -التي استغرقتها ثورة 25 يناير حتى رحيل مبارك في 11 فبراير/شباط 2011- كانت أجهزة الدولة المباركية في حوار فعلي مستمر مع الشعب، وكان الحوار الفعلي غير المشهور أكبر بكثير من الحوارات القولية المشهورة التي تمثلت أساسا في لقاءات عمر سليمان بالساسة التقليديين وبمجموعة من الشباب.

كما تمثلت أيضا وبدرجة مستقبلية أهم في حوارات بعض قادة القوات المسلحة مع من وجدوا أنهم رموز الثورة أو مع من قدر القادة الرسميون أنهم قادة هذه الثورة المفاجئة التي لم تكن في حسبانهم على هذا النحو ولا في هذا التوقيت ولا بهذه الدرجة.

أما الحوار الفعلي لا القولي فقد تمثل في تحريك وحدات مقاتلة إلى الميادين التي اندلعت فيها الثورة، كما تمثل في فرض حظر التجول وتولي القوات المسلحة مسؤولية حفظ الأمن والنظام بدءا من مساء 28 يناير/كانون الثاني، كما تمثل في احتكاكات مباشرة وصريحة جرت بين بعض الوحدات التابعة للقوات المسلحة وبين بعض الثوار أو المواطنين، بل تعدى الأمر هذا كله إلى حدوث بؤر صغيرة من الثورة أو التمرد في بعض صفوف القوات المسلحة في ما عرف بمجموعة أحمد شومان وما عرف بمجموعة ضباط 8 أبريل.

وفي كل هذه الحوارات القولية والفعلية كانت بعض قيادات القوات المسلحة واعية بدرجة أكبر من ناحية البحث عن مكانها المتميز في النظام الجديد، وكانت هذه القيادات ذات الوعي الفائق بمصلحتها حريصة على أن يكون موقعها في النظام الجديد أفضل كثيرا من موقعها في النظام القديم، وكان هذا يستدعي في بعض الأحيان العمل على استرضاء القوى الثورية بكل ما هو ممكن وكل ما هو غير ممكن.
بعض قيادات الجيش  أفرطت في استرضاء بعض قوى الثورة بما قد لا يتفق شكليا مع الصورة التقليدية للقوات المسلحة، وقد عانت هذه القيادات بعد ذلك من المقارنة الطبيعية بين مواقعها حين كانت بحاجة لهذا الاسترضاء وموقفها الجديد 

ومن الإنصاف أن نذكر أن بعض هذه القيادات في ظل الطموح الجارف أفرطت في هذا الاسترضاء بما قد لا يتفق شكليا مع الصورة التقليدية للقوات المسلحة، وقد عانت هذه القيادات بعد ثلاث سنوات المقارنة الطبيعة بين مواقعها حين كانت في حاجة إلى هذا الاسترضاء الذي بلغ حدا يمكن وصفه بأنه مثل درجة واضحة من النفاق الصريح المكشوف وبين موقفها الجديد القائم في جوهره على القهر والفرعونية والفاشية والألوهية المطلقة.

على أن الأمر لم يخلُ في كل هذه الأوضاع من البحث عن غطاء إيديولوجي يرسم العلاقة بين الطرفين، وفي هذا الإطار فقد ظهر بكل وضوح أن الاضطراب هو أبرز ما يميز الصورة الذهنية لقيادات القوات المسلحة عن حقيقة مكانتها في صنع تاريخنا المعاصر.

وكان هذا قد تجلى بكل وضوح في مناقشة سريعة ومطولة دارت بين قيادات القوات المسلحة في ما يسمى بالمجلس العسكري، وهي التسمية التي فضلتها الثورة أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهي التسمية التي حاولت القيادة العسكرية الحفاظ عليها أو فرضها على الأحاديث المرسلة، وبالطبع فقد مضت المحاولة دون جدوى حقيقية إلا في العبارات المكتوبة في الصحف المسماة القومية.

وباختصار شديد، فقد كانت الصورة الذهنية المتكونة عند قادة القوات المسلحة شبيهة إلى حد كبير بالصورة المتداولة عند الجماهير، وكان هناك أربعة اتجاهات متباينة في تقرير أو تحديد الحقبة السياسية التي قامت الثورة الجديدة في 2011 لتنهيها، ومع أن القوات المسلحة على مستوى قياداتها لم تكن بالطبع توافق تماما على أي من هذه البدائل أو الاتجاهات، فإنها كانت بحكمة السنين تؤمن وتقر بوجود هذا الاتجاه.

ومن باب التذكير ليس إلا فقد كانت هناك طائفة رأت بل أيدت فكرة أن تكون الثورة قد قامت احتجاجا على سياسة التوريث التي كانت تسير على قدم وساق من أجل وصول كرسي الرئاسة إلى جمال مبارك بطريقة دستورية وقانونية وتمثيلية.

وبالطبع فإن قادة القوات المسلحة لم يكونوا سعداء بمثل هذه السياسة ولا متقبلين لها في قرارة أنفسهم، وإن كان قد بدا من مجمل تصرفاتهم أنهم لا يمانعون فيها، بل ربما أفرط بعض القادة في استرضاء الرئيس القادم جمال.

وإذا أردنا أن نعبر بالرقم أو نحول هذه الحقبة وهذا التوجه إلى رقم محدد من السنوات، فإننا نقول إن هذا التوجه كان يعني أن الثورة كانت ضد السنوات العشر الأخيرة من عهد مبارك أو باختصار شديد ضد سنوات حكمه في القرن الـ21، مع إمكان قبول فكرة أنه كان رئيسا جيدا في العشرين سنة الأولى أو في سنوات القرن العشرين.

كانت الميزة الكبرى لهذا الاتجاه في تحديد "موضوع الثورة" أنه يحفظ ماء من كانوا مشاركين في سلطة مبارك، وعلى رأسهم المشير ورئيس الأركان، بل وكل هؤلاء القادة الذين وصلوا بالفعل إلى كل مناصبهم في عهد مبارك، ومع هذا فإن القوى الثورية على مستوى الشارع لم تكن لتقبل بمثل هذا الانكماش الظاهر أو الكشكشة المقصودة في تحديد موضوع الثورة، وكانت أسباب عدم القبول من الوضوح والمنطقية بحيث يصبح من التزيد هنا وفي مثل هذا المقام تكرار الحديث عنها.

كان التوجه الثاني يمتد بموضوع الثورة إلى عهد مبارك كله، ومن الطريف أن أجهزة المخابرات بكافة أنواعها ومستوياتها كانت حريصة على إبراز هذا التوجه بكل قوة، وقد قدمت مثلا أكثر من ناجح وساحق في سرعة تشويه صورة مبارك وعهد مبارك بمهمة واقتدار وعلى نطاق واسع في الصحف والمجلات والفضائيات في الخارج والداخل على حد سواء.

كانت هناك طائفة رأت أن تكون الثورة قامت في الأساس احتجاجا على سياسة التوريث التي كانت تسير على قدم وساق من أجل وصول كرسي الرئاسة إلى جمال مبارك بطريقة دستورية وقانونية وتمثيلية

وكانت هذه الأجهزة تمارس تدريبا تمرنت عليه وأعدته من قبل في مطلع عهد مبارك نفسه، حين سودت كل صفحات السادات بكل ما أمكنها وما لم يمكنها أيضا، بحيث لم تنقضِ ستة أشهر في بداية عهد مبارك إلا وكانت هذه الأجهزة قد حولت السادات إلى إله للشر والإهمال والخيانة والتفريط وما إلى ذلك من تهم قاسية استندت إلى أدلة مصطنعة لا يزال أعداء السادات التقليديون ومن انخدعوا بأدبياتهم يكررونها دون حياء أو استحياء.

وهكذا أصبح مبارك في لمح البرق وبتصوير أجهزته نفسها رجلا غير متدين بطيء الفهم عميلا وكنزا إستراتيجيا لإسرائيل ومشاركا في الفساد والارتشاء وعديم الكرامة والنخوة.. هذه الصورة التي لا تزال ترسم له على أيدي هذه الأجهزة والمتعاونين معها، ومن الإنصاف أن نذكر أن هذا التوجه كان أكثر حظا من التوجه السابق في القبول والانتشار والتصديق، وبلغة الأرقام فإن هذا التوجه كان يعني أن موضوع الثورة كان ثلاثين عاما هي فترة حكم مبارك.

أما التوجه الثالث فكان توجها بهلوانيا إلى حد كبير، حيث كان يعتبر أن فترة مبارك هي امتداد لفترة السادات، وأن الأربعين عاما -التي مثلت الفترة من بداية عهد السادات- مثلت ثورة مضادة على مشروع عبد الناصر، وكان هذا التصرف البهلواني يعتبر دون أي سند -غير الهوى- أن صدور دستور 1971 كان نكبة، وأن فكرة دولة المؤسسات التي نادى بها السادات ونفذها نكبة أخرى.

بل إن هذا التوجه البهلواني عاد إلى تكرار الأحاديث المموجة التي استهجنها الشعب المصري عن فكرة أن حرب أكتوبر كانت تمثيلية ساداتية ولم تكن نصرا، ووجد هذا التوجه البهلواني فرصته القديمة في إهالة التراب على إنجاز السادات السياسي وتصويره على أنه تسوية وخضوع وأمركة وعمالة.

وهكذا عاد صوت غير عقلي ليحاول أن يجد نفسه في خضم ثورة شبابية استندت إلى العقل، ومع أن هذا الرأي -الذي امتد بموضوع الثورة ليكون أربعين عاما- كان يستهدف بالتبعية الرجوع إلى عهد عبد الناصر بشعاراته الزائفة وممارسته الفاشية، فإنه كان عاجزا عن أن يصرح بهذا التوجه الذي لم يكن ليحظى بقبول أحد في ذلك الوقت الذي تطلعت فيه الجماهير السعيدة بالثورة إلى الحرية والكرامة الإنسانية، لا إلى القهر والاستعباد والشمولية والدكتاتورية.

وهكذا ظل هذا التوجه يدور في حلقة الحديث الصناعي عن استقلال القرار في مقابل التبعية، وعن قيمة الوطن في مقابل أميركا وإسرائيل، وهي أحاديث سهلة وغير مكلفة تشغل المجالس والمناقشات والندوات والبرامج، لكنها في نظر الجماهير أحاديث عقيمة تجاوزتها الأحداث.

ولم يكن أمام هذا التوجه إلا اللجوء للحديث عن العدالة الاجتماعية التي تميز بها في نظرهم عهد
عبد الناصر، ومن الطريف أن الجماهير لم تتقبل هذا الحديث بأدنى درجة من القبول في ظل فهمها الحقيقي للفرق الشاسع بين الخطب الرنانة والسياسات الناطقة على أرض الواقع.

ومع ذلك فلن تعدم استرجاعا لهذه الأكاذيب المدغدغة للمشاعر كلما تغنى عبد الوهاب أو عبد الحليم بأغاني الستينيات.

ومع هذا فإن حظ مصر كان أفضل من تصورات التزييف فقد أثبتت التجارب والاستحقاقات الانتخابية أن هذا التوجه الناصري المصطنع لا يحظى بأي قبول في الشارع السياسي، وأن أقصى ما يمكن له الحصول عليه من الأصوات هو 1% فقط رغم ضوضائه وجلبته وجاذبية الكتابة عنه واستحضار أغانيه وأهازيجه وأناشيده وملاحمه وأوبرتياته.
هكذا التبس التوجه الثالث الذي يحاول أن يجعل موضوع الثورة الأربعين سنة التي امتد فيها حكم السادات وخليفته مبارك، وأصبح بفضل القدرات الخبيثة (ولا نقول الذكية) للداعين إليه ملتبسا ومتلبسا بالمشروع الناصري الذي قد يمكن الاعتراف بوجوده في الماضي دون قبول فكرة تكراره.
التوجه الذي ربح ونجح على مستوى الشارع والفكر هو أن الثورة قامت ضد حكم العسكر بسنواته الستين كلها بما في ذلك السنتان الأوليان اللتان حكم فيهما الرئيس محمد نجيب بمفرده أو مع مجلس وصاية أو مجلس الثورة
بيد أن العجيب أن آثار هذا الحديث الصناعي عن التفريق بين سنوات
عبد الناصر من ناحية وسنوات السادات ومبارك من ناحية أخرى قادت من حيث لا يدري أحد إلى تقوية وتعزيز فكرة التوجه الرابع، وهو التوجه الذي سرعان ما أصبح بقدرة قادر هو التوجه الأشهر في تحديد موضوع الثورة.

وهذا التوجه هو الذي أجلنا الحديث عنه لأنه هو التوجه الذي ربح ونجح على مستوى الشارع والفكر، وقد كرس هذا التوجه نجاحه ووضوحه، بحيث لم يعد في حاجة إلى وصف أو توصيف أو تحديد أو تعليل، وإنما أصبح واضحا وضوح الشمس، متكررا في كل صباح على نحو ما يتكرر ظهور الشمس نفسها في كل صباح، ألا وهو أن موضوع الثورة كان فترة حكم العسكر بسنواتها الستين كلها بما في ذلك السنتان الأوليان اللتان حكم فيهما الرئيس محمد نجيب بمفرده أو مع مجلس وصاية أو مجلس الثورة.

ومن العجيب في المنطق البحت أن منطق التاريخ بحكم كونه منطقا خاصا وليس منطقا عاما قد انحاز تماما إلى هذه الرؤية دون تفريق بين جمال أو أنور أو حسني أو محمد، ودون تفريق بين نصر أو هزيمة، أو بين فقدان أرض أو استعادتها، أو بين عدل أو ظلم، أو انضباط وتسيب، وإنما رأى الطريق التاريخي بمنطقه القوي أن هذه السنوات الستين على اختلاف الألوان في صباغتها تمثل قطعة واحدة من القماش القطني تختلف عما قبلها من حرير، وعما بعدها من كتان، وهكذا بات التاريخ، وقد أقنع الناس أن القماش لا يمكن أن يقطع تواصل الكتان أو الحرير، وأن ماكينة التاريخ قد مضت في طريق آخر غير الذي يحبه أو يتمناه البعض.

وليس أدل على هذا من قصة طريفة حدثت في اليوم الـ17 من أيام ثورة 25 يناير حين استدعت أجهزة المخابرات مقاولا فاشلا متعثرا وصاحب أحكام قضائية مسقطة للاعتبار وماسة بالذمة والكفاءة، وأمرته بحزم أن يظهر بميدان التحرير في مقدمة طابور قصير من جنود يرتدون الزي المدني يرفعون صورة والده الذي كان رمزا لحكم العسكر وذهبت أجهزة التصوير التلفزيوني لتصور هؤلاء لتسجل مستندا، لكنها سرعان ما اضطرت إلى حذف الصوت العالي المصاحب والمحيط بحركة الطابور لأنه (أي الصوت السائد للثورة) كان يقول: يسقط يسقط حكم العسكر!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك