يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي



ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية، مفادها أن معظم مسلسلات بناء الدولة الوطنية بالعالم العربي في مرحلة ما بعد الاحتلال، لم تفرز -في غالبيتها العظمى- دولا بالمعنى المؤسساتي للكلمة، أو بالمعنى "الفيبيري" بلغة علماء الاجتماع.

بل أفرزت شكلا من أشكال الحكم تحولت بموجبه السلطة إلى تسلط، وانبثقت عنه مخلوقات اجتماعية واقتصادية نشاز، وكائنات سياسية هجينة، مشوهة الخلقة، عديمة الخلق، تأكل هي وحاشيتها فلا تشبع إلا نادرا، وعندما تشبع وتنتفخ بطونها لا تحمد الله على النعمة الموفورة، بل تصبو للمزيد دون مقياس، حتى وإن كان في ذلك تخمتها ومقدمة لموتها.

صحيح أن فترة ما بعد الاحتلال أفرزت -بمعظم هذه الدول- رؤساء وملوكا وسلاطين وأمراء، ثم برلمانات وحكومات وأحزاب ونقابات، ثم مجتمعات تفعل وتتعايش في فضاء جغرافي موحد، بتباين أعراقها ودياناتها وطوائفها ومذاهبها.

صحيح أن الفترة ذاتها مكنت هذا "الوطن" أو ذاك من اعتماد دستور مستفتى عليه بنسب معتبرة، وإبداع نشيد يعزف آناء الليل وأطراف النهار، ثم خلق إدارة ومدارس ومحاكم وطرق ومستشفيات وغيرها.

لم تستطع الدولة الوطنية تشييد دولة تتجاوز القبيلة، أو تسمو على الطائفة، أو تعلو على العشيرة، أو ترتفع على مستوى الانتماء العرقي البدائي، أو تتنكر للارتباط المذهبي، أو تتعالى على اللون أو اللغة أو الجنس

لكنها مع ذلك، لم تستطع تشييد دولة تتجاوز القبيلة، أو تسمو على الطائفة، أو تعلو على العشيرة، أو ترتفع على مستوى الانتماء العرقي البدائي، أو تتنكر للارتباط المذهبي، أو تتعالى على اللون أو اللغة أو الجنس.

ولم تستطع بناء مجتمعات متناسقة، يوحدها الوطن -جغرافية مادية وانتماء معنويا- ويلملم المصير الواحد لحمتها ومفاصلها، ويكون المآل المشترك همها، لا بل ومصدر التجنيد الأساس من بين ظهرانيها، إن تعرضت سيادتها أو حدودها لمكروه، أو طاولتها النكبات من هنا أو هناك، أو تعرض مستقبلها للتهديد جراء دعوة إلى الانقسام، أو نزوع إلى الانفصال.

إن مرحلة ما بعد الاستعمار لم تفرز -فيما نتصور- سوى دول هشة في طبيعة بنيتها وبنيانها، لكن متجبرة وقاسية على من تحكمهم أو تدير مصائرهم، ولم تفرز إلا أحزابا وتنظيمات سياسية، عديمة الشخصية، مرتهنة القرار، لكنها متجاوبة أيما تجاوب مع الوظيفة الموكلة إليها، وظيفة تأثيث "الفضاء العام" بما يضمن تلميع صورة ذات الدول بأعين الخارج، أو للشرعنة "الشكلانية" من بين ظهراني المحكومين بالداخل.

ولم تفرز إلا مجتمعات أفرادها وجماعاتها أميون، غير منظمين ولا مؤطرين، وبالتالي غير قادرين على تمثل ماضيهم أو حاضرهم، ولا ضمانات لديهم لما سيكون عليه مستقبلهم، ما دام المستقبل ذاته قد تكفلت به بالوكالة "دولة وطنية"، لم يفوضها أحد لتحديد ذلك بالجملة والتفصيل، لكنها استماتت -ولا تزال- على نزع ذات التفويض، بقوة الترغيب في حالات محددة، وبقوة الترهيب في الغالب الأعم من الحالات.

إن القصد مما سبق هو القول إن دولة الاحتلال الأجنبي -التي استعمرت، أو "حمت"، أو استصدرت استقلال هذه "الدولة" العربية أو تلك، لعهود طويلة من الزمن (ما يناهز القرن ونصف القرن بالنسبة للجزائر، وما يربو على نصف القرن بالنسبة للمغرب وتونس، وأكثر من عقد من الزمن بالنسبة للعديد من دول المشرق العربي، وهكذا)- لم تفرز دولا ناضجة، مختمرة ومرتكزة على بنى مؤسساتية صلبة يعتد بها بمقياس ما يروج اليوم تحت مسمى دولة الحق والقانون، أو دولة المؤسسات.

ولم تستطع إفراز أحزاب وبرلمانات معبرة عن قواعد الشعب ومكوناته، بل أفرزت "دولا وطنية" أعادت إنتاج الاحتلال في أبشع صوره، كان من مظاهره -ولا يزال- تحويل الدولة إلى بنية محتكرة للعنف الخشن، والسلطة إلى أداة في التسلط رهيبة، والعام المشترك إلى خاص "فرداني"، والملك العمومي إلى ضيعات خاصة، والمصلحة الاجتماعية إلى مصالح فئوية، للقبيلة أو الطائفة أو الحزب، أو النقابة، الأولوية في الإفادة منها، وتحويل منتجاتها الاقتصادية إلى غنائم ريعية، وأملاك ذاتية يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد.

يبدو الأمر هنا -بعيون الحاكم المتسلط- كما لو أن الدولة دولته هو، والثروة ثروته هو، يفيد منها كما يرتئي، ويوزع الباقي على أبناء قبيلته وعشيرته ومذهبه، وبعد ذلك على الحزب "القوي" الذي يكون قد أنشأه، أو على الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات الأهلية الدائرة بفلكه، المكرسة لهيمنته، والتي لا تبدي أدنى استعداد أو نية في المزايدة عليه، أو إعمال مبدأ المنافسة بوجهه، عندما يحين هذا "الاستحقاق الانتخابي" أو ذاك.

بالتالي، فإن "الدولة الوطنية" العربية، في خلقتها كما في طبيعتها، في طبعها كما في طابعها، ناهيك عن سلوكها وسياساتها، هذه الدولة لا تختلف كثيرا عن الاحتلال المباشر الذي ثوت خلفه القوى الغربية لعقود طويلة، لا في شكل ذات الاحتلال، ولا في منطوقه أو مضمونه:

- فـ"الدولة العربية المستقلة" وجدت منذ نشأتها الأولى بالقوة، تماما كالاحتلال الأجنبي سواء بسواء، فوحدت المناطق والجهات قسرا، وفرضت على المتمتع ضمنها شروطا في الولاء والطاعة مذلة ومهينة، وارتهنت بالترغيب تارة وبالترهيب تارات عدة لعلياء قومها، وأنشأت علياء قوم جدد، حتى بات الكل في خدمة ذات "الدولة"، تماما كما كان الحال في زمن الاحتلال، لا يزيغ عن ذلك إلا متمرد طائش، سرعان ما يتم تحييده، أو معارض مغمور، لم يتسن له إدراك "الوضع الجديد"، فتم استقطابه بسرعة، أو ترك لحال سبيله، مع إحكام الرقابة عليه، والتضييق على حريته وحقوقه في الحل كما في الترحال.

إن تغول الدولة الوطنية "الجديدة" على المجتمع لم يترتب عنه فقط استباحة المجتمع، بل وتحويله إلى قطيع مدجن من البشر، يهتف لرأس الدولة وحاشيته، تماما كهتافهم للحاكم الأجنبي

وعلياء القوم الذين نقصدهم بقولنا هذا، ليسوا بالضرورة جماعات أو مللا أو أحزابا، بل هم أيضا أفراد ونخب وملاك وأصحاب ريع، لا تمييز أو تمايز بينهم، إلا الاجتهاد الذي أبدوه في خدمة المحتل، وبات المطلوب منهم، أو هم مطالبون بأن يعيدوا إنتاجه بزمن "الوافدين الجدد" دون تلكؤ أو تردد.

إنهم علياء قوم جدد، المباهاة فيما بينهم تتم على أساس القرب من صاحب القرار، ما دام هو الذي بمقدوره حمايتهم والذود عن مصالحهم، والدفاع عما تحصلوا عليه من ثروات وسلطة.

- و"الدولة العربية المستقلة" بقدر ما تغولت على الجماهير -أفرادا وجماعات- فقد تغولت أيضا -تماما كما كان الحال زمن الاحتلال- على المجتمع برمته، بما يمثل منظومته المفروض صهرها بإيديولوجيا "النظام الجديد"، بتحييد كل الإيديولوجيات الأخرى المناوئة لها، أو المنافسة لبنيتها وبنيانها. فاستباحت بذلك بنيانه، وأهانت أعلى القدر من بين عناصره، واستقطبت المتردد ضمنه، حتى بات الكل منتظما على خلفية من مبادئ الطاعة والولاء والانصياع.

إن تغول الدولة الوطنية "الجديدة" على المجتمع -هنا- لم يترتب عنه فقط استباحة المجتمع شكلا ومضمونا فحسب، بل وتحويله إلى قطيع من البشر مدجن، يهتف لرأس الدولة ولحاشيته، تماما كما كان ذلك في سياق هتافهم للحاكم المقيم العام الأجنبي، حتى وإن كان ذلك خاضعا في حينه لمبدأ "القطيع" بلغة المستعمر.

إن المبدأ نفسه هو الذي استلهمه القائمون على "الدولة الوطنية المستقلة"، ليس من باب التماهي غير المقصود مع ما كان يقوم به ذات المستعمر، بل من باب بناء وإعمال منطوق إيديولوجيا جديدة، غايتها بناء الدولة المركزية، حتى وإن تم ذلك بقوة النار والحديد.

- و"الدولة العربية" المحتلة اعتمدت نفس سلوك المحتل، عندما انفجرت الثورات وتصاعدت الاحتجاجات بوجهها، في ظل ما اصطلح عليه "ربيعا عربيا"، فلجأت -ولا تزال تلجأ- للعنف المباشر لإخمادها، أو تفريق المحتجين من حولها بالقوة المبالغ فيها، بعدما تكون قد نجحت في تفعيل أسطوانة نعتهم بالغوغاء والمجرمين والمخربين والخارجين عن القانون والإرهابيين، وما سوى ذلك.

إن درجة الخشونة التي تتغيأ القتل أو الإعاقة، والجماهير بالشارع عارية الصدر، لا تملك إلا أصواتها واللافتات بين أيديها، هي نفس الخشونة التي لاحظناها في سلوك المحتل بالسابق من أزمان، لا سيما في ظروف المقاومة والمناهضة التي ارتفعت بوجهه، وتماما كما هو حال "الدولة العربية" في نهاية عشرية القرن الماضي والعشرية الأولى من القرن الحالي، حيث الخشونة كانت ولا تزال هي الأصل، بانتفاضة الجماهير بتونس ومصر وليبيا، ولا تزال هي الفيصل، أي المعول عليها، في انتفاضة البحرين واليمن وسوريا، وبالتأكيد فيما سيأتي من انتفاضات بباقي المنطقة العربية مشرقها ومغربها على حد سواء.

وعلى أساس كل ما سبق، فإننا نتصور:

- أن "الدولة العربية المستقلة" لم تخفق فقط في بناء مؤسسات لكل مواطنيها، تكون رحيمة في فعلها، عادلة في سلوكها، منصفة في توزيع الثروة فيما بين جماعاتها وجهاتها، بل أفلحت في تحويل ذات المؤسسات إلى أدوات في التسلط والحجر، واستصدار الملك العام لفائدة من ادعوا أنهم كانوا خلف طرد المحتل الأجنبي، وحاملي لواء الاستقلال والتحرر واستعادة الكرامة، ولفائدة من باتوا بعدهم "الأسياد الجدد" في ظل حكم ذات الدولة وتحكمها.

- وأن "الدولة العربية المستقلة" لم يكن غرضها الأساس بناء دولة واقتصاد، ثم ثقافة ومجتمع، بل بناء منظومة في الأمن والاستقرار، يكون لرأس الدولة ثم لعائلته وحاشيته الأمر والنهي في السلطة والثروة والجاه، في حين للشعب ما قد يجود به ذات الحاكم وحاشيته من وعطف وعطاء.

إنها أفلحت -وبامتياز- في استنبات مؤسسات للضبط والمراقبة، وفي بناء مساقات للمخابرات قوية وفاعلة، وفي إقامة منظومة في الخوف أصبح الكل بموجبها مع الكل ضد الكل.

موجة الانتفاضات العربية لم تنطلق فقط للمطالبة برحيل النظام، والمنظومة الثاوية خلفه، بل أيضا للمطالبة بالاستقلال عن ذات المنظومة، كما عن ذات النظام

- وأن "الدولة العربية المستقلة" لم تكتف باحتلالها المباشر لشعوبها وثروته، واحتكار الحق في التعبير والتفكير، بل ولم تخجل في استدعاء المحتل السابق للذود عنها، والدفاع عن حرمتها، والاصطفاف إلى جانبها، لمحاربة شعوب لا مطلب لها معقد، اللهم إلا مطالبتها بضمان حد أدنى من الكرامة، وبعض من خيرات وثروات بلدانها.

ولهذه الأسباب مجتمعة، فقد بلغ الأمر بالأفراد والجماعات حد مراودة الحنين لعهود المحتل الأجنبي، ولو من باب رد الفعل الصارخ بوجه دولة عربية تتنكر لهم بالجملة والتفصيل، بل وتنكر عليهم مطالب وحقوق أساسية لا مناص من اعتمادها اليوم لبناء دولة المواطنة، وتكريس منظومة الحقوق، التي للمفارقة، تعج بها الدساتير واللوائح والتشريعات.

ولهذه الأسباب مجتمعة أيضا، لم تستطع هذه الدولة الذود كثيرا عن حصونها، عندما انتفضت الجماهير بوجهها، وطالبت ليس فقط بسقوط النظام، ورحيل المتربع على قمته، بل أيضا بسقوط المنظومة، أي سقوط صروح دولة القمع والفساد والظلم (الدولة العميقة بلغة أهل الإعلام)، أشخاصا ومؤسسات، وبنى تحتية مادية، ومستويات رمزية، وأجهزة إيديولوجية، وما سوى ذلك.

لذلك، يبدو لنا أن موجة الانتفاضات العربية التي عايشناها في الثلاث سنوات الأخيرة- والتي لا تزال أطوارها جارية هنا ومخاضاتها قائمة هناك- هي انتفاضات ليس فقط للمطالبة برحيل النظام، والمنظومة الثاوية خلفه، بل أيضا للمطالبة بالاستقلال عن ذات المنظومة، كما عن ذات النظام. إنها تتطلع لتحصيل استقلال جديد، الاستقلال عن الدولة الوطنية "المحتلة" هذه المرة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك