علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

 

تهتك الحالة المؤسساتية
نكوصا للوراء
المسارب السلبية
المخارج والحلول

الاستفتاء على الدستور الجديد في مصر لن ينهي أو يقطع طريق الأزمة في بلد كبير يعاني ما تعانيه معظم بلداننا "العالمثالثية"، فلا مندوحة أمامنا من تناول الأزمة المصرية وتفريعاتها، فقد باتت تلُف الجميع بردائها وتلطم الجميع كل يوم بألف كف وكف.

والأمر الأكثر بؤسا وحزنا في تناولها أن تتجدد معها مقولة قديمة كنا ومازلنا -للأسف- نرددها كل يوم، وتتمثل في تهتك الحالة المؤسساتية العربية في معظم بلداننا منذ سنوات الاستقلال الأولى لتلك البلدان بالرغم من مُضي عُقود طويلة، وحلول الفرد أو المجموعة الضيقة -خصوصا مجموعات "العسكرتاريا"- مكانها، فكيف نرى الحلول والمراجعات والمخارج للحالة المصرية القائمة الآن؟

تهتك الحالة المؤسساتية
نبدأ القول إن تَهَتُك الحالة المؤسساتية العربية في معظم بلداننا تجلى أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة، وفي الأزمة المصرية أكثر من غيرها، نظرا لموقع مصر الجغرافي والبشري والسياسي والجيوإستراتيجي بشكل عام في خارطة منطقتنا العربية والإسلامية وتداخلاتها، حيث الجميع من أفراد وقيادات ومؤسسات أصبح من مُكونات الأزمة وصانعيها.

تهتُك الحالة المؤسساتية العربية في معظم بلداننا تجلى أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة، وفي الأزمة المصرية أكثر من غيرها، نظرا لموقع مصر السياسي والبشري والجيوإستراتيجي بشكل عام

والمعضلة هنا تكمن -وفي حال استمرار تلك الحالة- في دفع الناس نحو فقدان روحية وحميمية الاندفاع نحو التغيير الديمقراطي السلمي التداولي عبر صندوق الاقتراع، والنزول عند خيارات الشارع والناس لصالح إحلال حالة استمراء خيارات القوة و"العسكرتاريا" في عموم منطقتنا الرازحة تحت كابوس وسطوة العسكر في أكثر بلدانها، سطوة كانت ولا تزال قوية بحيث تمكنت في أكثر من بلد من وأد وإقصاء الآخرين من قوى سياسية بغض النظر عن مستويات حضورها وسط المجتمعات المحلية.

لقد مضى عام 2013، ومضت معه أيام الغليان في أكثر من مكان من منطقتنا العربية، فكان المشهد المصري حاضرا بقوة وزخم مع التحولات الأخيرة قبل عدة أشهر، والتي أفضت لحدوث الانكسار الحاد والمريع والمُفجع في العملية الديمقراطية التي كان يُفترض لها أن تؤسس لمرحلة جديدة في مصر، وأن تكون فاتحة خير في منطقتنا، مرحلة تنهي حقبة طويلة من حكم "العسكرتاريا"، وما كان يسميها البعض بمراكز "القرار" ليكون صوت الشعب بديلا عنها، عبر صندوق الاقتراع النزيه، بعيدا عن أي تزمت للون حزبي سياسي أو فكري أيديولوجي ما دام الفيصل هنا هو صوت الناس.

نكوصا للوراء
فما حدث -وبعيدا عن التحزب لأي طرف كان مهما كان لونه السياسي أو الفكري- كان خطوة إلى الخلف في هذا الصدد، ونكوصا للوراء، وانتكاسة أعادت إنتاج النقيض الأول الذي سعى إليه أغلب المصريين من أجل إرساء عملية ديمقراطية تشاركية حقيقية، يكون فيها موقع ومكان محفوظ ومتين لكل قوة سياسية ولكل اتجاه فكري، وكل حسب حضوره في المجتمع وحسب تأثيره ووفقا لما تعطيه العملية الديمقراطية الانتخابية المنشودة من نتائج.

أيام صعبة مرت على مصر، وما زال الوقت يُداهمها، في بلد بات الاضطراب عنوانا يسوده بعد الذي جرى من تحولات لا يمكن وصفها سوى بالعملية الانتكاسية لمسار طالما دغدغ مشاعر الحالمين به، مسار التغيير الديمقراطي السلمي الذي يؤسس لحالة مغايرة تُنهي عقودا طويلة من الحياة الطافحة بغياب الشارع وصوت الناس، وسيادة لغة الفرد ومنطق الصنمية.

إن استبعاد أي طرف سياسي أو أي لون أيديولوجي يحظى بحضور في الشارع -خصوصا إن كان حزبا تاريخيا- من مسار العملية السياسية والحياة العامة في البلاد، أي حزب كان، وأيا كانت هويته الفكرية السياسية التي لا تتعارض مع حرية الاعتقاد والتفكير والرأي، يؤدي لتوالد ردود فعل قد تدفع بالبعض للتحول نحو مسارب غاية في السلبية، كما حدث في الفترات التي قاد فيها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات البلاد.

إن استبعاد أي طرف سياسي أوأيديولوجي يحظى بحضور في الشارع سيؤدي لتوالد ردود فعل قد تدفع بالبعض للتحول نحو مسارب غاية في السلبية، كما حدث في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات

وقد ازدهر في عهده توالد المجموعات المسلحة التي نهضت بفعل ردود الفعل التي ولدها القمع الفظيع والمفرط، وهنا يقع على عاتق القوى السياسية الحية في مصر مهمة إرساء عملية التحول التي تقتضي تنحية الرؤية التنظيمية الخاصة لأي منها، وإرساء مشروع الثورة الأوسع التي تمس قضايا الناس اليومية وتلامس همومهم الحياتية (عيش ومواطنة وحرية وعدالة اجتماعية).

وفي مصر الآن كثير من الناس العاديين يتوقون لاستعادة الاستقرار والاقتصاد والحياة العامة بمضمونها المُرتجى الذي ينتصر للضعفاء والفقراء وذوي الدخل المحدود الذين يشكّلون الأغلبية الساحقة من الشعب المصري، فعامة الناس يريدون ويثمنون الاستقرار في بلدانهم تحت عنوان الأمان الاجتماعي والحياتي بكافة مناحيه، ويسعون في الوقت نفسه من أجل حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية وسيادة القانون.

المسارب السلبية
وفي هذا المناخ المضطرب داخل مصر، لا بد من القول إن أصابع الخارج في الإطار الإقليمي -وحتى الدولي البعيد- ما زالت تفعل فعلها في مسار التحولات الجارية في مصر، وخصوصا الأصابع الأميركية التي تتحدث ليلا نهارا عن الديمقراطية وتعزيزها في دول العالم الثالث، لكنها تحمل في الوقت نفسه "عصا" التدخلات الخارجية في مصائر تلك البلدان، وفي المقدمة منها استخدام واستثمار برنامج المساعدات الأميركية الخارجية لدعم تحول بعينه.

وهذا ما يجري في مصر الآن، حيث تريد واشنطن تحقيق عدة مصالح، وعلى رأسها المصالح الأمنية التي تتطابق فيها الإدارة الأميركية مع أطراف مصرية مؤثرة في المؤسسة العسكرية من أجل الحفاظ على ما يسمى "معاهدة السلام مع الدولة العبرية الصهيونية".

في هذا السياق، وعند الحديث عن ضرورة قطع يد التدخل الخارجي وشل تأثيراته السلبية على مسار التحولات الداخلية المصرية، من المهم جدا التأكيد أن إرساء الحياة الديمقراطية يتطلب إخراج الجيش نهائيا من المعادلة السياسية الداخلية، ووضعه على الحياد بالنسبة للحياة السياسية العامة في البلاد، لا أن يكون تحت سلطة قوة سياسية بعينها لينوب عنها ويقصي من تريد إقصاءه أو استبعاده.

فالجيش تشكيل وطني عام ليس له علاقة بالحياة السياسية في البلاد، بل له علاقة بحماية أمن وأمان البلاد والناس من الأخطار الخارجية وحماية تكريس الأمن وسيادة القانون على الجميع دون استثناء.

لابد من حل سياسي يتم تأصيله في دائرة الفعل عبر إنتاج حوار حضاري هو لغة العصر، كأسلوب عقلي للتفاهم، وهو بديل الديكتاتورية وتوابعها، وهو نقيض العنف والهمجية
المخارج والحلول
بالمحصلة والاستخلاصات الأخيرة، وفي صورة ووقائع المشهد المصري الحالي، وإضافة للقوى السياسية التقليدية المعروفة ودورها وحجم تأثيرها في الشارع المصري، يتبين وجود تيارات بدأت تتأتى من خارج الدائرة الحزبية التقليدية ترفض استمرار الحال على ما هو عليه، ومُستعدة -على ما يبدو- للعمل المُستمر والسلمي لتغييره.

ومع ظهور بوادر تحوّل إستراتيجي بات مطلوبا من قبل بعض القوى الحزبية، خاصة الحزب الذى جرى اتخاذ إجراءات قاسية بحقه ومنها حظره، تحوّل يفترض أن يقوده من العمل التنظيمي والمصلحة التنظيمية "البحتة" لصالح توليد حركة وطنية واسعة بأجندة وطنية مشتركة مع الناس والقوى الراغبة في التغيير لأوسع إطار تحالفي، وهو أمرٌ غاية في النُبل والتعقل والتبصّر، ويتطلب تضافر جهود كل المخلصين لقضية التغيير الديمقراطية، والساعين من أجل إرساء التحول المنشود في الحياة السياسية العامة في البلاد.

وعليه، فإن الأزمة المصرية لن تُحل بالمحاكمات ولا لوائح الاتهامات، ولا لغة الانتقام، فلا بد من حل سياسي بامتياز، وتأصيله في دائرة الفعل عبر إنتاج حوار حضاري هو لغة العصر، كأسلوب عقلي للتفاهم، وهو بديل الديكتاتورية وتوابعها، وكاشف العورات ومذلل العقبات، وهو نقيض العنف والهمجية ومختصر المسافات، ودارئ الأخطار، ومقلل الخسائر.

وبالطبع، فإن أولى خطوات الحوار المطلوب تقتضي من جميع الأطراف إعادة النظر في تقييم ما حدث واستصدار قانون للعفو الشامل وتبييض السجون لإنهاء الأزمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك