نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل

 

تذبذب التقديرات الأمنية
عين على قطاع غزة
الربيع العربي والخطط الإسرائيلية

مرت ثلاث سنوات على انطلاقة الشرارة الأولى للثورات العربية من تونس، وعلى الرغم من عدم تحقيق الثورات أهدافها المباشرة بشكل جلي، فإن مراكز البحث الإسرائيلية والمؤسسات الإسرائيلية المختلفة لم تتوقف خلال السنوات الثلاث الماضية عن عقد ندوات والوصول إلى استنتاجات عن تداعيات المشهد العربي على الساحة الداخلية الإسرائيلية، وبشكل خاص على مناعة إسرائيل الأمنية.

وفي هذا السياق كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية قبل فترة وجيزة عن معطيات لجهاز الموساد الإسرائيلي تشير إلى أن وضع إسرائيل قد ازداد مناعة خلال العام المنصرم 2013، ويعود ذلك لسبب أساسي يتمثل في تراجع قوة الجيش العراقي وكذلك الحال بالنسبة للجيش السوري، هذا في وقت ينشغل فيه الجيش المصري بمحاربة "منظمة القاعدة".

تذبذب التقديرات الأمنية
من الواضح أن ثورات الربيع العربي التي انطلقت قبل ثلاثة أعوام، قد فاجأت إلى حد كبير المؤسسة الإسرائيلية، وجعلت جهاز الموساد يتخبط ويتخذ مواقف متباينة بين فترة وأخرى إزاء تحولات المشهد العربي، وتداعياته على الساحة الإسرائيلية.

تشير معطيات لدى الموساد إلى أن وضع إسرائيل ازداد مناعة خلال العام المنصرم 2013، ويعود ذلك لسبب أساسي يتمثل في تراجع قوة الجيشين العراقي والسوري، هذا في وقت ينشغل فيه الجيش المصري بحرب مع "القاعدة"

وفي هذا السياق، كان كبير المحللين الإسرائيليين ناحوم برنياع قد أشار في شهر أبريل/نيسان 2013 إلى أنّ جهاز الموساد الإسرائيلي يواجه تحديات كبيرة في هذه الآونة لعدم قدرته على تحديد وجهة الجماهير العربية، مع انطلاق الموجة الثورية في العالم العربي، ليبدأ فصل جديد في تاريخ الموساد.

ولفت إلى أن جهاز الموساد دأب طوال العقود الماضية على العمل وفق فرضية أن التصور الأمني يرى أنّ التهديد الرئيسي لـ"إسرائيل" يأتي من الحدود، وكان الجيش هو الحل، والموساد أداة مساعدة في يده.

وأوضح برنياع أنّ رؤساء الموساد أدركوا أنّهم لا يستطيعون الاكتفاء بإلقاء المعلومات الاستخبارية للجيش، معتبرا أن المسؤولية تبدأ وتنتهي عند الموساد. وأضاف أن الجهاز تحوّل من "مزود" إلى "منتج"، بحيث زاد مقدار العمل كثيرا، وتضاعفت المسؤوليّة أيضا، وفقا لما ذكر له رئيس جهاز الموساد.

وفي مقابل ذلك، تسربت عن جهاز الموساد في نهاية عام 2013، إثر جلسة خاصة عقدها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر بقيادة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية داخل مقر الموساد نفسه، معلومات مفادها أن وضع إسرائيل بدأ يزداد قوة خلال عامي 2012 و2013، وكذلك الحال بالنسبة للعام الحالي 2014، ومرد التقدير الاستخباراتي المذكور يكمن في تراجع وتلاشي قوة الجيش العراقي، مما يجعله بعيدا عن أي حسابات إسرائيلية في المدى المنظور على الأقل.

وفيما يتعلق بالجيش السوري، فقد ضعفت قدراته الكيميائية والبالستية وتراجعت إمكاناته العسكرية بشكل ملحوظ، ولهذا يؤكد بعض القادة العسكريين الإسرائيليين أنه بإمكان وصول الجيش الإسرائيلي خلال بضع ساعات بعد أن كانت المهمة تتطلب أكثر من أسبوع قبل عدة أعوام. فضلا عن ذلك أصبحت قوة الجيش المصري مستنزفة في حرب شوارع، فضلا عن انشغاله بمحاربة "القاعدة".

وترى الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية أن حزب الله لم يعزز قدراته العسكرية خلال عام 2013 باستثناء الخبرة القتالية التي حصل عليها مقاتلوه عبر المشاركة في المعارك في سوريا، كما أن الحزب لم يحصل على سلاح إستراتيجي كثير من سوريا أو من إيران.

لكن تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن حزب الله قادر على توجيه ضربة قاسية مقارنة بالحرب السابقة، وفي هذا إشارة إلى حرب يوليو/تموز 2006 حيث خسرت إسرائيل عددا كبيرا من الدبابات والآليات العسكرية.

عين على قطاع غزة
ترافقت الحملة الإعلامية التي تقوم بها أجهزة الانقلاب في مصر على حركة حماس، مع عاصفة إعلامية إسرائيلية وأميركية ضد الحركة، وذلك بغية إضعافها والانقضاض عليها، بعد عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي.

تعتبر إسرائيل أن قدرات حماس تراجعت إلى حد لا يمكن حدوث حرب إسرائيلية معها في قطاع غزة خلال العام الحالي 2014، نظرا لتوقف شريان تسليح الحركة بعد الانقلاب الذي حدث على الشرعية في مصر

ولهذا اعتبرت أجهزة الأمن الإسرائيلية أن قدرات حركة حماس قد تراجعت إلى حد لا يمكن حدوث حرب إسرائيلية معها في قطاع غزة خلال العام الحالي 2014، نظرا لتوقف شريان تسليح الحركة بعد الانقلاب الذي حدث على الشرعية في مصر في صيف العام المنصرم 2013.

وقد ساعد في ذلك تدمير الجيش المصري لمئات الأنفاق الواصلة من سيناء إلى قطاع غزة، حيث تعتبرها إسرائيل شريانا أساسيا لتسليح حركة حماس، ناهيك عن كونها بديلا اقتصاديا للحصول على سلع غذائية من مصر، بعد حصار مديد للقطاع من قبل إسرائيل.

لكن رغم الحديث الإسرائيلي عن تراجع قوة حركة حماس في قطاع غزة، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع، حيث تعتبرها إسرائيل ضربات استباقية للإجهاز على قوة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية في القطاع.

الربيع العربي والخطط الإسرائيلية
وتبعا لتحولات المشهد العربي وارتداده على الساحة الداخلية الإسرائيلية، من المتوقع أن يجري الجيش الإسرائيلي، وفق خطته للسنة الحالية 2014، عدة تغيرات في "سياسات القوى البشرية" لديه، مع تقليص الميزانية الخاصة بالدفاع والأمن من إجمالي الميزانية العامة.

وأوضحت تقارير إسرائيلية أن ثمة تغيرات مستقبلية في صفوف الجيش الإسرائيلي، ومن بينها زيادة الاستعداد للطوارئ، والحفاظ على جاهزية الوحدات، وتوسيع تجنيد المتدينين، والعمل على نقل مواقع الجيش إلى منطقة النقب في جنوب فلسطين المحتلة.

وبسبب التقليص في ميزانية الأمن، من المتوقع أن يتم تسريح آلاف الجنود من الخدمة الدائمة جراء نقل مقترح لخطة عام 2015 أيضا يقضي بتقليص وحدات الذراع البري وقيادة الجبهة الداخلية وسلاح الجو.

ومن ضمن التغيرات المرتقبة، أن يتم تعزيز القوى العاملة في مجال الحرب الإلكترونية وسلاح الغواصات ووحدات الاعتراض في منظومات القبة الحديدية والعصا السحرية، مقابل تقليص وإغلاق وحدات أخرى لم يذكرها.

وتسعى إسرائيل لامتلاك جيش إلكتروني قوي كذراع مساعد للقوة الإسرائيلية التي تتمثل في الجيش الإسرائيلي وعتاده الآخذ بالتطور بشكل دائم.

ولم تتوقف المؤسسة الإسرائيلية عند توصيف التداعيات الممكنة لتحولات المشهد العربي على مناعة وإستراتيجية إسرائيل العسكرية، بل تم رسم صورة إسرائيل في مستويات عدة خلال العام الحالي 2014.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أشارت معطيات إسرائيلية إلى أن المداخيل والمصروفات وتوفيرات الأسر الإسرائيلية ستتغير خلال 2014، وسينخفض متوسط الأجور، في حين ينتظر انضمام 50 ألف إسرائيلي إلى دائرة البطالة وسترتفع أقساط القروض السكنية بمائة شيكل، كذلك سيرتفع ثمن السحب الزائد في البنوك وكذلك سيرتفع سعر صرف الدولار قليلا، لكن قيمة الأسهم في البورصة سترتفع بنحو 10%.
من التغيرات المرتقبة في الجيش الإسرائيلي تعزيز القوى العاملة في مجال الحرب الإلكترونية وسلاح الغواصات ووحدات الاعتراض في منظومات القبة الحديدية والعصا السحرية، مقابل تقليص وإغلاق وحدات أخرى
وفي مقابل ذلك، ستواصل أسعار الشقق السكنية في إسرائيل ارتفاعها لتصل قيمة الارتفاع حوالي 8%. ووفقا لمحللين اقتصاديين، فإن حالة التباطؤ التي يعيشها الاقتصاد الإسرائيلي وموجات فصل العمال الأخيرة وانخفاض سعر صرف الدولار واستمرار الركود الاقتصادي في أوروبا، ستلقي بظلالها على جميع الإسرائيليين خلال العام القادم 2015.

وتوقع المحللون انخفاض متوسط الأجور في إسرائيل بـ3.5%، مما يعني انخفاضا بـ350 شيكلا إسرائيليا، كما ستتواصل موجة فصل العمال والموظفين وسترتفع معدلات البطالة، ولهذا سيفقد خلال العام القادم حوالي 50 ألف إسرائيلي أماكن عملهم في قطاعات الاقتصاد المختلفة.

ولا يدور الحديث عن خفض حاد في قيمة الشيكل، بل إصلاحات طفيفة في محاولة لتحسين وضع الدولار الذي يؤثر على أسعار السيارات والوقود والأجهزة الكهربائية وإيجارات الشقق السكنية وتكاليف السفر إلى الخارج وغيرها من مجالات الحياة الإسرائيلية.

ويبقى القول إنه على الرغم من انعقاد عشرات المؤتمرات والندوات السنوية، المتخصصة بجوانب الحياة المختلفة، الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية، فإن مناعة إسرائيل الأمنية والعسكرية والإستراتيجية بقيت وستبقى الهاجس الأكبر لحكومات إسرائيل المتعاقبة، خاصة في ظل استمرار ثورات الربيع العربي، لأن القوة الإسرائيلية سر بقاء واستمرار إسرائيل وصيرورتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك