عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري

من الرق إلى الثورة
إعادة البناء
جيم كرو
حركة الحقوق المدنية

بدت حادثة فيرغسون بولاية ميسوري بالولايات المتحدة في الأشهر القليلة الماضية كمدعاة كبرى للزهادة في الديمقراطية الأميركية، فكثير من العرب قد قنعوا ظاهرا وباطنا من خيرها بالنظر إلى خذلانها المزمن لقضايانا. وجاءت فيرغسون شاهدا من أهله على ظلمها لطائفة من شعبها، هم الأميركيون الأفارقة، لم تظلهم بظلها على تطاول عهدهم بأميركا.

ومع قبح الديمقراطية الأميركية مع سود أميركا، كما كشفت عنه واقعة فيرغسون، فإن في الحكم بعدم جدواها لقضايا الحرية على النطاق الوطني أقله عجلة يعوزها سند قاطع من التاريخ، فمتى نظرنا لهذه الديمقراطية من زاوية حقوق السود المدنية وجدنا تطبيقا حرفيا للمبدأ القائل بأن علاج الديمقراطية في المزيد من الديمقراطية.

فكلما ضاق ماعونها دون حقوق السود المستجدة اتسعت وانتصرت لهم على العنصرية البيضاء في الولايات الجنوبية خاصة التي سعت في الماضي وإلى يومنا هذا إلى تجريدهم من حق الاقتراع بحيل شتى لمصادرة إرادتهم السياسية.

مع قبح الديمقراطية الأميركية مع سود أميركا، كما كشفت عنه واقعة فيرغسون، فإن في الحكم بعدم جدواها لقضايا الحرية على النطاق الوطني، أقله، عجلة يعوزها سند قاطع من التاريخ

من الرق إلى الثورة
اقتصر حق الاقتراع في فترة الإنجليز على من سموا "أصحاب المصلحة في المجتمع" من وجوه القوم المتملكين ودافعي الضرائب، وكانت الديمقراطية عندهم صنوا للفوضى وحكم الرجرجة.

وبالطبع لم يكن للرقيق ما للأحرار من حقوق، وحرم حتى الكاثوليك واليهود من الاقتراع في بعض الولايات على بينة دينهم. وبعد استقلال أميركا كان الهاجس الوحيد للديمقراطية الأميركية بالرقيق الأسود هو من جهة تأثير غزارته على الممارسة الديمقراطية البيضاء سلبا وإيجابا.

فاشتجر خلاف بين البيض في مؤتمر فلادلفيا (1787)، الذي تكونت به الولايات المتحدة القائمة، حول إحصاء الرقيق ضمن سكان الولايات لتقدير أوزانها في مجلس النواب الذي تقوم انتخاباته على عدد سكان الولاية. فكلما كثر سكان الولاية زاد عدد نوابها. وكان الشماليون الليبراليون يخشون أنه متى عدوا الرقيق في السكان، صار لولايات الجنوب الغزارة وعظم تأثيرها السياسي.

من الجهة الأخرى كان الجنوب، غزير العدد بالرقيق، يتحسب لزيادة الضرائب عليه وهي تجبى على دائر عدد السكان. وتراضى الخصمان عند أن يحصى الرقيق بمعادلة يكون فيها العبد 3 أخماس الأبيض. وضمّنوا ذلك دستورهم في المادة 1، القسم 2، فقرة 3. ولم ينمح هذا التبخيس الدستوري للسود إلا بعد الحرب الأهلية (1861-1865) بالتعديل رقم 13 (1865) الذي أصبح به كل الأميركيين أحرارا.

إعادة البناء
جاءت فترة إعادة البناء في أعقاب نهاية الحرب الأهلية التي انتهت بنصر ولايات الشمال (الاتحاد) على ولايات الجنوب (الكونفدرالية). ومعلوم أن الرق كان عظمة نزاع كبيرة فيها. ورمت فترة إعادة البناء لتنزيل مطلوبات وثيقة تحرير الرقيق (1862)، التي وقعها الرئيس لنكون، لتغيير واقع الأفارقة الأميركيين. وكان حقهم في الاقتراع في مركز دائرة سياسات إعادة البناء. فبينما كان الكونغرس يشرع لمنحهم هذا الحق كانت قوى العنصرية البيضاء في الولايات الجنوبية خصما لدودا له. فأصدر الكونغرس تعديلين للدستور (التعديل 14 (1868) و15 (1870) أمّنا للسود، بالتتابع، مواطنتهما بالميلاد في أميركا وحق الاقتراع كحق دستوري محمي بالسلطات الفدرالية.

خاف العنصريون البيض من عواقب تمكين السود من حق الاقتراع، لأنهم أغلبية سكان الجنوب وبوسعهم استخدام الحق لتوسيع حقوقهم المدنية، كما فعلوا، لإبطال التفرقة في ركوب المواصلات، والسكن وغيرها. وأخذ السود عمليا، من جهة أخرى، استثمار هذا الفتح السياسي. فصار لهم في فترة إعادة البناء 16 عضوا بالكونغرس و400 موظف سياسي في حكومة الولايات، ناهيك عن تكاثرهم في أروقة الحكومات المحلية.

ولم يقبل مجموعات البيض بما سموه "سيادة السود" التي بدأت بواكيرها، فأثقلت على الناخب الأسود بمعرفة القراءة والكتابة ودفع ضريبة مخصوصة. كما نشطت منظمة الكوك كلس كلان العنصرية ترهب السود دون ممارسة حقوقهم. كما تنصلت الدولة بالتدريج عن وعودها لهم بحقوق في الأرض، فاضطرتهم ليعودوا عمالا بالمياومة. وفي ملابسات تاريخية وانتخابية معقدة تخلت الدولة الفدرالية بالكلية عن خطة إعادة البناء في 1877.

جيم كرو
وبتنصل الدولة الفدرالية من التزاماتها تجاه السود في فترة إعادة البناء ارتد الجنوب إلى أوضاع الرق القديم في ما عرف بفترة "جيم كرو". وتأسست هذه الفترة جوهريا على تجريد السود من حق الاقتراع. ولم يكترث البيض العنصريون للتعديلين الدستوريين 14 و15، فبقيا، رغم ذلك في الدستور، "عملاقين في سبات".

وعبارة جيم كرو في أصلها اسم لمغن أبيض يلعب أدوار "الزنوج" على المسرح بعد طلي وجهه بالسواد. والتقط ذلك المغني اسم "جيم كرو" في 1839 من أغنية سمعها من أسود عجوز فتسمى به.

بتنصل الدولة من التزاماتها تجاه السود في فترة إعادة البناء ارتد الجنوب إلى أوضاع الرق القديم في ما عرف بفترة "جيم كرو". وتأسست هذه الفترة جوهريا على تجريد السود من حق الاقتراع
واشتهر وصار اسمه، جيم كرو، رمزا للتفرقة العنصرية بعد 1890. واتجهت العنصرية البيضاء في فترة الجيم كرو الطويلة في ولايات الجنوب خاصة إلى لجم السود عن حق الاقتراع بالوسائل التالية ضمن حيل أخرى:

1-إعادة اشتراط اختبار القراءة والكتابة ودفع الضريبة في استحقاق الأسود للتصويت دون الأبيض الموسوم بالنباهة أصلا.

2- تسهيلات للتصويت يستحيل للسود الوفاء بلوازمها، فمثلا مبدأ "ترخيص الجد" وبه يمكن للأمي التصويت لو صوت جده عام 1867.

3- منع السود من الاشتراك في تصويت التصفية للمرشحين في طور المنافسة الأولية داخل الأحزاب قبل الانتخاب العام.

4- حجب حق الاقتراع ممن سجنوا بجنحة، وكان تلفيق تهم الجرائم الصغرى على السود بابا لإنقاص كتلة الأصوات السوداء.

5- استخدام العنف ضد المقترع الأسود المتطلع بحرق منزله، أو فقدان الوظيفة، أو الترويع بعصابات الكوك كاس كلان.

حركة الحقوق المدنية
أنهت هذه الحركة فترة جيم كرو العنصرية، وتزعمها القس مارتن لوثر كينغ (1929-1968) لتمكين السود من حق الاقترع الذي صادره جيم كرو. وتكللت بالنجاح بقانون حق الاقتراع الذي وقعه الرئيس لندون جونسون بحضور القس كينغ.

ويرجع ظهور كينغ على رأس هذه الحركة إلى تنامي تمرد السود على نظام الفصل العنصري الذي ساد عصر جيم كرو. وصار كينغ في قيادة حركة الحقوق إثر حادثة رفض السيدة روزا بارك في 1955 إخلاء مقعدها بحافلة عامة لأبيض لم يجد مكانا في الكراسي الأمامية المخصصة للبيض مثله. وأثارت محاكمة روزا ثائرة السود فأضربوا عن ركوب حافلات المدينة لأكثر من عام.

وتوالت احتجاجات السود، فتوجت بموكب للمطالبة بالحقوق المدنية بالجنوب في مارس/آذار 1965، واصطدمت الشرطة بالموكب فعنُفت معه عنفا سلط الضوء على مظلمة السود التاريخية. فدعا جونسون الكونغرس لجلسة مشتركة أطلعهم فيها على الحيل التي يحول بها موظفو الانتخابات دون اقتراع السود. ومنها مثلا إذاعتهم معلومات خطأ عن تاريخ وتوقيت ومكان التصويت.

وأجاز الكونغرس القانون، الذي ألغى شرط معرفة القراءة والكتابة والضريبة لاستحقاق الاقتراع، بأغلبية كبيرة. ولكن أهم ما جاء فيه هو الترخيص للحكومة الفدرالية بالتحقق من أي مخالفات ولائية. فمثلا يحق للنائب العام الفدرالي أن يتحرى أي دائرة قل عدد المقترعين فيها عن 50% لشبهة تورط حكومة ولائية ما في الحيلولة دون تصويت السود.

كان تنفيذ القانون ضعيفا، بل تجاهلته ولايات الجنوب التي يهدد الصوت الأسود الغالب مصالح العنصريين البيض. ولكنه كان مع ذلك فتحا كبيرا للقوة الانتخابية السوداء، فتحسن الإقبال بين السود على التسجيل في ولايات الجنوب. وفاز نائبان أسودان بمقاعد في الكونغرس هي الأولى منذ عهد إعادة البناء. وقفز عدد الموظفين المنتخبين السود في ولاية جورجيا الجنوبية من 3 قبل 1965 إلى 295 موظفا.

وأزعج تنامي هذه القوة السوداء العنصرية البيضاء، فوجهت سهامها بشكل رئيسي للمادة الخامسة التي ترخص للحكومة الفدرالية التحقق في مخالفات ولائية للقانون تؤدي إلى حجب الاقتراع عن السود، فبلغت اعتراضاتها عليه 18 اعتراضا في المحاكم في 2010.

وظلت هذه الولايات تحتال بلا وازع للحد من القوة التصويتية للسود، ففرضت الاقتراع بعد إبراز إثبات شخصية بصورة. ومنشأ تضييق هذه البطاقة لحق الاقتراع أن بعض السود لا يحملونها لأسباب مختلفة. ووضح عمليا أن شرط البطاقة استبعد نحو 200 ألف مقترع في ولاية ما. وحجّمت بعض الولايات الترخيص بالتصويت المبكر الذي يناسب كثيرا من السود.

قيل عن فترة الحقوق المدنية السوداء في الستينيات إنها انبعاث لفترة إعادة البناء بستينيات القرن التاسع عشر. والواضح أن أميركا، بقرائن حيثيات فيرغسون واستحقاقاتها للسود مقبلة على دورة بعث ثالثة لفترة إعادة البناء

ويتحفز الكونغرس الآن لتجديد القانون لسد ثغرات وضحت من قضية معروفة بـ"شلبي ضد هولدر". ودارت القضية حول تعديلات تمت لخارطة إحدى الدوائر الانتخابية. ولم تعرض الولاية هذه التعديلات لنيل موافقة النائب العام الفدرالي. ويخول القانون لهذا النائب التحقق من سلامة هذه التعديلات متى كانت في دوائر مشهود لها بقلة المقترعين بفعل فاعل. وما حفز الكونغرس للتدخل أن المحكمة الدستورية العليا حكمت للولاية ورفعت عنها رقابة الدولة الفدرالية. وانتهزت الولايات الحاقنة هذا الحكم الدستوري لتشدد النكير على الصوت الأسود برسم خرائط الدوائر بصورة تجحف به.

متى نظرت في هذا التاريخ العصيب للسود في الديمقراطية الأميركية بدا لك:

1- بطؤها المعيب في شمول السود بظلها، ونحتاج تذكر كلمة تشرشل: "الديمقراطية هي أسوأ نظم الحكومات عدا تلك التي سبق تطبيقها"، ومهما قلنا عن الديمقراطية الأميركية فهي درس لنا في العالم العربي الذي خلعنا فيه الديمقراطية الليبرالية في قفزات مرتجلة في الظلام.

2- تناصر السود وحلفاؤهم السياسيون في توسيع ضيق هذه الديمقراطية بقوة في وجه قوى عنصرية لم تتصالح بعد مع مواطنة السود.

3- كلما تعزز حق الاقتراع للسود سياسيا لم تتأخر الديمقراطية على المستوى الفدرالي خاصة في التشريع له وحمايته.

قيل عن فترة الحقوق المدنية السوداء في الستينيات إنها انبعاث لفترة إعادة البناء لستينيات القرن التاسع عشر، والواضح أن أميركا، بقرائن حيثيات فيرغسون واستحقاقاتها لسود الغيتو الأميركي، مقبلة على دورة بعث ثالثة لفترة إعادة البناء، فالديمقراطية عمل يتخلق وما زال لم يبلغ تمامه، كما يقول الأميركيون عن المشروع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك