عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


ضعف الاستقرار الحكومي
العرب والانتخابات الإسرائيلية
خلافات إسرائيلية داخلية
ماذا ينتظر العرب؟

تتجه إسرائيل حاليا نحو انتخابات تشريعية بعد حل المجلس التشريعي رقم 19 والذي قاده ائتلاف الليكود مع بعض الأحزاب اليمينية وأحزاب مصنفة على أنها وسطية.

قرر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو طرد وزيرين من وزارته وهما يائير لبيد رئيس حزب هناك مستقبل (ييش عتيد) وتسيبي ليفني رئيسة حزب الحركة (هتنوعاة). كان نتنياهو غاضبا على بعض وزرائه لأنهم كانوا يهاجمون سياساته علنا ويعبرون عن عدم رضاهم عن عدد من السياسات الخارجية والداخلية. وبعد أن حذرهم نتنياهو، وضع عليهم، وعلى لبيد بالذات شروطا لم يكن أمام لبيد إلا رفضها.

وعلى الرغم من أن حزب العمل هو الذي تقدم بطلب حل الكنيست 19 فإن حزب الليكود كان ينتظر هذه الخطوة لتأييدها. لقد تقرر حل الكنيست الإسرائيلي ودعوة رؤساء الأحزاب للاتفاق على تاريخ لإجراء الانتخابات والتي غالبا ستكون في منتصف مارس/آذار 2015.

ضعف الاستقرار الحكومي
إسرائيل مقبلة على انتخاب الكنيست رقم 20 في تاريخها، ويستتبع ذلك بطبيعة الحال تشكيل الحكومة رقم 20، إحصائيا، كان معدل عمر الحكومات الإسرائيلية ثلاث سنوات، أي أقل من المدة المقررة قانونيا بسنة واحدة، أما الحكومة الحالية فاستمرت 21 شهرا فقط.

تميزت الحكومات الإسرائيلية في العقود الأخيرة بعدم الاستقرار وسرعة الانهيار نتيجة للشرذمة السياسية التي تشهدها إسرائيل. ورغم أن إسرائيل لا تعاني من اقتتال سياسي داخلي، لكن أحزابها السياسية تزايدت مع الزمن بسبب الانشقاقات في الأحزاب الكبيرة

تميزت الحكومات الإسرائيلية في العقود الأخيرة بعدم الاستقرار وسرعة انهيارها وذلك لأسباب تتعلق بحالة الشرذمة السياسية التي تشهدها إسرائيل. لا تعاني إسرائيل من اقتتال سياسي داخلي، لكن أحزابها السياسية تزايدت مع الزمن بسبب الانشقاقات في الأحزاب الكبيرة مثل الليكود والعمل، وبسبب الخلافات الواسعة بين هذه الأحزاب بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة 67.

هذا وقد تطورت قوة الأحزاب الدينية (الحاريديم) السياسية مع الأيام، وأصبح لها شأن في تشكيل الحكومات الائتلافية، وقدرة على إسقاط حكومات بسرعة. وقد استغلت هذه الأحزاب وجودها في الكنيست لتكون عاملا حاسما في تشكيل الحكومات وإسقاطها رغم قلة أعداد أعضائها في المجلس التشريعي. أبقت كثرة الأحزاب السياسية الحكومات هشة جدا وعرضة للانهيار نتيجة موقف عضو أو عضوي كنيست فقط.

رفعت الشرذمة السياسية في إسرائيل من حدة المنابزات السياسية الإسرائيلية، وأثرت على مشاريع الحكومات في مختلف مجالات الحياة، وأصبحت الخصومات عنوانا كبيرا في الإعلام الإسرائيلي.

العرب والانتخابات الإسرائيلية
على مدى عقود والأنظمة العربية ومعها منظمة التحرير الفلسطينية تنتظر الانتخابات الإسرائيلية والأميركية القادمة علّ وعسى أن تفرز قيادات إسرائيلية وأميركية لديها الاستعداد للتعامل إيجابيا مع التنازلات العربية عن الحقوق الفلسطينية.

مع كل انتخابات كان يخيب أمل العرب في ظهور قيادات يمكن أن تخفف من المواقف الإسرائيلية تجاه قضية الأرض المحتلة 67. لقد انتظروا الانتخابات الأميركية على مدى جولات انتخابية عديدة، لكن لم يظهر رئيس أميركي يلبي الرغبة العربية في الضغط على إسرائيل لكي تسحب قواتها، بل على العكس كل الرؤساء الأميركيين كانوا يتنافسون على تقديم مختلف أنواع الدعم لإسرائيل، وكلهم أكدوا حرصهم الشديد على الأمن الإسرائيلي وتحصين إسرائيل عسكريا بحيث تبقى القوة العسكرية الأقوى في المنطقة العربية الإسلامية.

لم يختلف الوضع بالنسبة للانتخابات الإسرائيلية، وكانت القيادات العربية تنتظر فوز حزب على آخر، وفضلت دائما فوز حزب العمل أو ما كان يعرف بالتجمع على الليكود. ووصل الحد أحيانا أن تبنت منظمة التحرير الفلسطينية بعض النشاطات الانتخابية بين العرب في الأرض المحتلة 48 لصالح حزب العمل، وتم توجيه اتهام غير رسمي لبعض القيادات العربية بتلقي أموال لدعم الحملة الانتخابية لشمعون بيريز.

لكن آمال منظمة التحرير كانت دائما تخيب لأن الفائز لم يكن يضع الحقوق الفلسطينية في حسابه. فاز بيريز واستمرت السياسات الإسرائيلية التقليدية من مصادرة أراض وبناء استيطاني وشن حروب على حالها حتى أن بيريز مارس القتل الجماعي في لبنان وهو المسؤول عن مجزرة قانا. وجاء باراك إلى رئاسة الوزراء الذي تم تصنيفه "حمائميا" من قبل منظمة التحرير، لكنه لم يتقدم خطوة واحدة نحو قبول التنازلات الفلسطينية، ومن ثم أتت ليفني، وبقيت المواقف الإسرائيلية على حالها.

لم يأت انهيار الحكومة الإسرائيلية الحالية من فراغ، وإنما ارتفع منسوب التذمر السياسي في إسرائيل إلى درجة أنه لم يعد من الممكن الاستمرار في حكومة ائتلافية ضعيفة. وقد ارتفعت مناسيب الاختلافات لأسباب متعددة
مشكلة العرب أنهم صنفوا ووزعوا الإسرائيليين إلى صقور وحمائم، وساندوا من يسمونهم بالحمائم على اعتبار أنهم يسعون نحو إقامة سلام مع العرب. وقد أثبتت الأيام أن هذا التصنيف لا قيمة له، وأنه من صناعة العقل العربي العاجز. لقد توهم العرب بسبب ضعفهم أن هناك حمائم في إسرائيل يمكن أن ينقذوهم من ضعفهم ويقدموا لهم حلا قد ينقذ بعض ماء وجوههم، لكن هذا الوهم قد تكشف تماما، وما زال بعض العرب يفضلون التمسك به.

خلافات إسرائيلية داخلية
لم يأت انهيار الحكومة الإسرائيلية الحالية من فراغ، وإنما ارتفع منسوب التذمر السياسي في إسرائيل إلى درجة أنه لم يعد من الممكن الاستمرار في حكومة ائتلافية ضعيفة. وقد ارتفعت مناسيب الاختلافات لأسباب منها:

1- هناك اتهام لنتنياهو أنه رئيس وزراء مستبد وإقصائي، وعمل عبر الفترة السابقة على تثبيت دعائم حكم شخصي لا يؤمن بالتعددية، ولا يؤمن بمشاركة الآخرين في الحكم. اتهموه بأنه طاغية يعمل على الضغط على وزرائه لكي يكونوا تبعا له وليس شركاء في اتخاذ القرارات، واستعمل دائما التهديد والوعيد والمزايدات الوطنية من أجل إخماد مناوئيه أو المختلفين معه.

2- تدهور أوضاع إسرائيل الأمنية في عهد نتنياهو، وازدياد شكوك الإسرائيليين بقدرة حكومتهم على توفير الأمن لهم والحيلولة دون التهديدات الخارجية. الحرب على غزة لم تكن موفقة، ولم تستطع إسرائيل صد الهجمات الصاروخية للمقاومة الفلسطينية والتي أبقت الإسرائيليين في الملاجئ.

كما أن الجيش البري لم يستطع دخول غزة، وولى هاربا مع أول خطواته لجس نبض استعدادات المقاومة لخوض حرب برية. بات الإسرائيليون على يقين أن قدرة إسرائيل على توفير الأمن لهم تقلصت مع الزمن، وأن واحة الأمن التي وعدوا بها غير آمنة، وبإمكانهم أن يجدوا الأمن في أي مكان في العالم عدا إسرائيل. قوة الردع الإسرائيلية انكمشت بصورة خطيرة جدا، ومعها انكمشت آمال الإسرائيليين في قدرة إسرائيل على مواجهة المقاومة التي تزداد قوة يوما بعد يوم.

3- أخذت إسرائيل تعاني بقوة من تحول الرأي العام العالمي ضدها بخاصة في أوروبا بسبب تعنتها السياسي ورفضها إعطاء الفلسطينيين أي جزء من حقوقهم الوطنية. بدأ الأوروبيون يشعرون أن إسرائيل قد تشكل خطرا على مصالحهم لأن سياساتها تدفع دائما باتجاه الحروب وعدم استقرار المنطقة العربية الإسلامية.

يرى الأوروبيون أن عدم استقرار المنطقة سينعكس عليهم وسيؤثر سلبا على مصالحهم في المنطقة وفي القارة الأوروبية نفسها، ولهذا تجرؤوا في الآونة الأخيرة وأخذت مجالسهم التشريعية قرارات غير ملزمة للحكومات بالاعتراف بدولة فلسطينية. لقد ضاق الأوروبيون ذرعا بإسرائيل وقرروا اتخاذ منحى سياسيا آخر قد يدفع إسرائيل إلى تليين مواقفها. وربما يشجع هذا الأميركيين على إعادة التفكير بهذا الطفل المدلل والضغط عليها لقبول حل سياسي للقضية الفلسطينية.

4- أخذت القدس حصتها في التسارع السياسي الإسرائيلي لأن نتنياهو فاقم الأمور بالمزيد عندما استهتر برد فعل المقدسيين تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على الأماكن المقدسة، ظن نتنياهو أنه من الممكن أن يرضي المستوطنين من خلال الهجمة على الأقصى، ولم يحسب حسابا لرد الفعل المقدسي.

الحكومة الإسرائيلية القادمة ليست حكومة عربية وإنما إسرائيلية، وعلى العرب ألا ينتظروا قوة إسرائيلية خارقة تنقذهم من ضعفهم. لا يوجد في إسرائيل حمائم وصقور، وإنما هناك صقور فقط، وإن لم يكن العرب صقورا سيبقون تحت مخالب مفترسيهم
وبدل أن تستتب الأمور ويهنأ المستوطنون باستمرار الاعتداءات هب أهل القدس دفاعا عن مدينتهم ومقدساتهم، ووضعوا المستوطنين في حالة دفاعية وتدهور أمني كبير. لقد شلت القدس حركة المستوطنين، وجعلتهم يترددون في مشاريعهم التهويدية للمسجد الأقصى. وقد أثر هذا على نتنياهو باعتباره فشلا ثانيا له بعد فشله في الحرب على غزة.

5- واضح من استطلاعات الرأي العام أن نتنياهو قد خاض مفاوضات انتخابية مسبقة مع أحزاب يمينية ودينية لضمان وقوفهم إلى جانبه في تشكيل ائتلاف حكومي جديد. كان حزب الليكود سريعا في استجابته لطلب حل الكنيست والذهاب إلى انتخابات تشريعية رغم أن حزب العمل هو الذي بادر إلى هذا المشروع.

بات من الواضح -وفق استطلاعات الرأي العام- أن الليكود ومن معه سيكسبون المزيد من المقاعد في الكنيست، أي إن شعبية الليكود الآن أفضل مما كانت عليه عام 2013، وأن شعبية بعض الأحزاب التي ستقف ضد نتنياهو قد انخفضت مثل حزب "هناك مستقبل".

كما أن بعض الأحزاب الدينية التي لم تكن في الائتلاف الحكومي سابقا مثل شاس تتجه نحو التعاون مع نتنياهو. المعنى أنه لو لم يكن مطمئنا للنتائج لما أقبل نتنياهو بهذه السرعة على طرد بعض وزرائه وإلى قبول مبادرة خصومة في حل الكنيست.

ماذا ينتظر العرب؟
من المفروض من حيث المبدأ ألا ينتظر العرب نتائج الانتخابات الإسرائيلية لحل مشاكلهم. من المفروض أن يسعى العرب إلى حل مشاكلهم بأنفسهم وليس من خلال أعدائهم. سيرة العرب في هذا المجال سيرة فاسدة وسيئة وتدفع أعداءهم إلى الاستهزاء بهم، وإلى تصليب مواقفهم السياسية بدل تقديم التسهيلات.

الحكومة الإسرائيلية القادمة ليست حكومة عربية وإنما إسرائيلية، وعلى العرب ألا ينتظروا قوة إسرائيلية خارقة تنقذهم من ضعفهم. لا يوجد في إسرائيل حمائم وصقور، وإنما هناك صقور فقط، وإن لم يكن العرب صقورا سيبقون تحت مخالب مفترسيهم.

المصدر : الجزيرة