نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

حقيقة ما حصل
ردود الأفعال

قد يجامل القضاة الطغاة وذوي النفوذ خوفا من سطوتهم، أو استجابة لإغراءاتهم، أو توحدا مع مشروعاتهم، إلا أن التاريخ لم يصمت عن فضح من وقع تحت يده من هؤلاء المتسلطين ولو بعد حين، فحكم في النهاية بلا ضغوط، وقضى بلا مؤثرات من خارج ضمير المؤرخ ومنهجه في التحقيق وتوفير الأدلة، سدا للثغرات التي تركها هؤلاء القضاة وربما بعض المؤرخين أحيانا وراء ظهورهم.

وفوق ذلك هناك المحكمة الإلهية التي تقضي قضاء أخيرا في أمور الخلق، فلا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها.

ومع أن هذا كله يبدو وقت وقوع الجريمة وتسلط المجرم أمورا معنوية، ومحاكمة مؤجلة قد لا تحرك الآن من المجرم ساكنا، فإن الضحية في حاجة إلى مثل هذا السند الذي يمثل لديه جزءا من منظومة المبادئ التي من أجلها وقف في وجه الظالم، كما أن المدد المعنوي هو المهاد الذي يقف عليه المظلوم في وجه ظالمه، وهو الطاقة اللازمة لثبات الأقدام والأجساد في ساحات الحياة.

كان التناقض الذي ظهر عقب الحكم ببراءة مبارك ورجاله بين مشهد الحزن العارم وحالات الإغماء والبكاء الذي اجتاح أسر الشهداء، والمشهد الاحتفالي الذي عم معسكر أنصار المخلوع، معبرا بشكل ما عن الفسطاطين اللذين انقسمت إليهما مصر

حقيقة ما حصل
كان التناقض الذي ظهر عقب الحكم ببراءة حسني مبارك ورجاله بين مشهد الحزن العارم وحالات الإغماء والبكاء الحار الذي اجتاح أسر الشهداء، وبين المشهد الاحتفالي الذي عم معسكر أنصار الرئيس المخلوع، معبرا بشكل ما عن الفسطاطين اللذين انقسمت إليهما مصر في ظل الانقلاب العسكري الذي أطاح بكل عنف بتجربة مصر الديمقراطية الأولى قبل عام ونصف.

سيطرت على أسر الشهداء -ومن ورائهم الثورةُ وأنصارها- عاطفة حزن عارمة عقب صدور الأحكام، نظرا للمفارقة الكبيرة التي بدت فيها، فرأس النظام الذي هوى بمصر على مدى ثلاثة عقود من الزمن داخليا وخارجيا، اقتصاديا وعلميا واجتماعيا، وصنع للفساد السياسي والاقتصادي أخاديد عميقة في جسد الوطن، وقتل المواطنين بأمراض الكبد والكلى والسرطانات وغيرها، وقنصهم بالرصاص في ساحات الثورة لا يُبرأ فحسب، بل يخرج من التهم التي وُجهت إليه مرفوع الهامة، موفور الكرامة، جديرا بالتكريم بعد أن أفنى عمره في "خدمة مصر" عسكريا وسياسيا.

وفي مقابل هذا، بدا الشهداء الأطهار دماء بلا ثمن، وأرواحا بلا قيمة، وأجسادا هدأ العالم بهمودها، بل بدت ثورة 25 يناير مُدانة كلها، فمن أهاجها هو من أثار فتنة كانت نائمة، وفتح على مصر بابا من الشر كان مغلقا، وأتاح لأصابع الأجنبي أن تعبث بالوطن الوادع، وورط البلاد في صراع داخلي لما ينته بعد!

وقد كان من المنطقي بعد هذه الأحكام القضائية أن يُعد خلع مبارك من حكم مصر في فبراير/شباط 2011 غير قانوني، فيعاد الرجل -الذي وقع ضحية "مؤامرة دولية داخلية"- إلى سدة الحكم في مصر. لكن هيهات، فإن من أراد تبرئته قصد أن يوظف الحدث ضد الثورة دون أن يمس ذلك شيئا من سلطته هو، فتبقى الدولة في يد العسكر ويد الساسة ورجال الأعمال الفاسدين، ويذهب مبارك وحده إلى استراحته في انتظار الموت الطبيعي بعد أن مات سياسيا.

إن تبرئة مبارك ورفاقه، والحشد العسكري الكبير الذي سبقه في شوارع مصر وكأننا في جبهة قتال ليس إلا محاولة قصوى لتوظيف "الحدث المتاح" في وأد الثورة الشعبية وتثبيت النظام العسكري الانقلابي، فعرض العضلات المبالغ فيه في الأيام السابقة على محاكمة مبارك ومن معه، والإصرار على أن تكون الصدمة بالحكم القضائي كاملة وعنيفة، فلا إدانة لمبارك ولا لعصره من أي نوع، كلاهما معا محاولة جديدة لتثبيت فكرة أن الانقلاب واقع لن يتغير، وأن الثورة قد ماتت تماما.

لكن لا ننسى -على الرغم من هذا- أن الحكم بتبرئة مبارك ومن بقي خلف الأسوار من فريقه أمر لم يكن يستبعده كثيرون من المحللين والمتابعين، بل من الثوار أنفسهم قبل النطق به، خاصة بعد أن أُخلي -في محاكمات سابقة- سبيل وزراء ومسؤولين آخرين من عهد مبارك قامت الأدلة والبراهين على ارتكابهم جرائم كبيرة في حق مصر والمصريين، لكن اللون الفاقع الذي حرص النظام عليه في إخراج الحدث الأخير كان له تأثيره اللافت.

إن استعراض القوة العسكرية في مواجهة الخصم وصدمته بالمفاجآت، وسائل معروفة في التاريخ لهزيمته نفسيا قبل الصدام المباشر معه، لكن توظيفها المعتاد هو في المواجهات العسكرية ضد العدو الخارجي، وليس في الساحات السياسية داخل الوطن الواحد، وهو ما يعني أنه لا معايير لدى الانقلاب في مصر تحكم مواجهاته مع خصومه.

إن استعراض القوة العسكرية في مواجهة الخصم وصدمته بالمفاجآت وسائل معروفة في التاريخ لهزيمته نفسيا قبل الصدام المباشر معه، لكن توظيفها المعتاد هو في المواجهات العسكرية ضد العدو الخارجي، وليس في الساحات السياسية داخل الوطن الواحد

ردود الأفعال
أهم ما يميز المشهد السياسي المصري الآن هو ارتباك الحسابات عند طرفيه الأساسيين: السلطة الانقلابية، وأنصار الشرعية على السواء، كلاهما يعرف ماذا يريد، وماذا يريد خصمه، وعوامل القوة عنده وعند خصمه، ولكن وسائل الحسم لم تتوفر لأي منهما إلى الآن، ذلك لأن القضايا التي تتبناها الجيوش يبرز فيها سلاح البطش والتنكيل، والقضايا التي تتبناها الشعوب تمتاز بالاستناد إلى عمق بشري قادر على الاستمرار وتعويض الخسائر، والمواجهة بين طرفين بهذه الطبيعة إما أن تدمر أحدهما -في حال إصرار كل منهما على أهدافه- أو تدمرهما معا.

فما مدى رجحان اندفاع الشباب في ظل السلوك الانقلابي الأخير فيما أسموه "محاكمة القرن" إلى الكفر بأساليب المقاومة السلمية، والانضمام إلى التنظيمات المتشددة التي تؤمن بإستراتيجية القتال والجهاد، أو حتى تأسيس تنظيم جديد من هذا النوع؟

لقد بذلت السلطات الانقلابية المصرية منذ بدأت رحلتها في السلطة جهودا هائلة لإخراج الشباب المصري عن سلميته، ودفعه دفعا إلى حمل السلاح، حتى يكون هذا ذريعة إلى قمع الاحتجاجات قمعا واسعا، وتطبيق الأحكام العرفية، وإسكات أصوات الاعتراض باستخدام للسلاح يشبه استخدامه في الحالة السورية.

ولست أرى أحداث القتل المريع للمعتصمين والمتظاهرين، والتنكيل بالمعتقلين، واغتصاب البنات، واقتحام البيوت وتحطيمها، وإدانة الشرفاء والأبرياء قضائيا، وتبرئة الفاسدين والقتلة في عهد العسكر السابق والحالي، وتدمير سيناء، ومعاداة الثوار الليبيين والثورة السورية ولاجئيها في مصر، إلا "باقة" متكاملة من المحاولات للدفع نحو عسكرة الثورة المصرية التي ستدمر مصر في كل حال، لكنها قد تحفظ وجود الانقلاب.

إلا أن السلطات الانقلابية فشلت في دفع الشباب إلى حمل السلاح إلى الآن، مع أن هناك قلقا شبابيا عارما من أسلوب السلمية البالغ الذي اتبعته الاحتجاجات على الانقلاب وإجراءاته إلى الآن، وكثيرا ما تجري مناقشات حادة على صفحات المواقع الاجتماعية حول المدى الذي يمكن أن "نكون فيه سلميين، وأن السلمية لم تعد نافعة ولا كافية في مواجهة النظام، ثم تهدأ المناقشات"!

لذا، يترجح أن تبرئة مبارك قد تؤدي إلى مزيد من القلق في صفوف الشباب الثائر، وربما ينهزم بعضهم نفسيا، وقد يختار لنفسه منفى اختياريا في صفوف بعض الشباب المتدين الذي يرى أن الخروج على السلطان في 25 يناير -رغم ظلمه- هو سبب المشكلة!

إلا أن تغيرا كبيرا في توجهات الشباب بعد هذا كله يبدو أمرا بعيدا، فإن الساحة المصرية صارت هي نفسها ساحة تنفيس لمن يرى أنه يجب عليه أن يواجه "أعداء الله" بالأساليب التي توجعهم وتهد سلطانهم.

وهنا يجب أن نعد الوعي جنديا خطيرا يبدو أنه سيحسم جزءا كبيرا من المعركة بين الانقلاب وخصومه، فإدراك الشباب أن الساحة التي يعملون فيها -مع حاجتها إلى شيء من التطوير النوعي والمتدرج- هي التي ستحسم الموقف، وهي التي توجع السلطات القائمة وحلفاءها، يحول كثيرا دون انجرافهم إلى استعمال السلاح، وإن كان يزعج هؤلاء الشباب أنهم لا يدركون بوضوح إلى الآن ما التطوير الذي يمكن أن يعجل بحسم الموقف بعد أن ثقل عليهم الحمل، واشتد الألم والوجع!

ما أتوقعه هو زيادة الإصرار الشبابي على التفاعل والعمل في المجالات التي تمثل خطرا على النظام، أو تسبب له ارتباكا، وذلك حسب مستوى الوعي ومدى التحكم في ردة الفعل. ومزيد من الضغوط سيؤدي إلى مزيد من السعي لتطوير الحراك الثوري
ولعل من الأدلة التي يمكن أن تدعم هذا التحليل أن الشباب المصري الذي انضم إلى "تنظيم الدولة الإسلامية" إلى الآن أقل ممن انضموا إليه من دول المغرب والخليج وكثير من أنحاء العالم العربي الأخرى، خاصة إذا قارنا نسبة السكان في هذه الدول بمصر. بل يمكن أن نقول إن الحضور المصري في "تنظيم الدولة" يبدو محاطا بشيء من الريبة، وذلك لأن بعض قيادات التنظيم الفكرية هم رجال شرطة مصريون سابقون!

ولا يمكننا طبعا أن نقارن مشاركة الشباب المصري في القتال في الساحتين العراقية والسورية بقتاله السابق في أفغانستان، نظرا لأن الأنظمة العربية كانت لا تمانع -على الأقل- في هذه المشاركة مساندة للتوجه الأميركي حينئذ في دعم الجهاد الأفغاني ضد الروس.

إلا أن هذا الربط يساعدنا على إدراك شيء مهم في الحالة الثورية المصرية، وهي أن تنظيما مثل "الجماعة الإسلامية" -التي أسسها الدكتور عمر عبد الرحمن- كان يتبنى الأسلوب القتالي في مواجهة النظام المصري، وقام بالفعل بعمليات ضد رموز النظام وشرطته في الثمانينيات والتسعينيات، وهو شريك مهم -رغم قلة عدده- في مكافحة الانقلاب الآن، إلا أن الأفعال الاستفزازية الهائلة التي ارتكبتها السطات الانقلابية لم تخرجه إلى الآن عن سلميته، وإن كانت بعض قياداته تحترق من داخلها في مقاومة الضغوط التي تدفع بها دفعا إلى نهج العمل المسلح، حتى صرح واحد من قادة الجماعة أخيرا بقوله "لقد قتلنا الإخوان بسلميتهم"!

ما أتوقعه هو زيادة الإصرار الشبابي على التفاعل والعمل في المجالات التي تمثل خطرا على النظام، أو تسبب له ارتباكا، وذلك حسب مستوى الوعي ومدى التحكم في ردة الفعل. ومزيد من الضغوط سيؤدي -فيما أحسب- إلى مزيد من السعي إلى تطوير الحراك الثوري، وتوجيهه أكثر في اتجاه الحسم الذي سيكون له ثمن كبير، لكنه سيُدفع مرة واحدة في مقابل سقوط الانقلاب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك