عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

مبادرة اللامبادرة
التنسيق الإقليمي

العجز الروسي

ما يبذله الساسة الروس من جهود، وما يطرحونه من أفكار لحل الأزمة السورية، لا يرقى إلى مصاف مبادرة متكاملة، كونهم يستغلون فراغاً سياسياً، ويحاولون شغله، في ظل غياب الفاعلين الآخرين في الملف السوري عن القيام بأي فعل لحل عقد أزمته.

إضافة إلى أن طروحاتهم لم تخرج إلى الآن عن دائرة فشلها، وفشل الخطط والمبادرات التي سبقتها، لذلك ما زالت على الهامش، متقوقعة حول جسّ نبض المعارضة السورية والقوى الدولية الغربية، حيال محاولاتهم القديمة الجديدة، الهادفة إلى جمع المعارضة السورية مع النظام السوري، للتفاوض والحوار، بغية التوصل إلى حلول للأزمة في البلاد.

مبادرة اللامبادرة
ولا يتعدى ما يطرحه الروس مجرد أفكار غائمة، يطلقها لوسائل الإعلام -في بعض المناسبات- الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك وزير الخارجية سيرغي لافروف، وكل من نائبيه غينادي غاتيلوف، وميخائيل بوغدانوف الذي التقى في العاصمة اللبنانية بشخصيات من المعارضة السورية، تدعي أنها صاحبة تمثيل للسوريين وتنطق باسمهم، وذلك بعد أن استقبل لافروف في العاصمة الروسية وفداً برئاسة أحمد معاذ الخطيب الذي اندفع في تقدير إرهاصات زيارته إلى موسكو، وراح يحلم بأن شمس الخلاص السوري قد تشرق من موسكو، وبالغ في حلمه طارقاً جدار المستحيل، لأن قادة الكرملين شركاء نظام الأسد في حربه الكارثية ضد غالبية الشعب السوري.

يبدو أن ما يطرحه الروس لا يبتعد عن خطة دي ميستورا الغامضة أيضاً، والتي لا ترتقي بدورها إلى مصاف مبادرة متكاملة للحل السياسي في سوريا، لذلك فهي تلتقي مع طروحات الساسة الروس، مع الإيهام بأنها جدية

ويبدو أن ما يطرحه الروس لا يبتعد عن خطة دي ميستورا الغامضة أيضاً، والتي لا ترتقي بدورها إلى مصاف مبادرة متكاملة للحل السياسي في سوريا، لذلك فهي تلتقي مع طروحات الساسة الروس، مع الإيهام بأنها جدية، وأن لدى صاحبها الرغبة في الخروج بشيء، إلا أنها لا تخرج عن محاولة جس نبض المعارضة حيال الجلوس مع النظام.

لذلك فإن المهم بالنسبة إلى ميخائيل بوغدانوف هو "أن تعيد قوى المعارضة السورية البناءة، إطلاق الحوار السياسي مع ممثلين رسميين عن دمشق"، واللاحقة التي تبرر مثل هذا الحوار هي الوقوف "في وجه التحديات الخطيرة التي يمثلها الإرهاب الدولي"، أي على المعارضة أن تضع يدها بيد نظام الأسد، للوقوف بوجه داعش.

وفي هذا الطرح تجاهل تام لعذابات السوريين، وللقتلى والجرحى والمشردين نتيجة ما قام به هذا النظام من أعمال قتل، ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، حسب تقارير عديدة لمؤسسات الأمم المتحدة، وبالتالي فإن الطرح الروسي يهدف إلى إعادة تأهيل النظام الأسدي، وإعادة الشرعية الدولية إليه، من خلال إشراكه في "الحرب على الإرهاب"، على الطريقة البوتينية الروسية.

ويكشف واقع الحال، أنه -وخلال طول أمد الأزمة الذي يمتد على ما يقارب الأربع سنوات- لم يغير الروس من مواقفهم المساندة والداعمة بلا حدود لنظام الأسد، فبقيت تصوراتهم للحلول لا تخرج عن البوتقة المساندة للنظام السوري، لذلك لم يغيروا رؤيتهم السياسية لأي حل ممكن، وظلوا يرددون مقولة أن "لا يوجد في الأفق أي حل سياسي بغياب الأسد"، وتجد هذه المقولة منطقها -أيضاً- لدى حكام إيران، الذين يرددون -مثل نظرائهم الروس- كلاماً يعيد طرح الحلول الروسية بالطريقة ذاتها. وعلى هذا الأساس رحب ملالي إيران بالمبادرة الروسية، وبمبادرة دي ميستورا، بعد ترحيب نظام الأسد بها.

التنسيق الإقليمي
لا شك في أن الروس نسقوا تحركاتهم مع ساسة النظام الإيراني، لتسويق حلّ سياسي للأزمة السورية، يخدم النظام قبل كل شيء، ولم يفتهم التشاور مع قادة الانقلاب في مصر، خلال زيارة عبد الفتاح السيسي لموسكو مؤخراً. وربما، تكفل الأخير، خلالها، بإطلاع السعوديين على الطرح الروسي، وتسويق مقولة إن الحرب ضد "داعش" هي حرب ضد الإخوان المسلمين أيضاً، وإنه لا فرق بين الاثنين، باعتبارهما "تنظيمين إرهابيين" بالنسبة إليه، وبالنسبة إلى المملكة السعودية التي تصر على إيجاد بديل عن بشار الأسد.

كان يمكن للقادة الروس أن يستغلوا الفراغ السياسي الحاصل في الملف السوري، بسبب تفرغ الإدارة الأميركية للتحالف الدولي والعربي الذي تقوده في حربها ضد "داعش"، إلى جانب موقفها غير الحاسم من النظام السوري، لكنهم ظهروا عاجزين وغير مؤهلين للعب مثل هذا الدور

ومن الطبيعي أن ينخرط السيسي في أي حراك يخدم مصلحة النظام السوري، وعلى هذا الأساس، عاد التنسيق الأمني السوري المصري، من خلال زيارات الوفود الأمنية، ومن خلال ما أشيع عن مبادرة مصرية، جوهرها، ينهض على تسويق مقولة الحفاظ على الجيش السوري، ومحاربة التنظيمات الإسلامية، وعدم السماح لها بالوصول إلى الحكم في سوريا، إضافة إلى القول بأنّ كلاً من النظامين، المصري والسوري، ينخرطان في معركة واحدة ضد المتطرفين الإسلاميين.

وفي نفس السياق، يبدو أن ثمة تنسيق مصري أردني حول دور أردني، يحاول التقريب بين وجهتي نظر الإدارة الأميركية والقيادة الروسية حيال الأزمة السورية، حيث زار عمّان عبد الفتاح السيسي، ثم قام العاهل الأردني بزيارة مباغتة إلى المملكة العربية السعودية.

ويأتي الدور الأردني على خلفية الاستناد إلى المقولة الأساس بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، المتمثلة بأولوية الحرب ضد "داعش"، ووفقها ظهر اقتراح حول خطة انتقالية، تستبعد سيناريو إسقاط نظام بشار الأسد، وكأن هذا السيناريو موجود أصلاً في حسابات صناع القرار في واشطن، الذين أعلنوا مراراً أن لا خطط لديهم لإسقاط أو محاربة هذا النظام، بل إنهم لم يفعلوا شيئاً ضده، حين تجاوز الأسد الخط الأحمر -الذي وضعه الرئيس الأميركي باراك أوباما- وهاجم شعبه بالأسلحة الكيميائية، واكتفت واشنطن بعقد صفقة مع الروس، جردت النظام من تلك الأسلحة.

العجز الروسي
بالرغم من دعوة الساسة الروس إلى مؤتمر "موسكو1"، إلا أنهم لم يقدموا أي شيء جديد من الناحية الجوهرية، سوى تقويض اتفاق جنيف1، بعدما أسهموا في إفشال مفاوضات جنيف2.

وكان يمكن للقادة الروس أن يستغلوا الفراغ السياسي الحاصل في الملف السوري، بسبب تفرغ الإدارة الأميركية للتحالف الدولي والعربي الذي تقوده في حربها ضد "داعش"، إلى جانب موقفها غير الحاسم من النظام السوري، لكنهم ظهروا عاجزين، وغير مؤهلين للعب مثل هذا الدور، بالرغم من تنطعهم بلعب دور الدولة العظمى الثانية في العالم.

فلم يجد بوتين -خلال زياته الأخيرة إلى تركيا- سوى التغني بمهزلة انتخابات بشار الأسد، واعتبارها شرعية، الأمر الذي يكشف تركيبة العقل السياسي المتحكم في روسيا، وطبيعة النهج الذي اتبعه في معاداة الثورة السورية، والدعم الهائل لنظام الأسد، قرين النظام الروسي وشبيهه في النهج والممارسة والتوجهات.

ويؤكد كلام الرئيس الروسي عجز العقلية السياسية المتحكمة بالساسة الروس، التي لا تختلف كثيراً عن عقلية النظام السوري، إذ الهاجس الأساسي الذي يسكن أذهانهم هو البقاء في الحكم، وعدم التخلي عنه، لذلك تتشابه الممارسات، وتختلف درجتها وشكليتها، من حيث إن النظام الروسي دخل في لعبة ديمقراطية، لا تحقق هدف الديمقراطية في تداول السلطة، بل تدخلها في لعبة تبادل الأدوار على كرسي الرئاسة الروسية.

ويسود اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية، يفيد بأن حمايتهم للنظام السوري يمكن أن توفر حضوراً روسياً قوياً في مختلف ملفات الشرق الأوسط، وفي التسويات التي يمكن أن تحصل في المستقبل بخصوص إيران وملفها النووي، بل يمكن أن تشكل سابقة يمكن البناء عليها مع إيران والعراق ولبنان، ضمن سياسة بناء حلف جديد في المنطقة، تكون روسيا محوره الأساس والفاعل.

قادة روسيا لم يسهموا في حل أية قضية في العالم، سواء في زمن الاتحاد السوفياتي المندثر، أم في زمن ما بعد اندثاره، وبرهنوا على أنهم قادرين على تخريب وعرقلة طموحات الشعب السوري في التغيير والعيش من دون ظلم

غير أن قادة روسيا لم يسهموا في حل أية قضية في العالم، سواء في زمن الاتحاد السوفياتي المندثر، أم في زمن ما بعد اندثاره، وبرهنوا على أنهم قادرين على تخريب وعرقلة طموحات الشعب السوري في التغيير والعيش بدون ظلم.

وما يزيد في عجز الدور الروسي عن إيجاد حل سياسي هو عدم امتلاك الساسة الروس لأي تصور متكامل لوقف حمام الدم في سوريا، الأمر الذي يكشف عجزهم عن المبادرة في طرح أي حل سياسي، حتى لو كان في مصلحتهم أو مصلحة حلفائهم، وهو ما يتجلى في الأحاديث التي أطلقها مؤخراً ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، في العاصمة اللبنانية، إلى المعارضة السورية التي لم تخرج عن كون غايتها القصوى هي الوصول إلى هدنة مؤقتة، لا تحول دون انفجار الوضع من جديد، الأمر الذي يظهر عجز السياسة واضمحلال التفكير السياسي الروسي السائد.

وإن كان الروس قد أعلنوا لزوارهم في أكثر من مناسبة بأن المسار السياسي لحل الأزمة، يجب أن يسير بالتوازي مع مسألة محاربة "الإرهاب" التي تُدندن عليها الدول، فإنهم طرحوا ذلك كي يتناغم ويلتقي مع ما ترمي إليه مبادرة دي ميستورا، ومع الجهود المصرية والأردنية، التي تهدف جميعاً إلى إعادة تأهيل نظام الأسد، عبر إدخاله في مفاوضات ترمي إلى إعادة الاعتراف به، وتوحيد الجهود لمحاربة "داعش".

وبدلا من أن يسهم الروس في حلّ الأزمة، عملوا على التأثير على مجرياتها بشكل سلبي، بالنظر إلى الدعم اللامحدود للنظام، فيما كان المطلوب من روسيا المساعدة والضغط من أجل إيجاد حّل سياسي، يقطع تماماً مع الحل الأمني والعسكري الذي لا يمكنه إيجاد المخارج المناسبة لثورة شعبية.

وأن يوجه الضغط باتجاه تنفيذ خطوات على الأرض تلبي طموحات الشعب السوري، والتركيز على أولوية حلّ داخلي للأزمة، يجد آثاره ومفاعيله في وقف القتل والعنف، وسحب قطعات الجيش ووحداته من شوارع المدن والبلدات السورية، وإطلاق سراح كافة المعتقلين وسجناء الرأي، ومحاسبة المسؤولين عن أعمال القتل، والسماح لوسائل الإعلام بالدخول إلى سورية، وسوى ذلك كثير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك