ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

تسعى إسرائيل -ضمن محاولاتها تشريع وتثبيت وضعيتها دولة قومية لليهود- إلى إزاحة الفلسطينيين من المكان والزمان، وفرض روايتها لتاريخ المنطقة، وإضفاء مشروعية تاريخية وأخلاقية عليها.

أما المعاني السياسية المباشرة، التي تتوخاها إسرائيل من وراء إصرارها على طلب اعتراف الآخرين بها دولة يهودية، فيمكن تمثلها في الجوانب الآتية:

أولا: تكريس الواقع السائد، أي سيطرتها على أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، وتاليا فرض إملاءاتها على الفلسطينيين، وتحديد نتيجة المفاوضات، أو تعيين سقفها سلفا، حسب أهوائها وادعاءاتها الدينية والأيديولوجية.

صحيح أن الحديث هنا يتغطى بفكرة "دولتين لشعبين" متعينين، وهذا يختلف عن فكرة حل الدولتين، إلا أنه يعني، أيضا، أن إقامة الدولة الفلسطينية سيتم وفقا للحدود التي تفرضها أو ترضاها إسرائيل، وأن هذا الحل هو نهاية المطاف لحقوق أو مطالب الفلسطينيين.

تسعى إسرائيل لفرض قناعة مفادها أن فلسطين التاريخية هي ملك حصري لليهود، وليست موضع تصارع بين شعبين و"قوميتين"، فإسرائيل هنا صاحبة حق حصري، والفلسطينيون مجرد طارئين على الزمان والمكان

ثانيا: فرض قناعة إسرائيلية مفادها أن فلسطين التاريخية هي بمثابة "أرض إسرائيل"، أي ملكا حصريا لليهود، وليست موضع تصارع بين شعبين و"قوميتين"، أو بين حقين متساويين، فإسرائيل هنا صاحبة حق حصري، والفلسطينيون مجرد طارئين على الزمان والمكان. والاستنتاج هنا أن إسرائيل، بادعائها هذا، تتصرف كأنها تتنازل عن جزء من "حقها" في فلسطين، أو عما تعده "أرض إسرائيل الكاملة"، للفلسطينيين كي يقيموا عليها دولتهم الخاصة، شرط أن يوافقوا على روايتها، أي على كونها صاحبة الحق، كأنها في ذلك تمن أو تتفضل عليهم، ناهيك عن تصوير نفسها صاحبة تفوق أخلاقي على الفلسطينيين!

ثالثا: رفض إسرائيل، باعتبارها الدولة "القومية" للشعب اليهودي، تحمل أي مسؤولية عن النكبة، وعن ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي رفض حل هذه القضية داخل حدودها، لأن اليهود فيها فقط، بموجب ذلك، هم من يمتلكون حق تقرير المصير، أما الفلسطينيون فيمكنهم تقرير مصيرهم لكن في دولتهم الخاصة.

رابعا: تحاول إسرائيل من وراء هذا المشروع الضغط على الفلسطينيين وابتزازهم لتطويعهم، وفرض إملاءاتها عليهم، عبر تهديد مواطنية الفلسطينيين في مناطق 48، أو سحب بطاقات الإقامة من فلسطينيي القدس، ففي ظل تشريع كهذا سيصبح الفلسطينيون مجرد سكان، أفراد، ليس لهم حقوق سياسية جمعية أو قومية، باعتبار أن إسرائيل هي الدولة القومية الخاصة لليهود، علما بأن إسرائيل ظلت تتعاطى مع الفلسطينيين من مواطنيها في الإطار الفردي والطائفي فقط، أي من دون صفتهم الوطنية أو العربية. هكذا، سيكون بمستطاع إسرائيل وقتها وبطرق قانونية منع التعبيرات الوطنية للفلسطينيين من مواطنيها، وضمنه، حظر أي من مستويات العلاقة السياسية مع شعبهم، تحت طائلة التهديد بسحب الجنسية عنهم أو ترحيلهم، مما يعني أن مسار "الأسرلة" هو المسار الوحيد المسموح به لهم.

على الصعيد الإسرائيلي يأتي هذا المشروع في إطار التجاذبات والتنافسات السياسية الداخلية في إسرائيل، كجزء من محاولات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو استقطاب التيارات اليمينية القومية والدينية، لتعظيم فرصه في الفوز في الانتخابات القادمة، كما بوصفه جزءا من التجاذبات والصراعات بين العلمانيين والمتدينين، وفي سياق المناقشات المتعلقة بعلاقة الدين بالدولة، وعلاقة الدين بالهوية، ومستوى الديمقراطية، وهي المناقشات التي تقف في أساس التوترات داخل المجتمع الإسرائيلي، والتي لا يغطي عليها، أو يخفف من تفاقمها، سوى توجيه الأنظار نحو التحديات الخارجية، أو ما تسميه إسرائيل الخطر الوجودي، والعداء العربي لها.

من ناحية أخرى، يمكن التأريخ لمطلب إسرائيل الاعتراف بها دولة قومية لليهود بالتحفظات التي وضعتها على خطة "خريطة الطريق"، التي طرحتها الإدارة الأميركية الماضية (2003)، وجاء في الفقرة السادسة منها "في ما يتعلق بالبيانات التمهيدية والتسوية النهائية يجب أن يُشار صراحة إلى حق إسرائيل في الوجود دولة يهودية، وإلى التخلي عن أي حق للاجئين الفلسطينيين في العودة إلى دولة إسرائيل ("هآرتس"، 27/5/2003).

بعدها تم التأكيد على هذا المطلب في الكلمة التي ألقاها أرييل شارون في مؤتمر العقبة (4/6/2003)، الذي جمع وقتها الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون ورئيس الحكومة الفلسطينية محمود عباس. وفي حينه أيد جورج بوش هذا المطلب بكلمته التي تحدث فيها عن "التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل دولة يهودية نابضة بالحياة والنشاط".

وقد بلغ التجاذب أشده بين إسرائيل والفلسطينيين بشأن هذا الموضوع في مؤتمر أنابوليس (27/11/2007)، الذي نظمته الولايات المتحدة الأميركية في أواخر عهد بوش، حيث طرح هذا المطلب في كلمات كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية (وقتها) إيهود أولمرت، ووزيرة خارجيته تسيبي ليفي.

معلوم أن "وعد بلفور" (1917) نص على "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين"، وليس على إقامة دولة لليهود أو دولة يهودية. وتكرر ذلك في صك الانتداب، وفي توصيات اللجان الدولية حول فلسطين قبل قيام إسرائيل

وقد حاول الجانب الإسرائيلي أن يضمن "بيان التفاهم المشترك"، لدى انطلاق عملية أنابوليس، مصطلح الدولة اليهودية، لكن الجانب الفلسطيني، مدعوما من الدول العربية، رفض ذلك بشدة، على أساس أن المطلوب الاعتراف بإسرائيل فقط، وليس الاعتراف بطابعها، وهو ما هدد بتفجير مؤتمر أنابوليس، مما أدى إلى تنازل الجانب الإسرائيلي عن طلبه.

على ذلك فإن قادة حزبي الليكود وكاديما، ومعهم الأحزاب اليمينية المتطرفة (شاس وإسرائيل بيتنا والبيت اليهودي/المفدال)، هي من تبنت هذا الطرح، وأضافته إلى جملة الشروط المطروحة من قبل إسرائيل للتسوية مع الفلسطينيين. أما الأحزاب الأخرى (العمل وميريتس ولاحقا يش عيتيد) فلا تلقي بالا لهذا الشرط، ولا تعول عليه، وتعده زائدا، ولا داعي له، خصوصا أن اعتراف "الأغيار" (أي الآخرين)، بطابع إسرائيل لا يقدم ولا يؤخر، لها، طالما أنها هي التي تحدد طبيعتها دولة يهودية، وباعتبار أن طرح موضوع كهذا قد يثير المتاعب، ويدل على ضعف إسرائيل وليس على قوتها.

القصد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لم يأت بجديد في طرحه هذا الشرط، بعد أن كان يركز سابقا على طلب "الأمن أولا، أي وقف الفلسطينيين لكل أعمال المقاومة المسلحة، إذ كان سبقه إلى ذلك شارون وأولمرت وليفني (التي تعارض صيغة المشروع حاليا). وقد تحول نتنياهو نحو طلب الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية منذ الخطاب الذي ألقاه في بار إيلان (2009)، أي بعد أن نفذ الفلسطينيون، في ظل قيادة أبو مازن، الشروط التي حددتها خطة "خريطة الطريق".

وكان بن غوريون رئيس أول حكومة إسرائيلية قد تراجع عن وصف إسرائيل بأنها "دولة اليهود"، أي الدولة التي ينتمي إليها اليهود في أي مكان يتواجدون فيه. وحسب يوسي بيلين ("إسرائيل اليوم"، 3/12/2010) فإنه في "اللحظة التي بدأ فيها بن غوريون بعرض إسرائيل كدولة اليهود، وطالب جميع يهود العالم بالهجرة إليها"، أثار غضب اليهود الأميركيين في ذلك الحين، وزعيمهم يعقوب بلاوشطاين، وهو ملياردير كان يتبرع لإسرائيل. كما أن ثلاثة من زعماء المنظمات اليهودية-الأميركية حضروا إلى إسرائيل، (مايو/أيار، 1948)، والتقوا مع بن غوريون، وقالوا له إن "إسرائيل ليست مخولة بالإعلان عن نفسها أنها دولة يهود العالم وتدعوهم للهجرة، لأن هذا الأمر قد يشعل عداء خفيا للسامية وادعاءات حول ولاء مزدوج". حتى إن بلاوشطاين هدد بوقف التبرعات لإسرائيل "إذا ما استمر قادتها في الاصطدام مع غير اليهود حول مسألة الولاء المزدوج".

وأوضح لبن غوريون أن "الولايات المتحدة ليست شتاتا، وهي ليست مكانا علق فيه اليهود. وبالنسبة ليهود أميركا، الولايات المتحدة هي الغاية الأخيرة". بعدها، بحسب بيلين، تراجع بن غوريون عن وصف إسرائيل بأنها "دولة اليهود"، وأعلن أن "دولة إسرائيل تمثل مواطنيها فقط، وتتحدث باسمهم، ولا تتطلع بأي شكل إلى أن تمثل أو أن تتحدث باسم اليهود مواطني دول أخرى". (مدار، للدراسات الإسرائيلية، رام الله).

يجدر بنا التذكير هنا بأن هذا المشروع، أو هذا التجرؤ، هو أحد نتاجات اتفاق أوسلو (1993) البائس والمجحف والناقص، الذي لم يستند حتى إلى مرجعية القرارات والمواثيق الدولية المتعلقة بقضية فلسطين، ورهن المفاوضات بإرادة، أو توافق، الطرفين المعنيين، وهو تعبير موارب، القصد منه التغطية على حقيقة أن إسرائيل، صاحبة السيطرة والغلبة، والمدعومة دوليا، هي التي تقرر ماهية المفاوضات وأولوياتها ومساراتها ومآلاتها، وهذا ما حصل.

معلوم أن "وعد بلفور" (1917) نص على "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين"، وليس على إقامة دولة لليهود أو دولة يهودية. وتكرر ذلك في صك الانتداب، وفي توصيات اللجان الدولية حول فلسطين قبل قيام إسرائيل.

كذلك فإن القرار 273، الصادر عن الأمم المتحدة (1949)، والذي اعترفت فيه دول العالم بإسرائيل، اشترط إنفاذ الدولة الناشئة للقرارين 181 (1947) و194 (1949)، والأول يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية والثاني يقضي بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو ما وافقت عليه إسرائيل حينها، دون أن تنفذه.

طالما ادعت إسرائيل  أنها واحة للديمقراطية والحداثة والعلمانية ها هي تتمخض عن دولة تعيش بالأساطير التاريخية والدينية، وتتجه نحو تعريف ذاتها بالدين، والطائفة، بينما هي حائرة بين كونها دولة ديمقراطية أو يهودية أو دولة علمانية أو دينية

وما ينبغي ذكره هنا أن الحديث عن دولة يهودية في ذلك الوقت يختلف عن كونها الدولة القومية لليهود، لأن نص قرار التقسيم ضمن للفلسطينيين البقاء في الدولة المخصصة لليهود، ولليهود البقاء في الدولة المخصصة للدولة العربية، كما نص على إقامة نوع من الاتحاد الاقتصادي بين الدولتين، والإدارة الدولية في مدينة القدس.

ويعني هذا أن الحديث عن اعتبار إسرائيل هي الدولة القومية لليهودية بدعة، وتأكيد جديد على الطابع الاستعماري والعنصري لهذه الدولة المصطنعة. فضلا عن ذلك فإن الحديث عن الدولة القومية لليهود اليوم لا يقتصر على كونها دولة لليهود من مواطنيها، وإنما على اعتبارها دولة ليهود العالم، وأن إسرائيل، في هذا الطرح، تخرج الفلسطينيين من مواطنيها من دائرة المواطنة، أو تهددهم بذلك، وهم في أرضهم.

بيد أن هذا الكلام لا يعني أن إسرائيل لا تتصرف اليوم من واقع كونها دولة لليهود، بغض النظر عن الصيغ القانونية، فهي تعرف ذاتها كدولة يهودية، وتتصرف من الناحية العملية بوصفها الدولة القومية لليهود في العالم كله، وتقدم نفسها باعتبارها الملاذ الآمن لهم، فضلا عن أنها تترجم ذلك في قوانينها وضمنه "قانون العودة"، الذي يتيح لأي يهودي في العالم أن يأتي إليها ويحظى بالمواطنة فيها.

كما أن ثمة "قانون أراضي الدولة" الذي يعد كل الأراضي ملكا للدولة يحظر بيعها أو نقل ملكيتها، وهذا يشمل رموزها أيضا، أي العلم والنشيد والكنيست، والقوانين المستمدة من التعاليم التوراتية. والأهم من ذلك أن إسرائيل تتصرف إزاء الفلسطينيين على هذا الأساس، وهذا ما يفسر طردهم، ومحاولة إزاحتهم من الزمان والمكان.

اللافت أن عنجهية إسرائيل وصعودها، ينمان عن شعور بالنقص وافتقاد للطمأنينة، فهذه الدولة بعد أكثر من ستة عقود ما زالت تبحث عن هويتها وعن تأكيد ذاتها. وهذه الدولة التي طالما عاشت على ادعاء أنها واحة للديمقراطية والحداثة والعلمانية ها هي تتمخض عن دولة تعيش في ظل الأساطير التاريخية والدينية، وتتجه نحو تعريف ذاتها بالدين، والطائفة، بينما هي حائرة بين كونها دولة ديمقراطية أو يهودية، وكونها دولة علمانية أو دينية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك