محمد المنشاوي

محمد المنشاوي

خبير بمعهد الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية


فقدان الثقة
التحسن الاقتصادي
قضايا الشرق الأوسط

واجه الرئيس الأميركي باراك أوباما المصير نفسه الذي لم يفلت منه أي من نظرائه الخمسة السابقين من خسارة حزبه أغلبية مجلسي الكونغرس النواب والشيوخ في آخر سنتين من حكمهم في البيت الأبيض.

فمنذ عهد الرئيس الجمهوري رونالد ريغان لم ينجح أي من الرؤساء في الحفاظ على أغلبية موالية له في كونغرس حتى نهاية حكمه، وتضم القائمة أيضا الجمهوريين جورج بوش الابن والأب، والديمقراطي بيل كلنتون.

ويعد فوز الجمهوريين بأغلبية مجلس النواب والشيوخ نكسة كبرى للرئيس أوباما، والحزب الديمقراطي، وهو ما ينذر بمزيد من الاستقطاب السياسي في واشنطن خلال آخر سنتين من حكم أوباما، الأمر الذي سينعكس على السياسات الداخلية والخارجية في الوقت نفسه.

فوز الجمهوريين بأغلبية مجلس النواب والشيوخ نكسة كبرى للرئيس أوباما وحزبه، وينذر بمزيد من الاستقطاب السياسي في واشنطن خلال آخر سنتين من حكم أوباما، وهو ما سينعكس على السياسات الداخلية والخارجية معا

وخلال مؤتمره الصحفي غداة يوم الانتخابات، أقر الرئيس أوباما بأنه سمع رسالة المصوتين بالانتخابات التي أفرزت اكتساحا للحزب الجمهوري. وقال "من المؤكد هو قيام الأميركيين بإرسال رسالة.. الأميركيون يتوقعون من الأشخاص الذين انتخبوهم العمل بجد.. وينتظرون منا العمل للتحقيق طموحاتهم وليس طموحاتنا".

ورغم ما سبق، تختلف خسارة حزب أوباما لانتخابات التجديد النصفية بصورة كاملة عن خسائر نظرائه السابقين.

فقدان الثقة
سئم الناخب الأميركي الاستقطاب السياسي في واشنطن بين أفرع الحكومة الأميركية، وهو ما جعل من الصعوبة بحال التعامل مع قضايا شديدة الأهمية مثل قضية الهجرة وقضية إصلاح نظام الصحة ونظام الضرائب. وظهر هذا واضحا في إحجام ما يقرب من ثلثي الناخبين الأميركيين عن المشاركة في انتخابات 4 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وبسبب أهمية منصب الرئيس وسهولة تركيز الإعلام عليه مقارنة بمجلس النواب الذي يضم 435 عضوا، يلقى باللوم على الرئيس الأميركي فيما وصلت إليه الأوضاع السياسية، رغم إظهار استطلاع للرأي أجراه مركز بيو مؤخرا أن 80% من الأميركيين لا يرضون عن أداء الكونغرس، وإيمان 65% منهم أن الكونغرس الحالي هو الأسوأ في التاريخ الأميركي.

بدأ الرئيس أوباما فتره حكمه وسط تمتعه بشعبية مرتفعة مقارنة بنظرائه السابقين، إلا أن شعبيته سرعان ما تدهورت على خلفية طريقة إدارته لعدد من الأزمات من ناحية، ونظرا لتحدي مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية له في معظم سياساته.

وسبق أن تعهد قادة الجمهوريين بعدم السماح بإعادة انتخاب الرئيس أوباما لفترة ثانية عن طريق تعطيله بمعارضة مجلس النواب الدائمة له، إلا أنه تم انتخابه.

وبسبب الاستقطاب الحاد الذي شهده النظام السياسي الأميركي خلال سنوات حكم أوباما، صب الشعب الأميركي غضبه على الرئيس، حتى وصلت شعبيته إلى ما دون 40% قبل إجراء الانتخابات الأخيرة.

ورغم تركيز انتخابات الكونغرس على القضايا الداخلية، فإن طريقة إدارة أوباما المترددة للأزمة السورية، وأزمة ضم روسيا القسري لشبه جزيرة القرم وسياساتها تجاه أوكرانيا عززت الشعور العام بفقدان الزعامة والقيادة الأميركية.

كذلك ساهمت عدة فضائح صغيرة -إلا أن توقيتها الذي جاء قبيل إجراء الانتخابات كان مؤثرا- كما هو الحال مع فضيحة الحرس الخاص للرئيس وعائلته وللبيت الأبيض، والارتباك المبكر في التعامل مع تبعات انتشار فيروس إيبولا ووصوله للأراضي الأميركية، في التأثير على بعض الناخبين.

وأظهرت استطلاعات حديثة للرأي رفض أغلبية الشعب الأميركي لما يراه الرئيس أوباما إنجازات تحسب له. فـ52% من الأميركيين يعتقدون أن مبادرة أوباما لإصلاح نظام الرعاية الصحية ستؤثر سلبا على كفاءة نظام الرعاية الصحية وستضر به في المستقبل القريب، ويرفض 56% من الأميركيين طريقة تعامله مع الهجرة غير المشروعة للشباب من دول أميركا الوسطى للولايات المتحدة والتي شهدت زيادة غير مسبوقة خلال الصيف الماضي.

رغم تركز انتخابات الكونغرس على القضايا الداخلية، فإن طريقة إدارة أوباما المترددة للأزمة السورية، وأزمة ضم روسيا القسري لشبه جزيرة القرم وسياساتها تجاه أوكرانيا عززت الشعور العام بفقدان الزعامة والقيادة الأميركية

من ناحيتهم ساهم الكثير من المرشحين الديمقراطيين في هزيمتهم عن طريق اتباع سياسة "الابتعاد عن أوباما" وإلقاء اللوم عليه وحده، وذلك بسبب ما رأوه من تدني شعبية الرئيس. وكان الجمهوريون اختاروا استهداف الرئيس وشخصه في حملتهم الانتخابية، واستغل الجمهوريون هذه الفرصة وصبوا غضبهم ليس على الرئيس الأميركي فقط، بل على مرشحي الحزب الديمقراطي في الوقت نفسه، وهو ما اعتبره الكثير من المحللين خطأ سياسيا بالغا من الديمقراطيين.

التحسن الاقتصادي
رغم تعافي الاقتصاد الأميركي، وتحقيقه أرقاما مطمئنة خلال السنوات القليلة الماضية، إذ بلغت نسبة البطالة أقل معدلاتها خلال السنوات الست الماضية بوصولها في الربع الثالث من هذا العام إلى 5.9%، كما سجل الاقتصاد الأميركي نسبة نمو في نفس الفترة تبلغ 3.5%، وهو ما يعد نسبة ممتازة بالمعايير الأميركية، وهي الأكبر منذ 2009.

كما وصلت أعداد المواطنين ممن يتمتعون بالتأمين الصحي لأعلى معدلاتها في التاريخ الأميركي، فإنه ورغم كل ذلك انهزم الديمقراطيون. فمن ناحية لم يشعر المواطن الأميركي العادي بتحسن الحالة الاقتصادية لأسباب تتعلق بعدم التوزيع العادل لعائدات هذا التحسن الاقتصادي على المواطنين.

سيركز الجمهوريون على الأوضاع الاقتصادية في البلاد خلال السنتين المقبلتين، فهناك عدد من مشروعات القوانين التي يهدفون لتمريرها منها السماح ببناء خط أنابيب النفط "كيستون إكس أل" بين كندا وخليج المكسيك وتطوير إنتاج الغاز الطبيعي ومساعدة الشركات الصغيرة والحد من القوانين والتنظيمات التي يعتبرونها مكبلة للنمو الاقتصادي. كما أعلن رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر لدى فور حزبه أن الكونغرس الجديد سيعمل على إصلاح النظام الضريبي والحد من مشكلة النفقات الحكومية وتحسين النظام التعليمي.

من أهم تبعات نتائج الانتخابات هو تغير قيادات اللجان الرئيسية والفرعية بالمجلس، حيث ستتم إزاحة السيناتور الديمقراطي (ولاية نيفادا) هاري رييد من رئاسة مجلس الشيوخ ليخلفه الجمهوري من ولاية كنتاكي ميتش ماكونيل. وأشار ماكونيل إلى إمكانية "التعاون" مع الرئيس باراك أوباما في الأمور التي يمكن الاتفاق عليها، وذكر أن العمل في النظام السياسي ذي الحزبين "لا يعني بالضرورة العيش في صراع مستمر".

ويتبع تغير قادة اللجان تغير الاهتمامات والأجندات المختلفة لتعكس تفضيلات حزب الأغلبية. كما يتوقع أن يرأس السيناتور جون ماكين لجنة القوات المسلحة، وهو ما ينذر بتبني الكونغرس سياسات أكثر تشددا إزاء بعض قضايا الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بإيران، والعلاقة مع روسيا التي يتوقع لها المزيد من التوتر. وانتقد السيناتور ماكين -الذي خسر أمام أوباما في انتخابات الرئاسة عام 2008- كل خطوات الإدارة من محاربة متشددي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى تسليح المعارضة السورية، كما سعى لرد أميركي أكثر تشددا ضد روسيا في الأزمة الأوكرانية.

هناك شبه توافق بين الحزبين على تجنب التدخلات الخارجية الواسعة النطاق سواء في سوريا أو العراق أو أوكرانيا، إلا أن مسار التفاوض حول الملف النووي الإيراني قد يمثل استثناء وحيدا

يواجه الجمهوريون اليوم تحديا كبيرا يتمثل في كيفية استعادة ثقة المواطن الأميركي في العملية السياسية التي تحكم واشنطن في الوقت الذي يرى فيه أكثر من ثلثي الشعب الأميركي أن بلادهم تسير في الطريق الخاطئ.

وما زال الرئيس أوباما يملك حق الفيتو الذي تعهد باستخدامه إذا أرسل له الكونغرس الجمهوري مشروعات قوانين لا يوافق عليها ولا تأخذ في الحسابات رؤية الأقلية الديمقراطية في مجلسي الكونغرس. ومن شأن استخدام حق الفيتو إيصال النظام الأميركي لحالة غير مسبوقة من الجمود وسط زيادة الاستقطاب السياسي بين البيت الأبيض الديمقراطي والكونغرس الجمهوري.

قضايا الشرق الأوسط
لا ينتظر أن تشهد السياسة الخارجية الأميركية تغييرا كبيرا في توجهاتها الرئيسية، وينتظر أن تبقى الخلافات الهيكلية بين الحزبين مقتصرة على القضايا الداخلية.

وطبقا للدستور الأميركي يتمتع الرئيس بحقوق تفوق ما لدى الكونغرس في قضايا الشأن الخارجي، ولا تعد قضايا الشرق الأوسط استثناء هنا، كما أن هناك شبه توافق بين الحزبين على تجنب التدخلات الخارجية الواسعة النطاق سواء في سوريا أو العراق أو أوكرانيا، إلا أن مسار التفاوض حول الملف النووي الإيراني قد يمثل استثناء وحيدا، إذ يتوقع أن تعكس سيطرة الجمهوريين على الكونغرس إضعاف الموقف الأميركي في المفاوضات النووية مع إيران حيث يتبنى الجمهوريون موقفا أكثر تشددا حيال أي انفراج مع إيران.

في النهاية، قد يغير توازن القوى الجديد في واشنطن من الجمود والاستقطاب بين الحزبين، وهو ما ينذر باستخدام الرئيس سلطته المعطلة من خلال حق الفيتو، أو قد تدفعه تلك الحالة لإصدار مراسيم رئاسية، لذا قد يقتنع الجمهوريون من جانبهم بأن طريق الصدام مع البيت الأبيض لن يؤدي إلا لخسارة الجميع وعليه قد يتبنون سياسات وسطية من أجل تمرير أجندتهم السياسية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك