زهير إسماعيل

زهير إسماعيل

أكاديمي وباحث تونسي

تضارب التقديرات
الفرز الجديد
رسائل سياسية قوية

لم يمر إلا يوم أو بعض يوم على إغلاق صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة بتونس حتى رشحت بعض النتائج الأولية لتؤكد قوة الاستقطاب بين المرشحيْن الأبرز: محمد منصف المرزوقي المرشح المستقل وأحد عناوين الجديد الصامد، والباجي قايد السبسي مرشح نداء تونس وريث حزب التجمع المنحل وأحد عناوين القديم العائد.

وبقدر ما مثلت الانتخابات التشريعية صدمة كبرى بعودة طريد الثورة من باب التفويض الشعبي الحر، فإن الانتخابات الرئاسية تتجه إلى أن تمثل صدمة مضادة تكثف قدرة قوى الثورة على تجميع شتاتها وإعادة ترتيب صفوفها في مواجهة قوى النظام القديم التي غرها انتصارها في التشريعية ولم تستطع أن تخفي ثقافتها المعادية للديمقراطية ونزوعَها إلى التغول. وهي ثقافة موروثة عن عقود من أنظمة الفساد والاستبداد عرفتها تونس.

أبرز ما ميز هذه الانتخابات ما أحدثه المرزوقي من اختراق كبير في المجالات الانتخابية التي كانت أميل للسبسي، وكان الاختراق الأبرز في مدينة صفاقس، فهي مدينة كانت دائما بوصلة البلاد في المنعرجات الحاسمة من تاريخ الحركة الوطنية

تضارب التقديرات
ما زال سبر الآراء تقليدا غير راسخ في ديمقراطية تونس الناشئة، وما زال جانب مما أقيم من مؤسسات في هذا الباب لم يتحصن بتقنيات البحث الدقيق والحياد العلمي الرصين. وهذا ما جعل كثيرا مما قدم من نتائج لسبر الآراء لم يسلم من آثار التجاذب السياسي في مثل هذه الاستحقاقات الانتخابية المصيرية.

لذلك جاءت النتائج الأولى متضاربة شيئا ما، إذ كان الغالب على أول التوقعات المستندة إلى سبر آراء بعض الناخبين عند خروجهم من عملية الاقتراع يشير إلى تقدم المرشح الباجي قايد السبسي بنسبة 47% على المرشح منصف المرزوقي بنسبة 26%، وبثت هذه النتائج بالقناة الوطنية الأولى، ولكنها لم تصمد لتترك المكان لما أوردته قناة نسمة الخاصة المساندة للباجي قايد السبسي ومرشح الجبهة الشعبية حمة الهمامي.

وهذه القناة لا تخفي عداءها الصريح للمرشح المستقل محمد منصف المرزوقي الرئيس الحالي، حيث ثبتت في شاشتها الخلفية طوال الجلسات التي عقدتها حول موضوع الانتخابات نسبة 47.2% للسيد السبسي ونسبة 31.5% للسيد المرزوقي. غير أن تتالي النتائج بدأ يرسم صورة أخرى تشير إلى تكافؤ المترشحيْن بنسبة 38% مع إمكانية تقدم طفيف للسيد منصف المرزوقي. وكان من تعبيرات هذه النتائج خروج أنصار المرزوقي أمام مقر الحملة الانتخابية بأعداد غفيرة، في حين أغلقت أبواب مقرات حملات المرشحين الآخرين باكرا.

ولعل أهم ما يمكن الخروج به من النتائج الأولية هو انخفاض نسبة المشاركة مقارنة بالانتخابات التشريعية رغم جدية المنافسة. وتبقى نسبة الغياب في صفوف الشباب هي الأعلى. ومن ناحية أخرى فإن أبرز ما ميز هذه الانتخابات ما أحدثه المرزوقي من اختراق كبير في المجالات الانتخابية التي كانت أميل للسبسي. وكان الاختراق الأبرز في مدينة صفاقس. فهذه المدينة المتربعة في وسط البلاد رغم نعتها بعاصمة الجنوب كانت دائما بوصلة البلاد في المنعرجات الحاسمة من تاريخ الحركة الوطنية، وكان موقفها مرجحا لكفة الثورة قبل فرار بن علي بيومين. وسيكون لميل هذه المدينة إلى المرزوقي مثلما تثبته النتائج الأولى أثر حاسم على مآل الرئاسيات.

كما كان للسيد المرزوقي اختراقات مهمة في وسط البلاد حيث كانت مدينة القصرين إلى جانبه، وكانت له اختراقات جزئية في مدن الساحل ومدن الوطن القبلي في الشمال الشرقي من البلاد. وكان تقدمه في ست ولايات (محافظات) جنوبية منتظرا، وهي ولايات توزر وقفصة وقبلي وقابس ومدنين وتطاوين.

تشير النتائج الأولية إلى أن المرتبة الثالثة كانت لمرشح الجبهة الشعبية السيد حمة الهمامي. وتضم الجبهة ثلاثة مكونات أساسية هي حزب العمال الشيوعي التونسي بقيادة حمة الهمامي، والخط الوطني الديمقراطي ذي الميول الماركسية بقيادة زياد لخضر، والتيار الشعبي ذي الميول الناصرية بقيادة زهير المحمدي. وكانت الجبهة دخلت في تحالف مع نداء تونس في جبهة الإنقاذ التي مكنت نداء تونس من أن "يطبع" علاقته في وقت قياسي بالساحة السياسية ويصبح مشمولا بالتوافق الذي كان مقصورا على القوى المحسوبة على الثورة.

ويَرْشَح من الجبهة موقفان من الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية: موقف يميل إلى مساندة المرزوقي يمثله أنصار حمة الهمامي، وموقف يميل إلى مساندة السبسي يمثله أنصار التيار الوطني الديمقراطي، في حين يبقى التيار القومي بمكونيه الناصري والبعثي على هامش الموقفين المذكورين. وإذا ساندت الجبهة الشعبية مرشح نداء تونس فإنه ستقدم أقوى الأسباب للقول إن التيار الماركسي في تونس قد يغادر "يسار الفكر" بعد أن غادر "يسار الحركة الاجتماعية" حينما تحالفت رموز كبيرة منه مع نظام بن علي على مدى عقدين من الزمن.

الفرز الجديد
الرئيس الحالي والمرشح المستقل السيد منصف المرزوقي يقدم نفسه على أنه مرشح الشعب التونسي بكل طبقاته وجهاته. وقد سجل في هذا الأمر نقاطا قوية على حساب منافسه الرئيسي.

فإذا كان نداء تونس لم يجد له حظا في الجنوب التونسي كله من خلال نتائجه الضعيفة جدا في الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية، فإن منصف المرزوقي بما أحدثه من اختراقات مهمة في صفاقس والقصرين وقفصة وكثير من مدن الساحل والشمال الشرقي وأقصى الشمال يتقدم ميدانيا مرشحا للشعب التونسي برمته بخلاف منافسه الذي يبقى مرشحا لفئات بعينها وجهات دون أخرى.

هذه الحقيقة لا يمكن أن تخفي أن منصف المرزوقي أصبح مرشح القوى الجديدة، في حين تم تثبيت الباجي قايد السبسي رمز القديم العائد. وإن مقارنة بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية تجلو جانبا مهما مما حدث من تغير في قاعدة الفرز.

التغول هو السبب الأساسي في انبعاث اتجاه انتخابي قوي يعدل الكفة ويمنع سيطرة حزب واحد على كل مؤسسات الدولة السيادية، وهو حزب سليل ثقافة مناهضة للديمقراطية حتى اعتبره البعض حالة انتخابية صنعها المال السياسي أكثر مما هو ظاهرة حزبية

قاعدة الفرز الأساسية في الانتخابات التشريعية كانت "هووية" بين نداء تونس وحركة النهضة. وقد عملت المنظومة القديمة على تأبيد هذا الاستقطاب لأنها تحتاجه في التخويف من حركة النهضة وتصويرها على أنها مهددة للنموذج المجتمعي التونسي.

وكانت لهذا نتائج عكسية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، غير أن تجربة الترويكا بقيادة النهضة وما لاقته من صعوبات وعراقيل جعل من استعادة الاستقطاب الأيديولوجي مضافا إلى الإلحاح على فشل مرحلة التأسيس التي لولاها لما كانت انتخابات رئاسية وتشريعية، كانا سببين كافيين للتخويف من النهضة ودفع الناس إلى "التصويت المفيد" وما أفضى إليه من نزول النهضة إلى المرتبة الثانية وشبه اندثار للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الناشئة.

هذا الاستقطاب يشير إلى انقسام في مستوى النخبة والطبقة السياسية. وقد كانت حركة 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005 محاولة فذة لتجاوزه، غير أن مناخات الحرية بعد الثورة وبروز الإسلام السياسي قوة أساسية في المشهد أحيت هذا الانقسام وغذته.

وفي الانتخابات الرئاسية، لم يكن للنهضة مرشحها، وكان هذا كافيا لضمور هذا الاستقطاب وظهور المستوى من الانقسام الذي تعيشه تونس. وهو الانقسام الأخطر لأنه الانقسام الذي فجّر الثورة. ومنه انطلق الصراع الحقيقي بين الجموع المفقرة والنظام البورقيبي النوفمبري الذي سماه الشباب المنتفض عصابة السراق، وهي من التسميات القاتلة التي أجهزت على نظام بن علي في اللغة قبل أن تجبر رموزه على الهروب المذل.

هذا الانقسام بين الهامش المفقر والمركز المديني، بين الساحل والداخل، بين مدن الفساد البرجوازي وأحياء الصفيح التي تحيط بها، كان سببَ الثورة الرئيسي، وكان رأْبه وتوحيد البلاد اجتماعيا هو الهدف الأساسي لثورة الحرية والكرامة، ولكن صراعات الطبقة السياسية وتجاذباتها الحادة جعلت هذا الهدف في مرتبة ثانية.

وتأتي الانتخابات الرئاسية وما حملته معها من الانتخابات التشريعية من خوف حقيقي من تغول التجمع العائد وسيطرته على مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية لتؤكد على حقيقة الانقسام العميق. وتؤكد أن توحيد البلاد اجتماعيا هو شرط نجاح الديمقراطية في تونس.

ولذلك انضمت إلى حملة المرزوقي فئات من المثقفين والأكاديميين المتوجسين من عودة التجمع بتقاليده في لجم الحريات الفكرية والأكاديمية. وانضمت إليه فئات وجهات عانت من الحرمان وهي تعرف أن المرحلة الانتقالية لم تكن قادرة على الاستجابة لانتظاراتها في الشغل وتحسين وضعها الاجتماعي. مثلما تدرك هذه الفئات من المثقفين والأكاديميين والشرائح الاجتماعية المختلفة وجموع الشباب المعطل والهامش المفقر أن منصف المرزوقي يكافح أعزل ويواجه آلة المنظومة القديمة المدعومة بمال سياسي فاسد وبمال خليجي لا يخفيه مانحوه وكان له أثره البالغ على الحياة السياسية في المرحلة التأسيسية وفي الانتخابات التشريعية.

غلب على حملة المرزوقي الانتخابية التطوع والمبادرة العفوية، وأبانت جولاته عن حضور لافت لحشود كبيرة كانت مفاجئة لمنظميها، قبل سواهم. وأصبح يمثل نجاحه شرطا لإنقاذ الديمقراطية ومنسوبَ الحرية العالي المعمد بدماء الشهداء. وصار انتخاب المرزوقي منعا لغزو المنظومة القديمة مؤسسةَ الرئاسة. وكان من بين الاستعارات القوية، عند تفويض المرزوقي رئيسا مؤقتا للجمهورية، أن هذه المؤسسة صارت مجالا محررا من الدولة التونسية. وتأكد هذا المعنى بعد تشكيل حكومة التكنوقراط لاستكمال المسار الانتقالي.

رسائل سياسية قوية
رسخت نتائج الانتخابات التشريعية أن الطريق مفتوح أمام نداء تونس لكي يصل إلى مؤسسة الرئاسة، غير أن ما بدأ يظهر من نتائج تشير إلى تكافؤ بين المتنافسيْن يبعث برسائل في غاية الأهمية.

وتتمثل الرسالة الأولى في أن التغول كان السبب الأساسي في انبعاث اتجاه انتخابي قوي يعدّل الكفة ويمنع سيطرة حزب واحد على كل مؤسسات الدولة السيادية، وهو حزب سليل ثقافة مناهضة للديمقراطية ولم يعقد مؤتمره التأسيسي بعد، حتى اعتبره البعض حالة انتخابية صنعها المال السياسي ومصالح الدولة العميقة أكثر مما هو ظاهرة حزبية حقيقية. وهو اليوم واقع تحت "اختبار في الديمقراطية" نجاحه فيه ضعيف. وهو كغيره من الأحزاب المنحدرة من تجارب الاستبداد يشعر أنه دوما مهدد بالديمقراطية وبمنسوب الحرية العالي. ويبدو أن أثر مفهوم التغول سيتواصل في الدور الثاني أيضا.

ليست هذه الانتخابات  نتيجة لثورة منجزة بقدر ما هي مرحلة من مراحل ثورة لم تحط رحالها. وأيا كانت نتائجها فإن الثورة التونسية لا تزال حية، وقد قال ثوار القصبة الثانية للمنظومة القديمة، وهم يغادرون عرينهم: إن عدْتم عدنا! فهل هي العودة؟

أما الرسالة الثانية فتتمثل في أن ما سكن أنصار حزب النداء من صلف وغرور وتطاول على بقية ثوابت الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية المنجزة في المرحلة التأسيسية، تحت نشوة انتصارهم في الانتخابات التشريعية، سيصطدم بما تشير إليه الانتخابات الرئاسية من وجود قوة "توازن رادع" حقيقية مرجعيتها ثورة 17 ديسمبر "المواطنية" الاجتماعية. وأن الثورة لم تخْب، وأن جمرها قد يتحول إلى لهب يحرق ما بقي من إرث الاستبداد ونوايا الانقلاب. وأن توحيد البلد اجتماعيا بعد أن كان حركة عفوية من الهامش المفقر يبحث اليوم له عن قيادة سياسية. فهل تكون ثورة الحرية والكرامة التي قيل إنها ولِدت بلا رأس تبحث لها اليوم عن رأس؟

وأما الرسالة الثالثة فهي أن القيمة العزلاء إلا من امتلائها بعنفوان الحق واليقين بانتصاره يمكن أن تنتصر على القوة العمياء المشبعة بثقافة الاستبداد وتزييف التاريخ وامتهان الإنسان بتقسيمه وإهدار حقوقه. وهذا هو جوهر الثورة. فالثورة كالنبوة، إنْ لم تكن هي وريثتها بعد ختمها، تذكر بالقيم والأخلاق حين تحوّل الدولة كل القيم والأخلاق إلى قوانين.

الرسالة الأخيرة البليغة والموجزة أن الاستحقاقات الانتخابية هذه ليست نتيجة لثورة منجزة بقدر ما هي مرحلة من مراحل ثورة لم تحط رحالها.

وأيا كانت نتائج الانتخابات فإن الثورة التونسية لا تزال حية، ولقد قال ثوار القصبة الثانية للمنظومة القديمة، وهم يغادرون عرينهم: إن عدْتم عدنا! فهل هي العودة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك