سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

أكاديمي تونسي


لا ديمقراطية ولا نهضة في ظل التبعية، ذلك هو الدرس الأهم من التجارب العربية ومن فشل الربيع العربي بعد البداية الملهمة، حيث تحول من فرصة للتحرر والنهوض إلى قضية سلطة ومغانم (من يحكم، وكيف تدار البلاد؟).

وفي ظل ذلك تميعت أهداف الثورة أو تركت للزمن، وضاعت أهم إنجازات الثورة: الوحدة الوطنية، والحس الوطني، والزخم الثوري والطموحات الكبيرة ليحل محلها الانقسام والإحباط بل والاقتتال.

تلك الأرصدة التي شكلت أرضية صلبة للإقلاع لم تنقصها سوى قيادة وطنية صادقة تراهن على الشعب وليس على السلطة، وتطرح مشروعا وطنيا تحرريا طموحا يفجر طاقات الشعب ويستنهضه لمضاعفة البذل والعطاء والتضحيات ودفع ثمن التحرر والنهوض، وفي غياب تلك الشروط أصبح الهدف عودة الحياة العادية وديمقراطية ولو جوفاء.

الديمقراطية مبادئ وآليات، المبادئ تشمل حكم الناس باختيارهم، وضمان الحريات والعدل والمساواة، والشفافية والمحاسبة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات، وهي محل إجماع إنساني وقيم إسلامية أساسية، أما الآليات فكثيرا ما أفرزت قرارات وسياسات ناقضت المبادئ وأثمرت مظالم وفظاعات.

الديمقراطية مبادئ وآليات، المبادئ تشمل حكم الناس باختيارهم، وضمان الحريات والعدل والمساواة، والشفافية والمحاسبة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات، أما الآليات فكثيرا ما أفرزت قرارات وسياسات ناقضت المبادئ وأثمرت مظالم وفظاعات

وكثيرا ما يؤدي التحزب والاستقطاب في البلدان الديمقراطية إلى تعطيل الحياة السياسية وتسميم الأجواء وانقسام المجتمع وتنفير المواطنين من السياسة والشأن العام، وفقدانهم الثقة في السياسيين والمؤسسات، كما أن الأموال الضخمة التي تحتاج إليها الأحزاب والحملات الانتخابية تمكن اللوبيات والشركات من التحكم في القرار (رشوة مقننة)، ولعل هذه العيوب والمخاطر كانت في ذهن تشرشل حين قال عن الديمقراطية إنها أسوأ النظم السياسية إلا إذا قورنت بغيرها.

وإذا أمكن الحد من المضاعفات السلبية لدواء الديمقراطية فإن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا في دولة كاملة السيادة وتبلورت فيها هوية وطنية، وهما شرطان لا يتوفران في الدول العربية، حيث كثيرا ما تقدم الانتماءات والهويات الفرعية (الطائفية، القبلية، الأيديولوجية، الجهوية) على الانتماء للوطن، ويعزز التحزب الانتماءات الفرعية ويزيد تمزيق المجتمع.

ومع توفر الشرطين الضروريين لقيام ديمقراطية حقيقية تتوفر في الدول الديمقراطية عوامل تحد من تأثير المضاعفات السلبية للصراع بين الأحزاب، ومنها أن الانتماءات الحزبية لا تؤثر في العلاقات والمعاملات، وقيمة الإنسان بإنجازاته وإسهاماته وليس بانتماءاته، ثم إن مؤسسات الدولة متينة والإدارة محايدة ولا تتأثر بالصراعات والانتخابات، كما تتميز الدول بقوة مؤسسات المجتمع المدني واستقلاله واستقلال المجال الديني عن الدولة.

كل ذلك على عكس الوضع في البلاد العربية، فحتى الحروب والأزمات الخطيرة التي تنسي المجتمعات الديمقراطية خلافاتها وتوحدها خلف قياداتها توظف وتستغل، ولا تتورع الأطراف المتصارعة حتى في تلك الظروف أن تتآمر وتتواطأ وتخون.

ومن يتأمل في أوضاع ومسيرة الدول التي طبقت فيها الديمقراطية والبلدان التي نهضت يجد أن الديمقراطية هي بالتأكيد عامل مساعد ولكنها ليست عاملا حاسما، وأن كلمة السر في كل قفزة نوعية قامت بها أي دولة هي قيادة ورؤية، فكثير من الدول طبقت الديمقراطية وظلت تراوح مكانها، ومن نهض منها لم ينهض إلا بعد أن برزت قيادة وطنية استطاعت أن تحفز وتكسب ثقة شرائح واسعة من الشعب، وبعض تلك القيادات لم يكن مثالا للحاكم الديمقراطي.

هذا لا يعني طبعا تفضيلا للدكتاتورية على الديمقراطية، ولكن يعني أن الديمقراطية ليست الحل السحري كما يظن ويروج البعض، وأن وجودها ضروري ولكن لا يكفي ولا يضمن التقدم، وكل هذا النقاش لا ينطبق إلا على الدول كاملة السيادة.

الخلاصة أن النظام الديمقراطي هو الأفضل لتنظيم الخلاف وإدارة الدولة إذا توفرت شروطه، أما الدول المحتلة أو التابعة فتحتاج إلى اصطفاف الشعب في حركة تحرر وطني حول قيادة وطنية ومشروع وطني للتحرر والنهوض، وإلا تصبح السياسة جوفاء، وتصبح الديمقراطية شكلا بلا مضمون.

من المعلوم من السياسة بالضرورة أن الدول العربية بلا استثناء دول تابعة لا تملك قرارها، معتمدة على الخارج في اقتصادها وأمنها ودفاعها، وأنظمتها قائمة بسند وضمان خارجيين، ويكاد يتعذر أن تجد حاكما عربيا وصل إلى السلطة -ولو بالانتخابات- بدون تسهيلات أو رضا من الخارج.

في هذه الأوضاع لا يمكن للديمقراطية أن تقوم، ليس لأنها تتعارض مع الإسلام أو مع العقلية العربية، ولكن لأن الديمقراطية التي تجعل الشعب مصدر السيادة والسلطة وتعرف على أنها حكم الشعب لنفسه تفترض أن الدولة كاملة السيادة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

لطالما عج الخطاب السياسي العربي بمصطلح "الاستعمار غير المباشر"، ولطالما رفض المناضلون الاعتراف بالاستقلال ما دامت البلاد تابعة، ومن ثم كان التحرر من التبعية أولوية باعتبار أنه لا نهوض ولا ديمقراطية مع التبعية، ثم فجأة تبخر المصطلح وكأن البلاد تحررت فجأة.

ويبدو أن البعض أسقط مسألة التبعية لرفع الحرج وفتح طريق السلطة الذي كان مسدودا في وجهه، وهكذا أصبحت مظاهر الديمقراطية غاية في حد ذاتها ومعيار النجاح، ولا يهم إن ظلت البلاد تابعة ومتخلفة ما دامت لدينا أحزاب ودستور وانتخابات.

من المعلوم من السياسة بالضرورة أن الدول العربية بلا استثناء دول تابعة لا تملك قرارها، معتمدة على الخارج في اقتصادها وأمنها ودفاعها، وأنظمتها قائمة بسند وضمان خارجيين، ويكاد يتعذر أن تجد حاكما عربيا وصل إلى السلطة بدون تسهيلات أو رضا من الخارج

فالتبعية لا تختلف جوهريا عن الاحتلال، وفي ظل التبعية كما في ظل الاحتلال تصبح السياسة عبثا وثرثرة إذا لم تتمحور حول قضية التحرر الوطني، وفي دولة تابعة لا يمكن إلا أن تقوم ديمقراطية جوفاء موجهة ومحكومة من الخارج بواسطة حاكم مطلق أو أحزاب مدجنة تتصارع وتتداول على سلطة تصريف أعمال لا تختلف كثيرا في الصلاحيات عن السلطة الفلسطينية.

وقد يكون ضررها أكبر من نفعها إذ تقسم المجتمع، وتتحول إلى مخدر يشغل الناس عن القضية الوطنية الأم بمعارك جانبية -حزبية وانتخابية- وإنجازات وهمية، وينطبق هذا خصوصا على الشعوب العربية التي تميل إلى الحلول السهلة والمسكنات، وحيث الأحزاب أشبه بالطوائف، وانظر ماذا حدث في ليبيا التي طبقت فيها الديمقراطية قبل أن تؤسس الدولة، والعراق الذي طبقت فيه الديمقراطية في ظل احتلال، والسودان ولبنان اللذين عرفا الأحزاب والانتخابات منذ أمد طويل، وماذا فعلت آليات الديمقراطية في الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

وجل البلاد العربية تقريبا عرفت التعددية الحزبية والانتخابات ومشاركة الأحزاب في الحكم دون جدوى، لأنه في كل الحالات توضع العربة قبل الحصان ويبدأ البناء من السقف، فتطبق آليات الديمقراطية في دولة تابعة لا تتوفر فيها الشروط وبلا مشروع وطني.

ولم ولن تفلح الديمقراطية بل لن تقوم ديمقراطية حقيقية في البلاد العربية ما دامت تابعة، لا يدخل فيها حزب في منظومة الحكم -ولو بالانتخابات- إلا بعد أن يروض ويصبح مضمونا ويتعهد بعدم المساس بالمصالح والسياسات أي بالنظام، لأن النظام سياسات، وما تبقى من نفس ثوري أو تغييري لدى الحزب يعالج بتوريطه في الإدمان على السلطة والمال، والسلطة عند أغلب السياسيين العرب ليست وسيلة لخدمة الشعب والوطن، بل غاية تبرر كل وسيلة، ولذلك يسهل تطويعهم ثم توظيفهم، وتلك معادلة لا تغيرها الديمقراطية في ظل التبعية.

كثيرة ومتنوعة النكسات في التاريخ العربي والإسلامي، والسبب واحد: نخب وقيادات تخذل شعبا وتضيع عليه الفرص بوعي أو بدونه، وانتكاسة الربيع العربي لم تخرج عن السياق، نخب تصارعت على السلطة قبل الأوان في دولة تابعة وأوضاع هشة فوجدت نفسها تلهث وراء المال وتتسابق للاستقواء بالخارج فكان الذي كان: تفتيت أو فوضى أو تغيير شكلي أو نكوص، وأصبحت الدول ساحات للصراع الإقليمي والدولي بالوكالة، بالسلاح أو بالمال السياسي.

وتم إجهاض الثورات وحرفها عن مسارها وتجويفها وتمييع أهدافها بأيد محلية بطرق خشنة أو ناعمة، وكل الدول ظلت تابعة بل وأصبحت أكثر تبعية، وهذا لا ينطبق فقط على سوريا واليمن وليبيا التي استباحتها الدول والجماعات بل حتى على تونس، وذلك ليس لأن بن علي كان وطنيا ولكن لأنه كان حاكما مطلقا وبائعا بلا منافس، أما بعد الثورة فقد تحولت العملية إلى مزاد أو بالأحرى مناقصة بين أطراف غير متمكنة ومستعدة للبيع بأرخص الأثمان وللتفريط في كل شيء من أجل الأمجاد والمكاسب الشخصية والحزبية.

فاعتبار تونس حالة استثنائية وتجربة ناجحة هندستها طبقة سياسية أعلت المصلحة الوطنية وأنقذت البلاد من حرب أهلية وانقلابات، كل ذلك مجرد صورة تروج لها جهات خارجية سعيدة جدا بالوضع الجديد في تونس الذي تشكل كما أرادته ورسمته بعد أن أفزعها انتصار الثورة وأربك حساباتها وخططها، ووجدت نفسها وجها لوجه مع شعب ثائر وموحد، ومن اللافت أن تلك الجهات نفسها كانت تروج لمعجزة بن علي التي طالما سمع عنها التونسيون ولم يروها، وكأن قدر تونس أن يكون لها دوما وجهان.

أما في تونس -فباستثناء المستفيدين والمتعصبين من المتحزبين- فإن التونسيين يعلمون أن تلك الصورة وهم وضرب من الخيال الأدبي ومتيقنون من أن ثورتهم أجهضت كما أجهضت بقية الثورات وإن بطريقة ناعمة وبإخراج أفضل: بالتجويف والتمييع، وذلك رغم أن فرصة النجاح كانت أكبر.

ولا يلام من يصدق وينبهر أولا لأن ما حدث في تونس يعتبر في أغلب الدول العربية إنجازا عظيما، وثانيا لأن الدعاية الغربية كانت غامرة، وثالثا لأن الانطباع بني على مقارنة مغلوطة بين تونس ودول عربية هشة أو ملغومة بالطائفية أو القبلية وعلى تعريف النجاح عربيا بأنه نجاة البلاد من حرب أهلية أو انقلاب عسكري، وتونس بطبيعة شعبها المتجانس المتمدن المسالم وجيشها البعيد عن السياسة عصية على تلك السيناريوهات التي هي أيضا مرفوضة من قبل القوى الخارجية التي تريد في تونس الاستمرار والاستقرار وليس الفوضى.
صحيح أن الثورة فاجأت الجميع لكن مشروع تغيير الأنظمة العربية المهترئة أو المنبوذة بأنظمة أكثر قبولا لدى شعوبها وأقل عبئا على داعميها بدأ قبل الثورة بسنوات، على الأقل على مستوى استكشاف البدائل
صحيح أن الثورة فاجأت الجميع لكن مشروع تغيير الأنظمة العربية المهترئة أو المنبوذة بأنظمة أكثر قبولا لدى شعوبها وأقل عبئا على داعميها بدأ قبل الثورة بسنوات، على الأقل على مستوى استكشاف البدائل، واستكمل خلال الفترة الانتقالية التي انسحب فيها الشعب أو نام منتشيا أو محبطا.

وهكذا نفذت فيها عملية جراحية لإنتاج نسخة مهذبة وأكثر اتساقا مع العصر من منظومة ما قبل الثورة: دولة تابعة معتمدة على المساعدات والقروض ومحكومة بطبقة سياسية مطيعة لا تمس بالمصالح والسياسات.

ودعم النظام الجديد من الخارج بالحد الأدنى بحيث لا يسقط ولا يخرج عن السيطرة، ودعمت كل الأطراف المتصارعة حتى استنزفت وطوعت، ففتح الباب على مصراعيه لعودة القوى التي أطاحت بها الثورة بقوة على الساحة وتطبيع وضعها.

حتى التوافق الذي جاء متأخرا ولم يكن على برنامج وطني للتحرر والنهوض ميع الثورة ولم يسترجع شيئا مما ضاع من إنجازاتها بعد أن انقسم الشعب وأحبط وفقد الثقة في السياسيين وضعف الحس الوطني، وعاد أغلب المواطنين يشعرون بالغربة في وطنهم لا يفكرون إلا في الخلاص الفردي والأوضاع المعيشية.

وجاءت الانتخابات التشريعية الأخيرة لتطلق رصاصة الرحمة على الثورة، حيث فاز بها حزب جديد يعتبر إعادة إنتاج للحزب الذي أسقطته الثورة.

ولقد أظهرت نسبة المشاركة والنتائج أن الشعب اعتبر الفترة الانتقالية فاشلة، وحمل القائمين عليها المسؤولية، وأنه فقد الأمل في التغيير وتحقيق أهداف الثورة على يد هذه الطبقة السياسية، واستبعد تماما عودة الاستبداد، كما أنه ما عاد يفرق بين الأحزاب فقاطع من قاطع (حوالي نصف الناخبين الذين صوتوا في انتخابات 2011) وصوّت للنداء من صوت.

ومن بين الثمانية ملايين ناخب لم يسجل سوى خمسة ملايين لم يصوت منهم سوى ثلاثة ملايين ونيف.

واستقرت تونس على وضع تتنافس وتتحالف وتتداول فيه أحزاب لا تختلف كثيرا في برامجها عن سلطة تصريف الأعمال في دولة تابعة، وذلك أيا كانت نتائج الانتخابات الرئاسية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك