محمد هنيد

محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي

انتخاب بنكهة الانقلاب
نخب الاستبداد والانقلاب
النهضة ومبادئ الثورة
يسقط جلاد الشعب

فجأة تحقق البورصة التونسية ارتفاعا خياليا وترسل الولايات المتحدة تهانيها -الصادقة طبعا- بالديمقراطية الوليدة في المنطقة العربية، ويقدم النظام الانقلابي في مصر تهانيه للشعب التونسي على حسن الاختيار.

فجأة يزور مبعوث العناية الصهيونية تونس من مطار قرطاج ليهنئ الناخب الحداثي بعودة عملاء صهيون إلى قلب الربيع العربي عبر عملائهم في المنطقة. فجأة وبعد فوز "التجمع الدستوري الديمقراطي" أو حزب الهارب بن علي في ثوبه الجديد بأغلبية المقاعد في مجلس الشعب القادم تتوقف العمليات الإرهابية ويخرس صوت الشماريخ وتبدأ آخر فصول الالتفاف على الثورة وعلى دماء الشهداء.

لا ينبني هذا الموقف الذي قد يبدو قاتما على انتماء حزبي أو أيديولوجي خانق ومعطل لكل أدوات التحليل المعرفي تفكيكا وتركيبا بل يتأسس على وعي ثابت بطبيعة الصراع اليوم في تونس وفي كامل المنطقة العربية.

حققت الانتخابات عودة الاستبداد بعد فشل نخب الثلاثي الحاكم في قطع الطريق أمام عودة الدولة العميقة وإخراس أبواقهم الإعلامية التي نجحت في قنص المكاسب الثورية من ذاكرة الجماهير

هو صراع بين إرادة الحياة وبراثن الموت بين الثورة الوليدة والثورة المضادة، هو صراع بين الضحية والجلاد بين البراميل القومجية وأجساد أطفال المدارس في حلب، بين دماء الشباب ونخب العار الوطنية من الكهنة والعجائز والشيوخ وغيرهم ممن باع مبادئ الثورة من أجل مقعد هنا أو بعض فتات هناك.

انتخاب بنكهة الانقلاب
من يستطيع أن ينكر حجم الصدمة والذهول في صفوف الثوريين من الشعب التونسي بعد فوز "حزب التجمع الدستوري الديمقراطي" بنسبة متقدمة في الانتخابات التشريعية الأخيرة. هذا الفوز جاء بعد عودة كل رموز النظام القديم من الخارج وتأسيسهم أحزابا وتيارات سياسية وجمعيات بمباركة حركة النهضة نفسها المحسوبة على التيار الإسلامي.

عاد الجلادون بعد الاعتصامات والإضرابات التي دعت إليها قيادات النقابات العمالية المسلحة بالحقد الشيوعي الأعمى وبسموم التشبيح القومجي المرعب. لقد أشعلت هاته القيادات ما يزيد عن 3000 من أبشع الحرائق الاجتماعية، فأثخنت جسد الاقتصاد الوطني، وأفرغت جيب العامل الفقير المنهك أصلا، وأنهكت وعيه بالمنجز الكبير من أجل أن يكفُر بالثورة وبالثوار، وكان ذلك.

حققت الانتخابات عودة الاستبداد بعد فشل نخب الثلاثي الحاكم في قطع الطريق أمام عودة الدولة العميقة وإخراس أبواقهم الإعلامية التي نجحت في قنص المكاسب الثورية من ذاكرة الجماهير عن طريق طلقاتها اليومية المميتة وغازاتها السامة التي قضت على نشوة التونسيين من الفقراء والمهمشين بالمعجِز الذي حققوا.

ليست الصدمة في فوز هذا الحزب بأغلب المقاعد في الأحياء الراقية والحواضر المترفهة أو كما يسميها التونسيون تندرا "المستوطنات" بل الفوز في المناطق الفقيرة المهمشة الأشبه بالمخيمات في أحزمة الفقر التي تلف أغلب المدن والأرياف التونسية.

الأدهى والأمر هو أن تصوت مدن الشمال الغربي معقل الثورة التونسية لحزب الجلاد والهارب بن علي أي للحزب الذي قتل أبناءهم خلال ثورة 17 ديسمبر الخالدة. انتصار الثورة المضادة من داخل صناديق الاقتراع صفعة كبيرة للثورة والثوار، رغم التجاوزات الكبيرة والتزوير الناعم الذي تخلل العملية الانتخابية في الخارج والداخل والذي تتقنه عصابات بن علي التي لم تهرب معه.

نخب الاستبداد والانقلاب
الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات هو المال السياسي الخليجي الفاسد الذي أحيى الثورة المضادة من رماد واشترى ذمم أغلب النخب المتلحفة برداء الحداثة الزائفة. الفائز الحقيقي هي نخب إعلام العار الوطني الذي مارس لما يزيد عن نصف قرن من الزمان أبشع وسائل التغييب الممنهج والاستئصال المركز لكل شروط الوعي المعرفي بطبائع الاستبداد وجرائمه بل زيّن كل المذابح التي ارتكبها النظام في حق القيم العربية الإسلامية وشبكات التعليم والتربية والنمو الاقتصادي والوعي الجماعي.
الفائز الحقيقي هو بارونات إعلام العار الوطني الذي قصفت مدفعياته الثورة التونسية وعقول البسطاء من التونسيين من أجل أن يكفر المواطن البسيط بالثورة والثوار فيغدو نظام بن علي عهد الأمن والأمان بل حلما يطلب ومنوالا يستحضر.

ستبقى دماء الشهداء وصمة عار على جبين كل النخب العربية التي سكتت عن حقهم في القصاص أو في معرفة قاتليهم على الأقل حيث لم يحاسب إلى اليوم مسؤول واحد ممن قتلوا المئات بين مدنيين وأمنيين وعسكريين تونسيين منذ الثورة إلى اليوم من القناصة ومن فرق الموت.

انتصار الثورة المضادة من داخل صناديق الاقتراع صفعة كبيرة للثورة والثوار رغم التجاوزات الكبيرة والتزوير الناعم الذي تخلل العملية الانتخابية في الخارج والداخل والذي تتقنه عصابات بن علي التي لم تهرب معه

اليوم ما زال الصراع على أشده بين نخب الدولة العميقة وهي تحيي رأس الاستبداد وبين النفس الثوري الذي تنكرت له أغلب النخب السياسية التونسية باستثناءات قليلة جدا.

الصدمة حدثت كذلك بفعل الصمت المتواطئ لنخب العار الوطنية والعربية التي باركت الانتقال الديمقراطي في تونس على جماجم الشهداء بعد أن باركت الانقلاب المصري بصمتها المشارك في جريمة القرن، وها هي اليوم تركل بسكوتها الفاضح عن جثث الأطفال في سوريا دفاعا عن "سيد المقاومة".

الرماديون من النخب العربية البائسة أسرعوا كعادة خطابهم المتهافت أبدا مباركين الديمقراطية الوليدة وهم يقارنون في لاوعيهم المتكلس بين المنوال التونسي وبقية منوالات الموت في المنطقة العربية.

الرماديون فقدوا سندهم الرئيسي قبل الثورات العربية بعد أن كانوا يقتاتون على معارضته ويعيشون في كنفه وجاءت نسائم الربيع بما لا يشتهون فحاربوها رافعين فزاعة الإرهاب وهم صانعوه.

الرماديون ممن سكتوا دهرا على جرائم الاستبداد العربي وشاركوا في نحت أصنام الزعيم الأوحد وأثثوا بها معبد الطغاة هم أشد خطرا على الأمة من الاستبداد نفسه إنهم حقا صهاينة عرب.

ألم تنعت أقلامهم المأجورة في لندن وغيرها من العواصم العالمية الشعب الليبي العظيم بالتخلف وبأن ثورة 17 فبراير المجيدة هي ثورة الناتو بعد أن هددت ثورة الليبيين فُتات الكعك الذي يرمي به الطاغية إليهم؟

ألم يكتب كبير كهنة الإعلام المصري بيان انقلاب العسكر على ثورة 25 يناير العظيمة بعد أن صدّع رؤوس أجيال كاملة بقصصه الصبيانية وخرافاته البائسة مع الرؤساء والملوك؟

النهضة ومبادئ الثورة
حركة النهضة "الجماعة" هي المستفيد الأكبر من الثورة أولا ومن الانتخابات ثانيا، فقد مكنت دماء شهداء ثورة 17 ديسمبر الخالدة من تحرير قيادات الحركة وعودتهم من المنافي بأقل التكاليف ودون صدام مع بن علي ونظامه. هذا الحدث هو أكبر هبة في تاريخ الحركة الإسلامية في تونس بل هو معجزة المعجزات أو هي "الثورة المباركة" كما يقول قادة الحركة التي أنجزت ما عجزوا هم عن تحقيق جزء يسير منه خلال عقود من الصدام مع السلطة.

ثم إن قراءة لا وعي الحركة منذ صراعها المبكر مع السلطة في محطاته الكبرى أي مع الدكتاتور المتنور الحبيب بورقيبة خلال صيف 1981 ومع الدكتاتور الشُرطي بن علي خلال سنوات 1989-1992 تعكس معطى أساسيا، وهو عدم ثقة قيادة الجماعة في الشارع التونسي الذي لم ينجرّ إلى مواجهاتها الدامية مع نظام الاستبداد. هذا الرفض الشعبي الصائب كان مكلفا للجماعة، لكنه أنقذ تونس من استنساخ السيناريو الجزائري في التسعينيات والسقوط في حمام الدم.

اليوم لا تعول الجماعة على الشارع، بل تستمد قوتها من قاعدتها الانتخابية المنضبطة، وهو ما يفسر حصولها على نفس الأصوات تقريبا خلال انتخابات الأمس وانتخابات 2011. اليوم تحتفل الحركة "بانتصار الجماعة" لا "بانتصار الثورة" تحتفل بترسخ قدمها في المشهد السياسي التونسي وتحتفل بأنها الحزب الإسلامي الوحيد الموجود فعلا داخل منظومة الحكم في كامل المنطقة العربية.

لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن الجماعة هي من أعاد النظام القديم إلى السلطة عبر الصناديق هذه المرة عندما أعلن قياديوها أن الإقصاء السياسي وقانون العزل والمحاسبة وتحصين الثورة ليست من شيم الديمقراطيين وأن من شاء أن يعزل فعليه بالصندوق وهي مع ذلك تدرك أمرين.

ما نراه اليوم من تحالف مريب بين أعداء الأمس على حساب الثورة والشهداء يلخصه لقاء باريس الشهير بين مرشد الحركة من ناحية ونائب بن علي في تونس من ناحية أخرى، أما الصدفة الغريبة فهي أن يحل راعي هذا اللقاء ثالثا في الانتخابات

الأول: أن عصابات النظام القديم تتقن جيدا تزييف الانتخابات سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عن طريق المال السياسي الخليجي وعن طريق اختراق الوعي الانتخابي عبر منصات إعلام العار الملوحة بفزاعة الإرهاب وبخطورة الإمارات الإسلامية الناشئة مثل إمارة "سجنان" من ولاية بنزرت والتي صوتت ويا للعجب لصالح حزب التجمع.

الثاني: أن الجماعة على وعي تام بأن تمرير قانون العزل يعني انفجار الإرهاب الصناعي ومنع البلاد من بلوغ مرحلة الانتخابات جملة، لأن الوطن تحكمه فعلا أياد خارجية، لهذا فهي مستعدة للتضحية بالثورة إن لزم الأمر، لكنها ترفض التضحية بالسلطة أي بالكرسي وبمشروع الجماعة ولو كلفها ذلك التحالف مع نظام السفاح بن علي.

ما نراه اليوم من تحالف مريب بين أعداء الأمس على حساب الثورة والشهداء يلخصه لقاء باريس الشهير بين مرشد الحركة من ناحية ونائب بن علي في تونس من ناحية أخرى، أما الصدفة الغريبة فهي أن يحل راعي هذا اللقاء ثالثا في الانتخابات التشريعية.

يسقط جلاد الشعب
"يسقط حزب الدستور يسقط جلاد الشعب" هكذا غنى شباب الثورة في فجرها، فربط الشعار بين جلاد الشعب وحزب الدستور سواء في نسخته الأولى أو الثانية. رفض الثوار إذن مصافحة اليد الملطخة بدماء الشهداء والتحالف مع جلاد الشعب، وهم يخشون غدا أن تشمل صفقة النهضة مع الجلاد رئاسة الجمهورية لتصفية الإرث الثوري نهائيا، فتكون الحركة قد دقت أول المسامير في نعشها.

اليوم عندما يعجز رئيس الجمهورية عن حجز دقائق في منصات إعلام العار الوطني والعمومي، فيخاطب التونسيين عبر تسجيل فيديو من داخل القصر الرئاسي فاعلم أن الثورة المضادة قد أمسكت بكل مفاصل الدولة وأن الشعب التونسي الثائر أو ما بقي منه إنما يوجد اليوم أمام خيارين.

إمّا مساندة الرئيس المنتخب وإنقاذ الثورة سواء اتفقنا مع الدكتور المرزوقي أو اختلفنا، وهو أمر يشمل قواعد النهضة التي لم تتنكر بعد للثورة. أو الرضى بالأمر الواقع والتضحية بآخر القلاع التي استقبلت قادة المقاومة الفلسطينية ثم إعادة انتخاب "عصابة السرّاق" والاستعداد بعد ذلك لاستقبال الوزير الصهيوني نتنياهو شخصيا خلال أيام عبر مطار قرطاج فيمر على البساط الأحمر حمرة دماد الشهداء الذين قتلتهم يد العصابة نفسها هنا وفي غزة هناك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك