يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي


قد يكون مصطلح "الدولة العميقة" قديم النشأة، مؤصلا ومؤسسا له بعلم السياسة والاجتماع وبنظريات أصول الحكم. وقد يكون من تلك المصطلحات التي يستبطنها المجتمع، أيا تكن طبيعة هذا المجتمع، ويعبر عنها تلقائيا بتعيين هذه الجهة النافذة في الدولة، أو بالإشارة إلى تلك المجموعة ذات النفوذ الواسع لدى هذا النظام السياسي أو ذاك.

-1-

ومع أن رأي الشعب يبقى في الغالب الأعم انطباعا مبنيا على أحكام قيمة مسبقة، قد لا تصيب عين الصواب دائما، فإن رأيه في هذه "النازلة" لا يجانب كثيرا مجريات واقع الحال، لا سيما عندما يشير جهارة إلى ثروة رأس الدولة، أو إلى غنائم رجال الأعمال الملتفين حوله، أو إلى امتيازات البيروقراطية العليا، أو إلى المأذونيات الموزعة لاستغلال المناجم والمقالع وأعالي البحار، أو إلى احتكار المناصب العليا، المدنية والعسكرية، وحصرها في الموالين والمريدين.. وهكذا.

هذا واقع قائم وثابت منذ زمن بعيد وبمعظم الدول العربية، لدرجة بدت معها مكونات "الدولة العميقة" وكأنها البنية التحتية، المادية والرمزية، التي لا يمكن لبنيان الدولة بغيابها أن يقوم، فما بالك أن يستمر ويستقيم. وبدا معها الشعب "متعايشا تعايشا قسريا"، بحكم امتلاك ذات الدولة لكل وسائل العنف الشرعي، الخشن منه وأيضا الناعم على حد سواء، بل يبدو مرتهنا لها، على اعتبار تمكنها من كل مفاصل السياسة والاقتصاد والإعلام والدين.

وإذا كانت الظاهرة التي تعبر عنها "الدولة العميقة"، شكلا ومضمونا، قديمة ومستبطنة بالمخيال الجمعي العام، فإن المصطلح الذي يحيل عليها، لم يعرف الرواج الجماهيري الواسع إلا في ظل انتفاضات الربيع العربي، أو لنقل للتدقيق، في أعقاب بدايات انحساره وتراجعات مده الأولى.

يعبر مصطلح "الدولة العميقة" عن ذلك التحالف العميق الذي يجمع من بين ظهرانيه بنيات الدولة المختلفة، من مركب إداري وسياسي وإعلامي ومؤسسة عسكرية واستخبارات وقضاء ومثقفين ورجال دين

يعبر مصطلح "الدولة العميقة" عن ذلك التحالف العميق الذي يجمع من بين ظهرانيه بنيات الدولة المختلفة، من مركب إداري وسياسي وإعلامي ومؤسسة عسكرية واستخبارات وقضاء ومثقفين ورجال دين.. يجمعهم جميعا حول "رابطة" واحدة منطلقها ومؤداها: الإبقاء على مصالحهم وامتيازاتهم الخاصة، واستثناؤهم من أية محاسبة أو مساءلة، ثم عدم تعرضهم لأية متابعة قضائية إن اهتز النظام القائم، أو استجدت أحداث من شأنها زعزعة المنظومة.

ويعبر المصطلح أيضا عن الطبيعة الشبكية لهذه الدولة، إذ تبدو هذه الأخيرة على شاكلة بناء شبكي متراص، يتكون من العناصر الرفيعة في النظام، تجمعها مصالح اقتصادية ومشاريع تجارية ومالية، وعلاقات اجتماعية وعائلية، وطقوس احتفالية، وانتماءات طائفية وما سواها.

إنها ليست دولة داخل الدولة. إنها الدولة ذاتها، بتراتبيتها المؤسساتية، وبتنظيمها العمودي والأفقي، وبأجهزتها في القمع والإكراه، وبأدواتها في التجسس والتضليل، وبأطرها الإعلامية والثقافية والدينية، التي تبني لها الشرعية وتزين لها السلوك.

هي تركيبة معقدة ومتداخلة أشد ما يكون التداخل، لا تترك مجالا أو فضاء (سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو فنيا أو رياضيا) إلا غزته واكتسحته، لا يفلت من عقالها إلا زاهد في الدنيا، أو شارد غير مبال، أو محاصر لا قدرة لديه على القول فما بالك بالفعل.

ولذلك، فإن اختراقها أمر متعذر لدرجة الاستحالة، وتفجيرها من الداخل أمر محفوف بالمجازفة وبالمخاطر، إذ قد يتفتت بجريرتها كيان الدولة بالجملة والتفصيل. فلو سلمنا مثلا بإمكانية العصف برأس الدولة وحاشيته في انقلاب عسكري، "سلمي" أو دموي، فإن ذلك لن يؤذي المنظومة، ولا من شأنه أن يقوض النظام، وذلك لسببين اثنين:

- الأول لأن المؤسسة العسكرية هي أصلا إفراز النظام وصنيعة المنظومة. إنها مكون من مكونات الشبكة، حتى وإن تصدرت بعد انقلابها واجهة ذات النظام، أو مقدمة ذات المنظومة.

- والثاني لأن العملية، عملية الانقلاب، أتت من داخل النسق وليس من خارجه. لذلك، فهي لم تلجأ إلى العملية إياها إلا بغرض إعادة ضبط إيقاعه (النسق أقصد)، بعدما يكون قد أصابه الوهن، أو تراجعت الرابطة التي أشرنا إليها من قبل، أو اشتدت الطموحات الفردية بداخله.

الانقلاب العسكري هنا ليس انقلابا على الدولة العميقة، إنه مجرد إعادة بناء وترتيب لعناصر المنظومة القائمة، دون المس بطبيعة أركانها، أو بالوضعية المادية والاعتبارية التي يتمتعون بها.

قد يختلف أمر الانقلاب في حالتي الانتفاضة أو الثورة من حيث الدرجة، لكنه لا يختلف معهما كثيرا من حيث الطبيعة، إذ لو تسنى لمكون من مكونات الدولة العميقة أن يتوارى مؤقتا، فإنه سرعان ما يعد العدة للعودة بقوة، إما من خلال تلغيم "المؤسسات الجديدة"، وتشديد الخناق عليها إلى حين تهاويها، وإما عبر القبول بها كأمر واقع، لكن مع عدم الانصياع لقوانينها، والعمل على حصر مفعول هذه الأخيرة في حده الأدنى.

-2-

ليست الدولة العميقة دولة داخل الدولة، إنها الدولة ذاتها، بتراتبيتها المؤسساتية، وبتنظيمها العمودي والأفقي، وبأجهزتها في القمع والإكراه، وبأدواتها في التجسس والتضليل، وبأطرها الإعلامية والثقافية والدينية، التي تبني لها الشرعية وتزين لها السلوك

لم يكن ما يسمى بالربيع العربي انقلابا عسكريا ولا ثورة دموية، قضى بجريرتها بشر، أو دمر في أعقابها حجر، أو أحرق بسببها شجر. إنما كانت انتفاضات جماهيرية، أخذت شكل اعتصامات ضخمة بالميادين والساحات العمومية، اضطرت رئيسا إلى الهرب، ودفعت آخر إلى الاستقالة، وأدت بثالث إلى التهلكة بعد كبير مكابرة، وأقصت عن الحكم آخر، بضمانات حصانة ضد المتابعة.. وهكذا.

ومع أن سياق انفجار هذه الانتفاضات كان واحدا، والظروف التي أدت إليها متشابهة، فإن ما ترتب عنها، على مستوى دور وأداء "الدولة العميقة"، لم يختلف كثيرا بين دولة وأخرى، اللهم إلا بالنسبة لتونس، حيث أديرت مرحلة ما بعد الربيع العربي بمرونة وتقدير موقف، وبالنسبة لليبيا حيث البلد في شبه حرب أهلية بين الفصائل والمليشيات. بقيت إذن حالتا اليمن ومصر، دع عنك سوريا حيث الكل مع الكل ضد الكل، في حرب اختلط من بين أضلعها مطلب التحرير بمطلب محاربة الإرهاب، بحسابات ترتيب شكل المنطقة برمتها:

- ففي مصر، بدأت "الدولة العميقة" تشتغل وبقوة منذ نجاح الرئيس محمد مرسي في الانتخابات، ولربما قبلما يبدأ في مباشرة مهامه، أي حينما دفع بأحمد شفيق (من لدن الدولة العميقة) لينافسه في انتخابات كان قاب قوسين أو أدنى من كسبها، لولا "وهج الميادين" الذي أضاع عليه بعض آلاف من الأصوات.

وعلى الرغم من أن لا أحد بمصر كان يزايد على محمد مرسي الشرعية الشعبية التي منحتها إياه صناديق الاقتراع، ولا الشرعية الدستورية التي اكتسبها بمجرد أدائه اليمين أمام المحكمة الدستورية، فإن الدولة العميقة لم تغفر له بعض أخطاء الممارسة (بحكم غياب التمرس)، فحولتها بدهاء منقطع النظير إلى خطايا، ركبت ناصيتها، وأججتها، ونفخت فيها من روحها، لتصب مباشرة في معين انقلاب عسكري، زج برئيس منتخب وأعوانه وأعضاء حزبه وجماعته في غياهب السجون، ودهاليز محاكمات مهينة، ومشينة، لا تليق بحضارة علمت الحضارات الأخرى تقنيات التحنيط وفنون الرسم على الصخر.

ومن المفارقات الغريبة أن قائد الانقلاب قد أعلن عن حركته (قلب نظام مرسي) وهو محاط بكل مكونات الدولة العميقة (وضمنها مؤسستا القضاء والأزهر تحديدا)، ثم تحايل على الشارع، في عملية شيطنة إعلامية ضخمة لغرمائه، ليصبح بأمر الواقع رئيسا للدولة.. الدولة العميقة، بكل مكوناتها الأصل، المدنية والعسكرية، الدينية والدنيوية على حد سواء.

لم ينحصر عنف هذه الدولة، وقد استردت مشروعيتها وشرعيتها وبعضا من عافيتها، عند هذا الحد، بل أمعنت في تدمير كل من تجرأ عليها وأقصاها من المشهد، فعمدت إلى حل جماعة الإخوان المسلمين، ثم صنفتها ضمن "المنظمات الإرهابية"، ثم أشرت (من التأشير) للقضاء بألا تأخذه رحمة أو لين أو شفقة بأعضائها، في حين أسندت لرجال الدين، ثم للإعلام، ثم "للمثقفين" مهمة تشويه صورتها، وتبيان خطرها، ومدى فظاعة ما كانت تراهن عليه أو مقبلة عليه، في مشهد يوحي ولكأننا بإزاء "ثيولوجيا الخلاص" التي لطالما دفع بها المبشرون الإنجيليكانيون.

كل أجهزة الدولة العميقة انتعشت إذن في ظل الوضع الجديد، الأجهزة الخشنة والناعمة سواء بسواء، فسن تقليد من حينه، مفاده أن من لا يساند ما بدر منها، فهو ضده، أي مناهض له، وبالتالي وجب تصنيفه في خانة الخائن، تماما كما يصنف المرء مرتدا لمجرد أنه نسي الشهادة أو نسي شروط الدين.

- أما في اليمن، حيث الاقتتال على أشده منذ بداية الحراك أواسط العام 2011، فإن الأمر لا يختلف كثيرا عما جرى بمصر، اللهم إلا تعويض الرئيس بنائب الرئيس، مع تأمين حصانة تامة للأول، والتزام خطي من الثاني بألا يعمد إلى تفعيل المتابعة في حق شخص كان رئيسه المباشر لحيز من الزمن قبل الانتفاضة الشعبية.

العطب الذي أصاب التجربتين لا يتمثل فقط في عدم تقدير قوة "الدولة العميقة" بجهة مهادنتها، ثم استيعابها ولو مؤقتا، لحين توفير بدائل عنها، بل أيضا في استفزازها ومواجهتها والبدء في إجراءات محاسبتها بأفق متابعتها وسحب امتيازاتها

إن الثابت، في حالة اليمن، إنما هو بقاء الرئيس علي عبد الله صالح (رمز الدولة العميقة) في المشهد، وعلى رأس حزب أسسه وحكم البلاد على أساسه لسنين طويلة، وبقي يديره حتى وهو مقال ومحصن. بالتالي، فإن أحد رموز الدولة العميقة بقي حيا يرزق سياسيا، فبات من الطبيعي والحالة هاته أن يحرك باقي مكونات ذات الدولة (من مؤسسة عسكرية وبيروقراطية إدارية ومؤسسة قضائية ووسائل إعلام ومثقفين وما سواهم)، لإعاقة أداء "النظام الجديد"، أو للضغط عليه، أو للتشويش عليه.

لذلك، تركت الدولة العميقة في اليمن الدولة المركزية تتهاوى، وهيبتها تتلاشى وتتوارى أمام عبث المليشيات من كل صوب وحدب، وعجز رئيس يضغط عليه من فوق من لدن أحزاب ومجموعات مسلحة، ومن تحت من لدن دولة عميقة، لا تزال العديد من خيوط اللعبة بين يديها.

-3-

هذان النموذجان (نموذج مصر ونموذج اليمن) إنما يبينان وبقوة مخاض انتقال دول وشعوب من حالة نظام تمت الانتفاضة عليه، إلى حالة نظام تم القبول به بالصناديق، أو تم التوافق بشأنه، على الأقل إلى حين انصرام القديم وتجذر الجديد.

ويبدو من الحالتين معا أن ذهاب رأس النظام لا يعني بالضرورة ذهاب المنظومة، كلية أو في بعض مكوناتها، إذ هي (أعني المنظومة) ليست ظاهرة مادية تنتفي بانتفاء بعدها المادي. إنها حالة سوسيولوجية، ثقافية ونفسية، تخضع في جزء كبير منها لمتلازمة ستوكهولم، حيث يتحول الحقد المطلق على الجلاد وبيده السوط، إلى تعاطف معه عندما يغدو عديم الحيلة.

ويبدو لنا، بنهاية هذه الورقة، أن العطب الذي أصاب التجربتين لا يتمثل فقط في عدم تقدير قوة "الدولة العميقة" بجهة مهادنتها، ثم استيعابها ولو مؤقتا، لحين توفير بدائل عنها، بل أيضا في استفزازها ومواجهتها والبدء في إجراءات محاسبتها بأفق متابعتها وسحب امتيازاتها من تحت أقدامها.

ولعل تجربة الجزائر في هذا الباب مفيدة ومليئة بالعبر، إذ لم يعمد الرئيس بوتفليقة إلى مواجهة المؤسسة العسكرية (وهو أحد مؤسسيها زمن بومدين)، بل عمد إلى مهادنتها ومجاراتها، من خلال تعويض رموزها الكبار بالتدريج ودونما إهانتهم، فضمن مساندتها لدرجة ذهبت لحد تزكيته رئيسا وهو مقعد على كرسي متحرك. ما سوى ذلك، يبقى من باب انعدام البصر في التكتيك وضعف البصيرة في الإستراتيجيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك