توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


أول لبنة عملية لإرساء حقوق الإنسان عرفتها البشرية هي ما يسمى بحق المواطنة, وإن لم تسم بذلك في البداية عند تشكل أولى المجاميع البشرية، ولكن جرى توافق عليها فيما بعد، وصارت عرفا بالممارسة، تتعلق بحقوق الفرد ضمن مجموعته البشرية التي توافق له العيش ضمنها ومعها أو اضطر له في بيئة جغرافية محددة.

ومن بعدها ومتأخرا جاءت منظومات حقوق إنسان أوسع وأشمل من حاجات مجموعة من البشر لضمان بقائها ودفاعها عن نفسها, في دعوات لفلاسفة وإصلاحيين, كسقراط الذي اختار الموت على أن يتوقف عن دعوته لحق المعرفة وتفعيل العقل, ومنهم من اعتبر نهجه ديانة قبل الديانات السماوية (كالبوذية)، ومنهم حكام اختاروا -في زمن كان يُعتقد فيه أن الملوك من سلالة الآلهة- أن يكرسوا تلك الحقوق في شرائع زعموا أنها أنزلت عليهم.

وأبرز هؤلاء حمورابي وتشريعاته التي تعتبر أول نص على حقوق المواطنة وحقوق الإنسان, والتي زعم فيها أن إله الشمس سلمها له ولم ينسب فضلها لنفسه كي يستمر تطبيقها بعد وفاته محصنة ما أمكن بقدسية دينية من عبث ملوك يخلفونه.

وشريعة حمورابي ترقى لمرتبة "الدستور" كونه وضع نفسه "كحاكم" دونها, خاضعا ومنفذا لها، ولم يزعم كمعاصريه وأغلب من تلوه أنه من سلالة الآلهة, بل اتخذ اسم "حمورابي" الذي يعني جليس الإله. ولا يفرق شريعة حمورابي عن الدساتير بمفهومها الحديث سوى كونها وحدها "الدستور المنحة" حقيقة, فيما كل ما يزعم أنه كذلك في عصر الدساتير أقرب لمناورةٍ، "المَنْحُ " فيها اسم غير أمين لاحتكار صياغة عقد الحكم من قبل الحكام استباقا لصوغه من قبل الشعب.
وضع الدساتير التي تعالج كل ما ثارت الشعوب عليه, مضافا له السلبيات التي تصاحب أية ثورة وما زيد عليها من تخريب وتدخلات خارجية لشيطنة الثورة وتيئيس أصحابها, هو التحدي الأكبر الذي يواجه العالم العربي في حقبة الربيع
ووضع الدساتير التي تعالج كل ما ثارت الشعوب عليه, مضافا له السلبيات التي تصاحب أية ثورة وما زيد عليها من تخريب وتدخلات خارجية لشيطنة الثورة وتيئيس أصحابها, هو التحدي الأكبر الذي يواجه العالم العربي في حقبة الربيع العربي.

فرغم أن عوامل داخلية أو إقليمية أملت اختلاف "مسارات" ثورات الربيع العربي لحينه, فإن "مآلاتها" كلها لن تخرج عن نواميس التغيير التاريخي الذي يجتاح العالم نتيجة تغيرات علمية وتقنية فرضت عصرا معرفيا جديدا كليا، وإذا كان اختراع القطار, أي جمع السكة الحديدية للمحرك البخاري (الاختراعات كالثورات محصلة جمعية) غيّر وجه العالم فيما سميت ثورة المواصلات, فإن ثورة الاتصالات الرقمية أشبه بـ"خلايا جذعية" في عالم السياسة والاقتصاد ومفهوم الدولة والحكم والعلاقات الأممية, تضع القرن العشرين ما دون القرون الوسطى مقارنة بالقرن الحادي والعشرين.

ولكن هذا لا يمس أهمية "التاريخ"، بل يعززه كون الإنسان هو العنصر الثابت في هذه المتغيرات, بل هو منتجها وموظفها ومستهلكها. والأخير هو التعبير السلبي عن دور الجموع المستهدفة كزبائن لا أكثر لمنتج الاتصال, ولكن طبيعة المنتج المعرفية لا تضمن التحكم بآثاره الذي تبدت على غير ما أمِلت الدول المنتجة والمصدرة له.. ومنها ثورات الربيع العربي.

وفي بقية مقالتنا هذه (ومقالة تالية) سنعقد مقارنات تاريخية أحدث من التجارب المغرقة في القدم المشار لها في بدايته, ونبين علاقتها الموضوعية المتينة بأهم قضايا الربيع العربي, وهي وضع دساتير تركن لها الشعوب وتشرع في البناء عليها.

وحديثنا سيكون عن الدستور التونسي الذي توج أنجح ثورة ربيع عربي لحينه. ولا نزعم أنه دستور كامل صالح لكل الأزمنة والأمكنة. ولكن الشأن الدستوري أصبح علما وتراثا عاما للبشرية, وتصنف الدساتير في مجاميع ومدارس يجري النقل عنها بالتعديل والتصرف اللازمين لظروف واحتياجات كل دولة وشعب. وليس في هذا تبعية، بل توظيف لعلم تحقق كما في حالة العلوم التطبيقية.

الاطلاع والاستفادة من تجارب عربية أنتجت, بعد طول معاناة من أنظمة حكم متشابهة وطول صراع أو تجاذب مع مكونات شعبية وتيارات فكرية ودينية متشابهة لحد بعيد في العالم العربي, أول دستور توافقي قبلت به تلك المكونات مما يجعله تجربة تستحق الدراسة والتمحيص.

فتلك الدراسة توفر الكثير من الجهد على الشباب العربي الذي يقود ربيع شعوبه, وتمنع لحد بعيد تكرار حالات استقطابه بشعارات لا تترجم لنصوص حاكمة, مما أدى لتجارب مريرة في دول كنا نظن أنها أكبر من أن تسقط في منزلقات المبتدئين.. وبدل لعن الظلام الذي لا ينقصه لاعنون, نحاول هنا إضاءة بعض الشموع.

النصوص التشريعية كالكائنات الحية تتطور لتتوافق مع الحاجة والمحيط, ومثلها هي تحمل بذور فنائها فيها. وهذه الحقيقة أنتجت ثوابت في الفكر البشري تجمع على ضرورة استمرار الحياة بتوفير وسائل إطالة مددها وبتجددها.

لهذا نجد أن الدساتير الصالحة (من معالم صلاحها بقاؤها طويلا طوعا) تثبت أحكاما كلية بعينها بجعلها غير قابلة للتعديل, في حين تشرع لكيفية تعديل غيرها من الأحكام المعنية بالتفاصيل والمواكبة للمتغيرات.

والنص على ثوابت في الدساتير يجوز فقط في ما يخدم الشعب وحقوقه، ولا يجوز إن كان يخدم فردا أو فئة على حساب الشعب أو غالبيته. فالأخير يتجاوز وضع قنبلة موقوتة لوضع مادة متفجرة سريعة الاشتعال في أساسات البناء, وهو تحديدا ما حتم تفجر ثورات الربيع العربي وأوجب وضع دساتير جديدة كليا.

النص على ثوابت في الدساتير يجوز فقط في ما يخدم الشعب وحقوقه، ولا يجوز إن كان يخدم فردا أو فئة على حساب الشعب أو غالبيته، فذلك يتجاوز وضع قنبلة موقوتة لوضع مادة متفجرة سريعة الاشتعال في أساسات البناء, وهو تحديدا ما حتم تفجر الثورات

القاعدة في الدساتير هي الثبات، والتعديل هو الاستثناء الذي يجب أن لا يمس المبادئ التي قام عليها الدستور. وفي مقارنة تاريخية تفرض نفسها لكون أثرها حاضر ليومنا هذا, نعرج على الدستور الأميركي الذي أكمل في عامنا هذا قرنين وربع القرن من عمره، وهو دستور وضع إثر ثورة تحرر المستعمرات الأميركية من حكم التاج البريطاني وأسسّ لجمهورية فدرالية في فترة عصيبة كانت مكونات تلك الفدرالية غير متيقن منها, وعلى قدر من الخلافات أدت لـ"حرب" أهلية بالكاد وضعت سلاحها وليس كل أوزارها.

وذلك الدستور الذي أقر عام 1789, لم يدخل عليه ليومنا هذا سوى 27 تعديلا, العشرة الأولى منها أدخلت خلال عامين من إقراره وسميت "تشريعات الحقوق" كونها أضافت حقوقا أساسية للمواطن الأميركي غير قابلة للانتقاص، وليومنا هذا نجد أن السند الدستوري هو ما يُدفع به في المحاكم الأميركية لضمان حقوق المتهم (في الأغلب) بالإشارة لـ "التعديل رقم كذا" (أي التعديل الدستوري) وهو ما يتوجب تذكره عند الحديث عن المحاكم الدستورية في عالمنا العربي وبخاصة تلك التي اجتُرحت نتيجة ثورات ربيعه.

هذا وغيره من الأمثلة تثبت أن قيمة المواطن ذي الحقوق المصونة في بلده والدولة ذات السيادة المستقرة في شعبها ينعكس على الأوزان الإقليمية والدولية.. والأهم أن ثمة علاقة عكسية مؤكدة بين "التنمر" المحلي والثقل والاعتبار الدولي للدول والحكام.

وتحوطا من "التنمر" والعبث بالدستور والانقلاب على مبادئ الدولة التي قامت بعد ما لا يقل عن ثورة شعبية, جرى النص في الدستور التونسي على عدم جواز تعديل الفصلين الأول والثاني من الباب الأول "المبادئ العامة"، اللذين ينصان على أن: "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة, دينها الإسلام والعربية لغتها والجمهورية نظامها", و"تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون".

وقبل بيان أهمية هذا الذي لا يجوز تعديله, نورد أهم ما يليه في باب "المبادئ العامة" مما يكمل صورة تلك المبادئ ويفصل وسائل تطبيقها. وهي تحديدا الفصلين: (3) "الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات يمارسها بواسطة نوابه المنتخبين أو عبر الاستفتاء"، و(6) "الدولة راعية للدين كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية, ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة.. تلتزم الدولة بنشر تعاليم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات.. وبمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف".

وهذا هام للغاية إذ يئد الخلافات بل الاحترابات الدينية والطائفية والعنف الذي يصل حد القتل الممارس بذريعة التكفير!

وبهذا لم تخلع تونس لا عروبتها (فصل آخر يؤكد أنها جزء من المغرب العربي وتسعى لوحدته) ولا إسلامها. فالإسلام تحديدا يقوم على حرية العقيدة المؤكد عليها في آيات عدة, ولكن أهمها ما خاطب به الخالق جل جلاله آخر رسله مباشرة بقوله تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (سورة يونس، الآية 99).

وما لا يتاح لآخر الرسل, بل وما تمثل ممارسته تحديا لمشيئة الله, لا يتاح حتما لغيره من بعده مهما كانت الأسماء التي تسمى بها من خليفة لمفت لفقيه لشيخ.. وكلها تسميات استحدثت فيما بعد ولم ينص عليها في القرآن الكريم.

وبالنسبة لعروبة تونس, التحوط بمعيار المواطنة ليس فقط لكون تيارات متطرفة استجدت كـ"القاعدة " و"داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) تفسر أممية الإسلام كنقيض لعروبة الدولة المسلمة على أرض عربية وفي "عالم عربي" بنظر أهله والعالم كله.. بل تبدى قبل هذا في تناقض افترضه إسلاميون في مواجهة التيار القومي على امتداد أكثر من قرن، وأضر بالعالم العربي بأوجه عدة أولها قسمة جماهيره الحدية بين إسلامي وقومي. وثانيها الذي لا يقل خطرا وصل بعضه لمحاولة تغريب واستعداء الأقليات العرقية التي تعتبر العروبة هويتها السياسية, تجلى بإنكار هذا عليهم ومحاولة ربط حق مواطنتهم بقبولهم التبعية أو الخضوع للإسلام السياسي.

تحوّط الدستور التونسي من خرق الدستور بالقوانين بنصه على أن القانون لا يجوز أن ينال من جوهر الحقوق، ولا يضبطها إلا بالقدر الذي تمليه ضرورات مثل حقوق الآخرين والدفاع الوطني والأمن العام والآداب العامة

في حين أن تاريخ نهضة العالم العربي وثورات تحريره التي قادها المد القومي تحديدا تزخر بأسماء تؤشر صراحة على أصول غير عربية لم تستوقف أحدا من قبل. ولكن هذا الإلزام بالتبعية تحت ذريعة التخيير والذي نجده يتنامى الآن صراحة, مضافا له قيام بعض الأنظمة "العربية", مدعومة بقوى استعمارية, بتكريس وتسييس هويات عرقية ودينية وطائفية في سياسة فرّق تسد, بات أحد مصادر الخطر الداخلي بدرجة توجب التحوط الذي جرى في الدستور التونسي.

وبعد تكريس كون الشعب "صاحب السيادة ومصدر السلطات", تأتي حقوق المواطنة وحقوق الإنسان في باب "الحريات والحقوق" ويُنص على تنظيمها بقوانين. وهذا النص روتيني يرد في كافة الدساتير ومنها الدستور الأردني. ولكن الدستور الأردني يقف كمثال على استغلال عبارة تنظيم الحق بقانون ليأتي القانون مصادرا للحق. ووصل الأمر لتعزيز تلك المصادرة للحق بتعديل الدستور ذاته مرارا!

ولهذا, حين وُضع الدستور القُطري مستندا لنصوص دستورية أقر بها الدستور الأردني, جرى التحوط من هذا بأن نصّ على عدم جواز أي تعديل للدستور ينتقص من حقوق المواطنين الواردة فيه.

والدستور التونسي تحوّط في الفصل الأخير من باب "الحريات والحقوق" من خرق الدستور بالقوانين بنصه على أن القانون لا يجوز أن ينال من جوهر الحقوق ولا يضبطها إلا بالقدر الذي تمليه ضرورات مثل حقوق الآخرين والدفاع الوطني والأمن العام والآداب العامة, واحترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها.

ويختم الفصل بقوله "لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات وحقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور".

ولهذه العبارة الختامية أهمية أبعد, وذلك لكون الفصل (20) الذي يختم باب "المبادئ العامة" نص على أن "المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها أعلى من القوانين وأدنى من الدستور".. أي أن ما تنص عليه المعاهدات والمواثيق الدولية المصادق عليها من حقوق وحريات, أصبحت مما "يضمنه" هذا الدستور وتتوجب قوننته, ولا يجوز تعديل الدستور للانتقاص منها. وللحديث بقية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك