عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث من سوريا، من مواليد حلب 1956، مقيم في دمشق، ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


حيثيات المبادرة
موقف المعارضة
محاولات التعويم

أثار كلام المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا عن خطة طرحها خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق تقضي بوقف إطلاق نار جزئي من خلال البدء في "تجميد المعارك بحلب" العديد من ردود الفعل المؤيدة والمعارضة لمقترحه.

فقد تحدث دي مستورا نفسه عن موقف إيجابي من طرف بشار الأسد يتلخص في استعداده لدراسة الخطة والعمل عليها. بالمقابل، لم يعترض عليها المجلس العسكري في مدينة حلب، بل وضع شروطا للموافقة عليها، فيما تحفظ عليها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ورفضها عدد من الفصائل العسكرية المعارضة.

حيثيات المبادرة
تأتي الخطة التي تحدث عنها دي مستورا ضمن مبادرة تهدف إلى وقف القتال المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات في سوريا قدمها إلى مجلس الأمن في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتقوم على فكرة إنشاء "منطقة خالية من الصراع" يمكن أن يبدأ تطبيقها من خلال تجميد القتال في مدينة حلب، وبقاء كل طرف في موقعه الحالي بهدف إيجاد شكل من أشكال الاستقرار.

يبدو أن دي مستورا يستغل انشغال وتركيز المجتمع الدولي على حرب تنظيم الدولة الإسلامية كي يسهم في تحويل كل الجهود نحو هذه الحرب، بمعنى أنه يسعى لتركيز جهود المعارضة والنظام في الحرب ضد داعش

وفي حال نجاح عملية التجميد فإنها ستشكل حجر الأساس للمزيد من العمليات والخطط المماثلة، على أن يتم خلال فترة التجميد السماح بنقل مساعدات إنسانية وغذائية للمناطق المحاصرة والتمهيد لمفاوضات بين النظام والمعارضة.

ويبدو أن دي مستورا يستغل انشغال وتركيز المجتمع الدولي على حربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كي يسهم في تحويل كل الجهود نحو هذه الحرب، بمعنى أنه يسعى لتركيز جهود المعارضة والنظام في الحرب ضد داعش.

لكن ما يسكت ويتعامى عنه المبعوث الدولي هو أن أي حل في سوريا يجب أن ينهي الظلم الذي وقع على السوريين من قبل نظام بشار الأسد، وأن هذا النظام الظالم لم يخض أي معركة حقيقية ضد ظلم داعش، بل إنه حين كانت فصائل من الجيش الحر تخوض معارك ضد هذا التنظيم كانت طائراته تقدم الإسناد والعون له من خلال قصف مواقع المعارضة السورية بالصواريخ والبراميل المتفجرة، بل والأدهى من ذلك هو أن نظام الأسد سهل لتنظيم داعش سيطرته على العديد من المواقع، خاصة في الرقة وريف حلب، في حين أنه كان يدافع عنها بشراسة عندما كانت فصائل الجيش الحر تهاجمها.

وفي هذا السياق، يتساءل سوريون ومراقبون عن عدم اصطدام طيران النظام مع طيران التحالف، ذلك أنه لا يقصف مناطق انتشار داعش فقط، بل أيضا المدن والمناطق الخاضعة لسيطرة فصائل الجيش السوري الحر، الأمر الذي لا يجد تفسيره إلا في وجود تنسيق مسبق غير معلن يقتسم فيه الطرفان الأجواء السورية.

ولأجل ذلك يخشون من أن تكون مبادرة دي مستورا تصب في سياق رفع مستوى التنسيق مع نظام الأسد إلى مستوى تعويمه وإعادة تأهيله من خلال إعادة الاعتراف الدولي به، وجعله شريكا في الحرب على داعش على الرغم من حديث المسؤولين الأميركيين المعلن عن عدم شرعيته وعدم التنسيق معه في حرب التحالف الدولي ضد داعش.

غير أن التساؤل عن حيثيات مبادرة دي مستورا يمتد إلى أسباب اختيار مدينة حلب نفسها، والتي أجاب عن بعضها دي مستورا نفسه، وأرجعها إلى كون المدينة واقعة "تحت الضغوط منذ أعوام وفي نزاع مستمر"، خاصة بعد أن أعرب عن صدمته من الدمار الهائل الذي رآه خلال زيارته مدينة حمص، ولا يريد "أن يحصل ذلك في حلب".

لكن السبب الأساس لاختيار حلب يكمن في وجود مخاوف من هجوم قريب لـ"داعش" على هذه المدينة على غرار ما حدث لمدينة الرقة نظرا لموقعها الإستراتيجي، وليس لأنها "مدينة ترمز إلى الحضارة والأديان والثقافات السورية والتاريخ والحضارات المتعددة"، إذ يعلم القاصي والداني أن أحياء عديدة من هذه المدينة العريقة والتاريخية حولها النظام الأسدي إلى مناطق أشباح، حيث أمعن في قصفها بمختلف أنواع الأسلحة والطائرات والبراميل المتفجرة، وعمل على تدمير أسواقها ومعالمها القديمة على مرأى العالم كله، ولم تشر مبادرة دي مستورا إلى حجم الخراب الذي سببه النظام.

موقف المعارضة
صدرت مواقف متباينة حيال المبادرة من طرف المعارضة السورية -بشقيها السياسي والعسكري- الأمر الذي عكس تشرذمها وانقسامها، حيث اعتبر رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية هادي البحرة المبادرة "غير واضحة"، معتبرا أن "الحل لا بد أن يكون شاملا"، وأنها لن تفيد سوى نظام الأسد إلا إذا ترافقت مع حل سياسي شامل.

يظهر من تصريحات دي مستورا أن مبادرته حتى وإن نفذت -وهو أمر مستبعد في المدى القريب على الأقل- فإنها لا تشكل إلا خطوة أولية، وليست حلا سياسيا، ولا ترتقي إلى خطة سلام قادرة على إنهاء معاناة السوريين



أما رئيس "المجلس العسكري في حلب" التابع للجيش السوري الحر العميد زاهر الساكت فقد حدد أربعة شروط للتهدئة في المدينة تتلخص في خروج المليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام، ووقف القصف الجوي وإلقاء البراميل على أحيائها، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي ضد السكان المدنيين في غوطة دمشق وغيرها.

ويظهر من تصريحات دي مستورا أن مبادرته حتى وإن نفذت -وهو أمر مستبعد في المدى القريب على الأقل- فإنها لا تشكل إلا خطوة أولية، وليست حلا سياسيا، ولا ترتقي إلى خطة سلام قادرة على إنهاء معاناة السوريين.

وتزداد مخاوف السوريين من أن المبادرة لا تتضمن رؤية سياسية لحل الأزمة، إنما تتحدث عن تجميد القتال في مدينة حلب فقط، ولا تمتد على كامل مناطق المحافظة نفسها، والهدف منها هو حرف الصراع، وتحويل وجهته نحو محاربة داعش ودحره على الأرض، في حين أن مقاتلي الجيش السوري الحر وجميع "المعتدلين" يرون في النظام خطرا إلى جانب داعش، ويساوون بين النظام وبينه، بل ويعتبرونه صنيعته ولن يتوقفوا عن محاربته.

وتثير تعقيدات الوضع في سوريا التباسا لدى دي مستورا يخص فهم التطورات الحاصلة فيها، حيث إن مبادرته لا تأخذ معاناة السوريين في الحسبان، ولا تضعها ضمن حساباتها، فالسوريون -معارضة سياسية أو عسكرية- لم يستشاروا في وضع عناصر خطته، وكل ما عليهم هو تنفيذ ما يريده المبعوث الأممي الذي يقول لهم "ليست لدينا خطة للعمل، أوقفوا القتال وقلصوا العنف" دون أي مقابل، عليكم تغيير وجهة بنادقهم من النظام إلى داعش.

محاولات التعويم
تلتقي مبادرة دي مستورا مع محاولات روسيا الوقوف في وجه أي حل يفضي إلى نهاية نظام الأسد، لذلك تسعى جاهدة إلى إعادة تأهيل النظام من خلال مبادرتها إلى لقاء بعض رموز المعارضة السورية، حيث استقبلت مؤخرا وفدا برئاسة أحمد معاذ الخطيب الذي اندفع في تقدير إرهاصات زيارته إلى موسكو، وراح يحلم بأن شمس الخلاص السوري قد تشرق من موسكو، وهذا مستحيل لأن قادة الكرملين شركاء نظام الأسد في حربه الكارثية ضد أغلبية الشعب السوري.

وإذا كان الروس قد أعلنوا لزوارهم في أكثر من مناسبة أن المسار السياسي لحل الأزمة يجب أن يسير بالتوازي مع مسألة محاربة الإرهاب التي تدندن عليه الدول فإن ذلك يلتقي تماما مع ما ترمي إليه مبادرة دي مستورا، ومع جهود مصرية خجولة هدفها أيضا إعادة تأهيل نظام الأسد عبر إدخاله في مفاوضات ترمي إلى إعادة الاعتراف به، وتوحيد الجهود لمحاربة داعش.

لم يقرأ دي مستورا درس مفاوضات جنيف الذي أظهر للعالم أن النظام السوري لم يرسل وفده للتفاوض، بل لكي يراوغ ويماطل، ويحاول تحويل قطار التفاوض عن سكة الحل السياسي إلى سكة محاربة فصائل المعارضة المسلحة

كل هذه المحاولات لإعادة تأهيل الأسد وتعويمه تُجرى في وقت استفاق فيه الرئيس أوباما من غفوته، ليطلب من مستشاريه مراجعة الإستراتيجية الأميركية في سوريا بعد أن لامس آفاق الحل في سوريا والذي يقضي بأن "إزاحة الأسد ضرورية لهزيمة داعش"، الأمر الذي يتطلب ضرب أساس التزامه في الشرق الأوسط المتعلق بالحرب ضد الإرهاب، والقائم على الفصل بينها وبين ضرب نظام الأسد، وعلى مقولة تفيد بأن حل الأزمة السورية لا يمكن أن يكون عسكريا، وإنما من خلال تسوية سياسية.

وعلى أساس هذا الفهم أخلت إدارته بوعودها والتزاماتها خلال أكثر من ثلاث سنوات مضت من عمر الثورة السورية حيال الشعب السوري، وحيال المعارضة وباتت فاقدة ضميرها الإنساني.

ويبقى أن المبعوث الدولي دي مستورا لم يقرأ درس مفاوضات جنيف الذي أظهر للعالم أن النظام السوري لم يرسل وفده للتفاوض بل لكي يراوغ ويماطل، ويحاول تحويل قطار التفاوض عن سكة الحل السياسي إلى سكة محاربة فصائل المعارضة المسلحة وتدمير الحاضنة الشعبية للثورة.

ويكشف واقع الحال أنه لا يمكن لمبادرة دي مستورا أن تعالج الكارثة التي أصابت السوريين لأنها لا تنظر في مسبباتها، وتتغاضى عن الحرب الشاملة التي بدأها النظام الأسدي ضد أغلبيتهم منذ اندلاع الثورة السورية.

كما لا يمكن لعاقل أن يختصر الكارثة السورية بمسألة إرهاب مدعوم عربيا ودوليا إلا إذا صدقنا أن النظام يمكن أن يتحول من قاتل دمر أحياء معظم المدن والبلدات السورية وهجر ملايين السوريين إلى ضحية وديعة تدافع عن أغلبية السوريين الذين تحولوا -وفق هذا المنطق- من ضحايا نظام ظالم ودكتاتوري إلى مجرمين وإرهابيين يستحقون القتل والإبادة والتشريد.

وبالتالي، فإن العنف هو العلاج الوحيد لسلوكهم الإجرامي بغية استعادة أمن البلاد واستقرارها، وإعادة الجميع إلى مظلة النظام الظالم الجاثم على صدور السوريين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، وهو أمر لا يمكن أن يحصل مهما كثرت المبادرات، لأن السبيل الوحيد هو إنهاء حكم الأسد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك