محفوظ عمارة وبرخا غارسيا

جغرافيا سياسية لكرة القدم
نفوذ وخلفيات الكرة الدولية
خلاصات

بعد تحقيقات مطولة بشأن شبهات فساد في ملفات تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2018 و2022 نشرت أخيرا نتائج تحقيقات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في هذه القضية.

ومن أبرز ما توصل إليه التحقيق هو وجود تحركات مريبة لأشخاص ينتمون تقريبا لجميع البلدان التي تنافست للفوز ببطولتي 2018 و2022، ولكن برأي رئيس الغرفة القضائية في لجنة أخلاقيات المهنة القاضي الألماني هانز يواكيم إيكرت لم يكن لتلك التحركات أي أثر على عملية اختيار الدول المنظمة لبطولتي 2018 و2022.

وعلى هذا الأساس خلص التقرير إلى عدم وجود أسباب كافية لإعادة طرح العطاءات للبطولتين اللتين فازت بتنظيمهما روسيا وقطر على التوالي، وقد جاءت ردود الأفعال على التقرير متفاوتة إلى حد كبير، ولكن إذا وضعنا حيثيات القضية جانبا فإن هذه التجربة تمنحنا رؤية تستحق الاهتمام حول الجغرافيا السياسية والثقافة والتراث والسلطة ودورها في كرة القدم العالمية.

جغرافيا سياسية لكرة القدم
لقد أثار إعلان الدول الفائزة بتنظيم بطولتي كأس العالم لكرة القدم عامي 2018 و2022 على التوالي جدالات متعددة حول أحقية روسيا وقطر بالتحديد في تنظيم واحدة من أكبر البطولات الكروية في العالم.

خلص تقرير الفيفا إلى عدم وجود أسباب كافية لإعادة طرح العطاءات للبطولتين اللتين فازت بتنظيمهما روسيا وقطر على التوالي، وقد جاءت ردود الأفعال على التقرير متفاوتة إلى حد كبير



ورغم إثارة قضية تعطش روسيا لإقامة البطولات العملاقة (الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي وبطولة العالم لألعاب القوى في موسكو) واستثماراتها في عالم كرة القدم -ضمنها الاستثمار المباشر في أندية كروية أوروبية كبيرة ورعاية الاتحاد الأوروبي لكرة القدم- لكن يبدو أن قطر نالت قدرا أكبر من الانتقادات.

إن تناول هذا الموضوع من زاوية الصحافة البريطانية ينطوي على حقائق صادمة، حيث إن الإعلام في بريطانيا ركز بصورة مباشرة على ملف قطر رغم أن بريطانيا كانت تنافس على ملف تنظيم كأس العالم عام 2018 وليس 2022 الذي فازت قطر به.

تركزت الانتقادات على أن قطر من الناحية الجغرافية هي بلد أصغر من أن ينظم بطولة لكأس العالم، وقد ارتكزت الحملة الصحفية البريطانية على قضايا عديدة، منها: المجتمع القطري المحافظ (موقفه من شرب الكحول والشذوذ الجنسي)، والثقافة الكروية الضعيفة في قطر والتي تتمثل بخلو مدرجات ملاعبها من المشجعين أثناء الدوري، و"سوء المعاملة" التي يُزعم أن العمال الآسيويين المشاركين في بناء ملاعب كأس العالم يتلقونها بينما هم يمثلون اليد العاملة في بناء مشاريع قطر لكأس العالم والمتمثلة بملاعب فارهة تمثل قمة ما توصل إليه العالم، وأخيرا وليس آخرا "صيف قطر اللاهب غير المشجع على الزيارة".

الاقتباس التالي مأخوذ من مجلة "ماريان" الفرنسية والتي تتناول مسألتين في مسار السياسة الدولية الجريئة والراسخة لدولة قطر من خلال الرياضة (أو "النفوذ الرياضي") والتي تتناول مسائل تتعلق بثقافة قطر الكروية وبالتالي أهليتها لتنظيم بطولة كأس العالم: "(إن إقامة بطولة لكأس العالم) في بلد حيث الرياضة لا تستهوي أحدا وحيث يتطلب بناء الملاعب المجهزة بأرضيات مبردة للوقاية من الجو الحار الذي تصل درجة الحرارة فيه إلى 45 درجة مئوية -"صباح الخير كيوتو" (في إشارة إلى معاهدة كيوتو للتبدل المناخي على أساس أن المكيفات العملاقة لملاعب كأس العالم سوف تنفث عادمات لها أثرها في التبدل المناخي)- لا تدخل عقل أي شخص في عالم الرياضة حتى ميشيل بلاتيني أو علم البيئة".
لقد بينا سابقا في مناسبات مختلفة أن هناك شعورا بعدم الارتياح والترقب في أوساط النفوذ التقليدي -أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية- في مجال الكرة الدولية تجاه مراكز النفوذ الكروي والرياضي الصاعدة، ويتجلى ذلك الشعور في ردود الأفعال على استحواذ رؤوس الأموال الأجنبية على نواد في دوريات تقليدية مثل الدوري الإنجليزي والدوري الإسباني.
إن القضية محل النزاع هنا تتعدى سلامة الإجراءات المتبعة في عطاءات كأس العالم، القضية هنا وكما أسلفنا هي: هل يمكن أو هل يجب على دول خارج نطاق النفوذ الرياضي التقليدي أن تحظى بفرصة استضافة بطولات كأس العالم؟

بالنسبة للبعض فهذا مؤشر جيد على انتشار مفهوم العولمة، كما أن هذه الظاهرة مرحب بها أيضا من منطلق أنه استثمار آت من الشرق الأوسط وشرق آسيا ليدعم الوضع الاقتصادي للنوادي الرياضية، ويساهم بشكل أساسي في دعم قدراتها في شراء أكفأ اللاعبين، وهو أمر سيساهم في تطوير الأداء ويعزز من ثقة حاملي التذاكر والرعاة والمستثمرين، القضية محل التركيز هنا هي نادي باريس سان جيرمان الذي يطمح لأن يصبح أحد أكبر أندية أوروبا.

من جهة أخرى، هناك من يرى أن أقطاب النفوذ الجديدة سوف تكون سببا للتبعثر، أي ولادة نظام كروي دولي ليس له قاعدة أو مركز، وعلى هذا الأساس فإن دولا مثل قطر تستخدم الاستثمار الرياضي كذراع للترويج والدبلوماسية الدولية العامة -وكذلك لتنويع مصادر الدخل- يجب أن تتقبل فكرة أن هذه الخطوات لها ثمن لا يمكن تجنبه.

إن دخولها هذا العالم يعني أن تكون في مركز الأضواء الإعلامية وتحت مجهر أعضاء ما يسمى المجتمع الدولي (اتحادات مهنية عالمية ومؤسسات بيئية دولية).

في المقابل، قامت قطر بعدد من الإصلاحات لمواجهة الانتقادات الموجهة إليها في معرض دفاعها عن أحقيتها في استضافة بطولة كأس العالم 2022، خاصة في ما يتعلق بأحوال العمال، ولا تسعى من خلال ذلك لإثبات أحقيتها بتنظيم البطولة بل تسعى للتأكيد مرة أخرى على طموحها لتصبح لاعبا محوريا في الرياضة الدولية، وإن قرار الفيفا بتبرئة ساحتها سوف يعطي دفعة قوية لإستراتيجيتها الرياضية الدولية رغم أن موجة الانتقادات لن تتوقف.

نفوذ وخلفيات الكرة الدولية
إن القضية محل النزاع هنا تتعدى سلامة الإجراءات المتبعة في عطاءات كأس العالم، القضية هنا وكما أسلفنا هي: هل يمكن أو هل يجب على دول خارج نطاق النفوذ الرياضي التقليدي أن تحظى بفرصة استضافة بطولات كأس العالم؟

يمكن للمرء أن يرى بوضوح أن آليات العولمة قد أثرت في عالم كرة القدم، حيث الدول الصاعدة واقتصاداتها النامية أصبحت في عين الفيفا تمثل أرضية خصبة لتنمية الجوانب التجارية في عالم كرة القدم أكثر وأكثر، وفي ما يتعلق بالنفوذ من الواضح أن النفوذ في عالم كرة القدم يتحرك بعيدا عن أوروبا الغربية، ولكن هذا المفهوم من الصعب تقبله.

وفي هذا السياق، تم اقتراح التصويت المنفرد الذي يمثل إحدى مشاكل الفيفا، أي يمنح كل بلد حق التصويت منفردا، فيصبح لصوت جزيرة صغيرة نائية مثل فيجي نفس قوة وتأثير صوت ألمانيا، إنها مقاربة من الصعب تقبلها على أي حال، وإن اتخاذ لعبة الكريكيت مثالا حيث للدول الكبرى في اللعبة اليد العليا في شبكة النفوذ الدولية لا يعني بالضرورة أن هذه وصفة ناجحة لإدارة أفضل.

المشكلة كما تجلت في أحداث الخميس الماضي تتمثل في ثقافة المؤسسة، فرغم ما أسلفنا من أفكار من غير الدقيق أن نصف ردود أفعال الدول الغربية على قرارات يوم الخميس بأنها مجرد ضجة تفتعلها مراكز نفوذ تقليدية قديمة في عالم كرة القدم.

إن هناك قضايا مقلقة يجب التعامل معها، وإن التقرير الصادر من الفيفا يطرح أسئلة خطيرة حول ثقافة ونفوذ كرة القدم الدولية.

الفيفا كانت دوما متلهفة لاستكشاف رغبة دول صاعدة في استضافة بطولات دولية مثل روسيا وقطر، ولكن في خضم سعيها وراء تلك الغاية حيدت قوى تقليدية في مجال اللعبة

 إن كل دولة تنافست على ملفات بطولتي 2018 و2022 -باستثناء مشرف لهولندا وبلجيكا- قد لامست الخط الرفيع الفاصل بين "حشد الأصوات" و"الرشوة". وعلى الجانب الآخر، أوضح التقرير أن أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا كانوا دوما على استعداد لتقبل "الهدايا" بأشكال متنوعة كأن تكون على شكل رعاية أو منح تطوير وأشكال أخرى متعددة.

وحتى لو تقبلنا النتائج التي خلص إليها التقرير بأن تلك الأفعال والأحداث لم تؤثر في سلامة عملية الاختيار فإنه من المؤلم الاطلاع على تلك التفاصيل التي أقل ما يمكن أن توصف به أنها "مثيرة للتساؤل".

كرة القدم بطبيعة الحال تمس حياة الكثيرين حول العالم، ويتساءل المرء هنا إن كان عشاق اللعبة سيثقون بها إذا لم تراع الهيئات القائمة عليها أقصى درجات الحرص على مبادئ الشفافية والديمقراطية والإجراءات السليمة.

وفي ظل التوتر القائم على خلفية تمدد كرة القدم لمناطق غير تقليدية والحاجة لتطبيق إدارة رشيدة للعبة على المرء ألا يفترض وبشكل مسلم به أن الغرب هو دائما من يضع المعايير، من المؤكد أن هناك الكثير من القضايا التي يتعين على المؤسسات الكروية الأوروبية النظر إليها مثل المساواة بين الأعراق في تركيبة فرقها. ومن جهة ثانية، على الأسواق الجديدة في عالم كرة القدم أن تفهم الحاجة للحفاظ على مبادئ معينة وأن ذلك أمر غير قابل للتفاوض من أجل خير اللعبة.

خلاصات
إن قرار الفيفا بتبرئة ساحة كل من روسيا وقطر في قضية تنظيم بطولتي كأس العالم 2018 و2022 قد تلقفه الإعلام الغربي بالتشكك. وبطبيعة الحال، فإن بيان كبير المحققين مايكل غارسيا -الذي قال فيه إن تقرير الفيفا النهائي مضلل ولا يعكس نتائج تحقيقاته- ليس في مصلحة الفيفا.

وبغض النظر عن النتيجة النهائية فإن هذه العملية تمنح رؤية متعمقة في الجانبين الاقتصادي والتنفيذي لديناميكيات كرة القدم العالمية.

الفيفا كانت دوما متلهفة لاستكشاف رغبة دول صاعدة في استضافة بطولات دولية مثل روسيا وقطر، ولكن في خضم سعيها وراء تلك الغاية حيدت قوى تقليدية في مجال اللعبة. وفي سياق مواز، هناك سؤال ملح يطرح نفسه حول افتقار أوساط اللعبة لثقافة معايير الإدارة وقد يمتد ذلك للفيفا نفسها. لذلك، ومن أجل مصلحة اللعبة من الضروري أن تظهر جميع الجهات الفاعلة في مجال اللعبة احتراما وتقييما أكبر لمبادئ الشفافية والديمقراطية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور محفوظ عمارة وبرخا غارسيا: محاضران في السياسات والإدارة الرياضية في الكلية الرياضية وعلوم الصحة بجامعة لاثبرا-المملكة المتحدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك