كريستوفر ر. هِل

كريستوفر ر. هِل

​مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق


كان إعلان كوريا الشمالية مؤخرا أنها لن تسمح لأي سائح أجنبي بعبور حدودها، وذلك لحماية نفسها من مرض إيبولا، سببا في استفزاز الضحكات في مختلف أنحاء العالم. وسخر المراقبون من هذا الإعلان قائلين: "لا بد أن يكون فيروس إيبولا أذكى من أن يُقدِم على زيارة مثل ذلك المكان".


وحتى مع توالي التطورات العالمية بوتيرة مذهلة، يبدو أن كوريا الشمالية تسير بخطوات متثاقلة في جحيم ستاليني سُفلي. ولكن جحيم الترسانة النووية المتنامية الحجم ليس مادة للضحك.

إن عدم قابلية كوريا الشمالية للتغيير على هذا النحو الواضح يجعل أي تطور غير متوقع أشبه بعلامة تدلل على أن شيئا كبيرا يجري على قدم وساق. فعندما مَرّ شهر كامل من دون نشر مادة فيلمية تصويرية جديدة لزعيم البلاد كيم جونغ أون، سارع المراقبون الدوليون إلى التكهن حول صحته وأمنه الشخصي وتمكنه من السلطة. فهم يتصورون أن كيم ما كان ليفوت الفرصة لحضور أي مناسبة مهمة، بما في ذلك احتفال لتكريم والده وجده كيم جونغ إل وكيم إل سونغ، ما لم يكن أمر جَلَل قد حدث.

بعد سنوات من الإحباط، بدأت كوريا الشمالية 2007 في تنفيذ ما يمكننا وصفه بالصفقة الكبرى. ولكنها أحجمت في وقت لاحق عن إعمال نظام التحقق -وهو العنصر البالغ الأهمية في أي اتفاق بهذا الشأن- ثم نقضت تعهداتها في وقت لاحق

ولم يكد كيم يعود إلى دائرة الضوء وهو يعرج مستعينا بعكّاز حتى أشعل النظام شرارة جولة جديدة من التكهنات بالإفراج عن جيفري فاول، الأميركي الذي يبلغ من العمر 56 عاما، والذي اعتُقِل عدة أشهر لأنه ترك كتابا مقدسا في غرفة فندق.

وبعد أن تخلى عنها حلفاؤها القلائل في السنوات الأخيرة، يفترض الغرباء أن كوريا الشمالية تستشعر قدرا من العُزلة أعظم من أي وقت مضى. وعلى هذه الخلفية جاء تفسير إطلاق سراح فاول، والذي لم يستند إلى أي مقايضة ظاهريا، بوصفه علامة تدلل على استعداد النظام لإطلاق الحوار الذي طال انتظاره مع الولايات المتحدة.

ولكن أي تقييم لنوايا كوريا الشمالية عند هذه المرحلة هو مجرد تخمين، وإطلاق سراح معتقل واحد لا يصلح كدليل مقنع. والأمر المؤكد هو أن غياب أي حوار حقيقي مستمر مع كوريا الشمالية يُعَد مصدرا للقلق البالغ.

إن القيادة الكورية الجنوبية -التي تفهم المخاطر التي تفرضها كوريا الشمالية أفضل من أي جهة أخرى- تدرك الحاجة إلى مثل هذا الحوار. والواقع أنه برغم رفض كوريا الشمالية تقديم أي تنازلات حقيقة بشأن قضايا حقوق الإنسان والزيارات الأسرية، ناهيك عن موقفها العسكري، كانت كوريا الجنوبية تسعى بشكل منتظم إلى إنشاء عملية لإدارة مثل هذه المناقشات.

ويتمثل التحدي بالنسبة للولايات المتحدة في دعم جهود كوريا الجنوبية من دون تذبذب بشأن مطالبتها بأن يشارك الشمال في جولة جديدة من المحادثات النووية على أساس الشروط التي وافق عليها سابقا. ويصر معارضو هذا النهج على أنه لا يوجد مكان لمثل هذه "الشروط المسبقة" في أي حوار حقيقي، حيث من المفترض أن تتبادل الأطراف المعنية وجهات النظر ببساطة.

ولكن الحقيقة هي أن رفض كوريا الشمالية للاعتراف بالتزاماتها في عام 2005 بالتخلي عن برنامجها النووي فعليا يجعل أي حوار محتمل محل نقاش. ففي نهاية المطاف، كان العمل على عكس اتجاه الحشد النووي في البلاد سببا جوهريا لإطلاق المحادثات في المقام الأول.

وكان ذلك الهدف القوة الدافعة وراء المحادثات السداسية -بين الصين واليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وروسيا والولايات المتحدة- لأكثر من عقد من الزمان، مع تقديم كل البلدان المشارِكة تنازلات مهمة في ما يتصل بالمساعدات الاقتصادية وفي مجال الطاقة، والضمانات الأمنية، والاعتراف الدبلوماسي. وبعد سنوات من الإحباط، بدأت كوريا الشمالية في عام 2007 في تنفيذ ما يمكننا وصفه بالصفقة الكبرى. ولكنها أحجمت في وقت لاحق عن إعمال نظام التحقق -وهو العنصر البالغ الأهمية في أي اتفاق بهذا الشأن- ثم نقضت تعهداتها في وقت لاحق.

ويظل من غير الواضح ما إذا كان الزعيم آنذاك كيم جونغ إل عازما على الوفاء بتلك الالتزامات حقا. ولكن هناك أدلة تشير إلى ذلك الاحتمال. والأمر الأكثر بروزا هو أن كوريا الشمالية أغلقت مفاعلا نوويا أنتَجَ من المواد النووية بالفعل ما يكفي لتصنيع عِدة قنابل نووية وربما كان قادرا على إنتاج المزيد. (والحق أن الادعاءات بأن المفاعل كان قد اقترب من نهاية عمره الافتراضي بالفعل تفتقر إلى أي أساس مشروع، لأن كل آلة أو جهاز في كوريا الشمالية يبدو على ذلك النحو).

الواقع أن المجتمع الدولي -برغم تفتته وتضاربه في الوقت الحالي- قادر على إيجاد أرضية مشتركة في التعرف على التهديد الذي يشكله نظام كوريا الشمالية الملغز الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، واتخاذ الإجراءات التعاونية المناسبة للحد من هذا التهديد

وفي كل الأحوال، بدا كيم جونغ إل مهتما على الأقل بالاتفاق، ولو على سبيل الحفاظ على العلاقات بين كوريا الشمالية والصين. ولا يمكننا أن نقول نفس الشيء عن ابنه وخليفته، الذي لا تشير تصرفاته إلى أي اهتمام ولو بعيد بنزع السلاح النووي. بل إن كيم جونغ أون عازم قولا وعملا على استخدام الأسلحة النووية لتعزيز مكانة كوريا الشمالية العالمية.

ولعل الوقت لم ينفد بعد، ولكنه لم يتوقف أيضا. وكما حذر مؤخرا الجنرال كيرتس سكاباروتي، فإن كوريا الشمالية ربما باتت قادرة بالفعل، من خلال إيران وباكستان، على الوصول إلى الخبرات المطلوبة لتصغير جهاز نووي وتركيبه على صاروخ. وإذا لم يكن بوسعها أن تفعل ذلك بعد، فإنها سوف تتمكن قريبا من ذلك. فضلا عن ذلك، ونظرا لاستثمارات كوريا الشمالية في تعزيز قوتها التقليدية ووجود نسبة كبيرة من سكان كوريا الجنوبية بالقرب من الحدود، فإن الشمال قد يركز على تطوير أسلحة نووية ميدانية، وهو ما يضيف بُعدا جديدا مرعبا إلى أي صراع ينشب على شبه الجزيرة الكورية.

ومع بقاء عامين على الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في عام 2016، فربما كان الوقت كافيا لمحاولة أخرى كبرى لإجراء محادثات نووية جوهرية مع كوريا الشمالية. ونظرا لسجلها التفاوضي فإن مثل هذا الجهد سوف يعتمد على انتصار الأمل على التجربة، ولكنه أمر يستحق المحاولة نظرا للافتقار إلى البدائل.

والواقع أن التحدي يمتد إلى ما هو أبعد من إقناع كوريا الشمالية بالمشاركة. فمن غير الممكن أن تأمل الولايات المتحدة في تحقيق أي تقدم من دون دعم من الصين وبلدان أخرى، بما في ذلك روسيا، أو من دون استخدام كل البلدان لنفوذها في هذا الشأن. ولا تستطيع روسيا أن تحافظ إلى الأبد على سياسة خارجية تقوم على العداوة والبغضاء.

الواقع أن المجتمع الدولي -برغم تفتته وتضاربه في الوقت الحالي- قادر على إيجاد أرضية مشتركة في التعرف على التهديد الذي يشكله نظام كوريا الشمالية الملغز الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، واتخاذ الإجراءات التعاونية المناسبة للحد من هذا التهديد. ولا بد أن تكون الخطوة الأولى في هذه العملية الحوار القائم على التزامات وتعهدات بُذِلَت بالفعل. إن الحوار مع الصُم صعب، ولكن الحوار مع فاقدي الذاكرة قد لا يكون حوارا على الإطلاق.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك