عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني


جيش روسي جديد
القوة الشمولية الأميركية
فخ لروسيا أم فخ مزدوج؟
معادلة غير متكافئة

الحديث في موسكو وواشنطن عن جولة جديدة لسباق التسلح لم يعد مجرد تحذيرات وتخمينات، فالبيانات الصادرة عن كلا الجانبين تؤكد أن السباق قائم بالفعل، وسيزداد بشكل مضطرد في السنوات القليلة القادمة على ضوء تطبيقات العقيدتين العسكريتين الأميركية والروسية في القرن الحادي والعشرين.

أصدرت وزارة الخارجية الأميركية قبل أيام بيانا لافتا، أقرت فيه بأنه ولأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي تتساوى كفتا ميزان القوة النووية بين روسيا والولايات المتحدة في عدد الرؤوس النووية ووسائل حملها ونقلها. واستندت الوزارة في بيانها إلى تقديرات خبراء تؤكد أن روسيا ستحقق التوازن بإدخالها صواريخ جديدة من طراز "يارس" الخدمة العسكرية، ويشترط إلى جانب ذلك نجاحها في الاختبارات على منظومة صواريخ "بولافا" المخصصة للإطلاق من الغواصات الإستراتيجية الحديثة.

الشواهد على بدء جولة جديدة من سباق التسلح بين البلدين لا تقتصر على الترسانة النووية العسكرية، بل تشمل أيضا تحديث منظومات الأسلحة التقليدية الدفاعية والهجومية، وتنمية قدرات القوات المقاتلة والتقنيات العسكرية التي تستخدمها

الشواهد على بدء جولة جديدة من سباق التسلح بين البلدين لا تقتصر على الترسانة النووية العسكرية، بل تشمل أيضا تحديث منظومات الأسلحة التقليدية الدفاعية والهجومية، وتنمية قدرات القوات المقاتلة والتقنيات العسكرية التي تستخدمها، لاسيما الجوية والبحرية منها والأنظمة المضادة للصواريخ وأنظمة الإنذار المبكر والاتصالات، وهو ما تركز عليه خطط التسلح المعلنة، تطبيقا لـ"إستراتيجية الأمن القومي الروسي حتى عام 2020" و"الإستراتيجية الأميركية العسكرية للقرن 21"، اللتين تم اعتمادهما في فترة متقاربة عام 2009.

جيش روسي جديد
تطمح الخطة الروسية إلى استكمال مهمة تحديث أسلحة الجيش الروسي حتى عام 2018، وتشمل مئات الصواريخ البالستية المتطورة العابرة للقارات، من بينها "توبول- أم"، وما يقارب 600 طائرة حديثة معظمها من الجيل الخامس، وألف طائرة مروحية متعددة المهام والأغراض، وبناء قاذفة إستراتيجية جديدة ستحل محل القاذفتين الإستراتيجيتين من طراز "توبوليف تو-95" و"توبوليف تو-160"، والعشرات من السفن العسكرية والغواصات، ومنظومات الرادار وصواريخ "إس- 400" الاعتراضية البعيدة المدى، ونسختها الأحدث "إس- 500" القادرة على تدمير جميع الأهداف الجوية بما فيها الصواريخ التكتيكية والإستراتيجية من بعد 3500 كلم، والتي أجريت عليها تجارب ناجحة في يوليو/تموز الماضي.

هذا بالإضافة إلى عشرات الأجهزة الفضائية المعدة لأغراض عسكرية، وتزويد القوات البرية بآلاف الدبابات والعربات المدرعة الحديثة ومنظومات مدفعية ذاتية الحركة.. إلخ.

القوة الشمولية الأميركية
بالمقابل، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى الحفاظ على "القوة الشمولية الأميركية" من خلال تجسيد "الإستراتيجية العسكرية الأميركية في القرن الـ21"، التي وضعها الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن.

وتنطلق هذه الإستراتيجية من تقليص الوجود العسكري الأميركي التقليدي في الخارج، جنبا إلى جنب مع الحفاظ على "التفوق النوعي العسكري المطلق"، وإعادة هيكلة القدرة العسكرية وفقا لذلك، بإعطاء الأهمية القصوى لإنتاج وتحديث أنظمة السلاح العالية التقنية، لكافة تشكيلات القوات المسلحة، لتحقيق هدف واحد فقط هو زيادة التفوق العسكري الأميركي، وخاصة في الجو، برصد موازنات كبيرة للصناعات العسكرية الجوية لتأمين احتياجات القوات الجوية الأميركية، بما يمكنها من القيام بعمليات حربية لفترات طويلة في الشرق الأوسط.

وتعمل إدارة أوباما على تسليح القوى الجوية بعدد كبير من طائرات الاستطلاع من دون طيار، وأحدث وسائل الحرب الإلكترونية، وزيادة عدد طائرات النقل العسكري "C17"، وطائرات تزويد الوقود في الجو "KC-X"، التي تؤمن قدرة تنفيذ الأهداف في أية نقطة من الكوكب الأرضي. وتخصيص تمويلات مالية كبيرة لاستمرار الإستراتيجية الأميركية التقليدية "السيادة في البحر"، حيث تدعو خطة أوباما- بايدن أيضا إلى "التفوق المطلق الأميركي في القوى البحرية الحربية". إضافة لذلك، العقيدة الجديدة تتضمن التزام إدارة أوباما "بنشر السيادة الأميركية في الفضاء".

تعتبر أنظمة الدرع الصاروخي الدفاعية أولوية هامة "للإستراتيجية الأميركية العسكرية للقرن 21"، وهي أكثر المشاريع العسكرية تكلفة من حيث النفقات المالية

كما تعتبر أنظمة الدرع الصاروخي الدفاعية أولوية هامة "للإستراتيجية الأميركية العسكرية للقرن 21"، وهي أكثر المشاريع العسكرية تكلفة من حيث النفقات المالية. وأشار إلى ذلك مدير هيئة الرقابة الحكومية الأميركية بول فرينسيس في تقرير للكونغرس، حيث أكد أنه "قُدم للوكالة المسؤولة عن الدرع الصاروخي تمويلا ماليا غير مسبوق، وبطلب وزارة الدفاع من أجل إكمال أنظمة الدرع الصاروخي ما بين 2008 و2013، تم تحويل أكثر من 50 مليار دولار".

فخ لروسيا أم فخ مزدوج؟
تاريخيا، تعزى أسباب اشتعال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي السابق وحلف الناتو، بقيادة الولايات المتحدة، إلى الخلاف الذي وقع عام 1949 حول مستقبل ألمانيا، حيث كان السوفيات يدعمون مقترح وحدة ألمانيا على خلاف أميركا والدول الغربية. وفي بداية ستينيات القرن الماضي اتخذ السباق منحى مختلفا، بعد أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا والصواريخ الأميركية في تركيا، حيث عملت إدارة الرئيس جون كينيدي على زيادة سباق التسلح لإنهاك الاتحاد السوفياتي اقتصاديا.

صاحب الفكرة ووضع خططها العملية آنذاك وزير الدفاع الأميركي حتى عام 1968 روبرت مكنمارا، وظل يعمل على هذه المهمة لاحقا أثناء عمله مديرا للبنك الدولي حتى عام 1981، ويذكر أيضا أنه يعتبر المهندس الفعلي للحرب على فيتنام تحت مسمى "محاربة المد الشيوعي".

وواصلت الإدارات الأميركية العمل على تطبيق هذا المبدأ، حتى وصلت إلى ذروتها في عهد الرئيس رونالد ريغان بإطلاق ما يسمى بمشروع "الدفاع الإستراتيجي" الذي اشتهر باسم "حرب النجوم"، وثبت لاحقا أنه لم يكن سوى خديعة، دفع ثمنها غاليا الاتحاد السوفياتي بنزيف اقتصادي كان من أسباب انحلاله لاحقا.

فالولايات المتحدة لم تكن باستطاعتها حينها رصد مئات مليارات الدولارات لمشروع تطوير منظومة دفاعية تقوم على الصواريخ وأشعة الليزر والأقمار الصناعية خارج الغلاف الجوي لاعتراض الصواريخ العابرة للقارات، فضلا عن أنها لم تكن تمتلك تقنيات كافية لتنفيذه على أرض الواقع.

لكن إدارة الرئيس ريغان نجحت في تمرير خديعتها، وأصابت من الاتحاد السوفياتي مقتلا في الاقتصاد، وهو ما تحاول أن تستنسخه إدارة الرئيس أوباما ضد روسيا. بعض الخبراء يرون أن روسيا غير محصنة من الوقوع في الفخ، بينما يرى آخرون أنه فخ مزدوج لأنه "سلاح ذو حدين"، رغم الفارق الكبير في قدرة كل من روسيا والولايات المتحدة على تحمل تبعات جولة جديدة من سباق التسلح.

وكواحدة من تداعيات الأزمة الأوكرانية، عاد إلى الواجهة سباق التسلح بين روسيا والولايات المتحدة، في وضع يشبه في وجوه عدة الخلاف على مستقبل ألمانيا عام 1949، ويحاكي ظروف نصب فخ كنمارا للاستنزاف الاقتصادي.

تنفق واشنطن على التسلح ما متوسطه في السنوات العشر الأخيرة 4% من الناتج المحلي الإجمالي ويوازي أكثر من 44% من الإنفاق العالمي في هذا المجال، بينما تنفق روسيا ما يقارب 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يصل إلى 5% عام 2016

بالمقارنة بين إنفاق كل من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية على التسلح، تنفق واشنطن على التسلح ما متوسطه في السنوات العشر الأخيرة 4% من الناتج المحلي الإجمالي ويوازي أكثر من 44% من الإنفاق العالمي في هذا المجال، بينما تبلغ نسبة الإنفاق العسكري في روسيا ما يقارب 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يصل إلى 5% عام 2016.

وبلغة الأرقام -على سبيل المثال- أنفقت واشنطن 619 مليار دولار أميركي في عام 2013، مع ذلك انخفض الإنفاق العسكري الأميركي مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي من 4.8% في عام 2009 إلى 3.8% في عام 2013، نتيجة لسياسة التقشف المالي المتبعة في الولايات المتحدة. بينما ارتفع حجم الإنفاق العسكري الروسي ليبلغ ما يقارب 70 مليار دولار في العام نفسه، ومن المقدر له أن يصل 100 مليار دولار عام 2016.

وعلى عكس الولايات المتحدة، تشكل نسبة زيادة الإنفاق العسكري في روسيا عبئا كبيرا جدا على الاقتصاد الروسي، الأصغر حجما بكثير من الاقتصاد الأميركي، بالإضافة إلى الفارق الواسع في تطور البنية التحتية والقدرات التكنولوجية، ومقدرة واشنطن على توظيف الحروب والنزاعات في صالحها ضمن آليتين، كما جرى في الماضي تمويل شركائها للعمليات الحربية وعقد صفقات تسلح كبيرة تنعش قطاع الصناعات العسكرية.

وتواجه روسيا تحديا كبيرا في تطوير اقتصادها، من اقتصاد يتسم بالريعية، باعتماده على صادرات الغاز والنفط والمواد الأولية، إلى اقتصاد متطور ومتنوع. في حين برزت في الفترة الأخيرة بوادر تعاف في الاقتصاد الأميركي، فضلا عن ملاحظة إثباته مقدرته على التعايش مع نسب مرتفعة من الدين العام.

معادلة غير متكافئة
على ضوء ما سبق، يحذر بعض خبراء الاقتصاد الروس من مغبة انجرار روسيا إلى سباق تسلح جديد من شأنه أن ينهك الاقتصاد الروسي، بينما للولايات المتحدة مصلحة في إشعال حروب كبيرة تصب في صالح تعويض خسائرها الاقتصادية، نتيجة تداعيات الأزمة المالية عام 2008، وإنعاش اقتصادها. وإذا لم ينتبه صناع القرار في موسكو لهذا الأمر يمكن أن تقع روسيا في براثن نسخة محدثة لفخ مكنمارا الذي وقع فيه الاتحاد السوفياتي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك