نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


منذ الصدر الأول للإسلام يمثل الحج إلى بيت الله الحرام موسما إسلاميا نشطا في نواحي السياسة والعلم والاجتماع، إضافة إلى وظيفته الروحية الأصيلة، وذلك بما يشهده من تلاق بشري ضخم يجمع بين أطراف العالم الإسلامي ونواحيه المتدانية والمتنائية، ومن اجتماع للمسلمين من كل جنس ولون في عبادة تؤكد على معاني التعلق بالله، والانقياد لأمره، والتضحية في سبيله.

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي حكم العالم الإسلامي من المدينة المنورة أكثر من عقد من الزمان، يلقى في الموسم عمّالَه، ويطمئن على حال رعيته، ويستمع إلى كلام الناس وشكاواهم في ولاتهم.

كما كانت شعيرة الحج مناسبة مثالية لتبادل العلم والرواية بين علماء الحجاز وضيوف الموسم من علماء الأمصار الأخرى، ومن هنا شاع علم الحجاز بدون أن يُعرَف عن أهلها كثرة الرحلة في طلب العلم، حتى بعد أن انتقلت العاصمة من المدينة إلى الكوفة، ثم دمشق، ثم بغداد.

كانت شعيرة الحج مناسبة مثالية لتبادل العلم والرواية بين علماء الحجاز وضيوف الموسم من علماء الأمصار الأخرى، ومن هنا شاع علم الحجاز بدون أن يُعرَف عن أهلها كثرة الرحلة في طلب العلم

ومع أن مناسبات إسلامية كثيرة يمكن أن تُقرَأ من زوايا سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية كذلك، إلا أن الحج يبدو جامعا لأطراف كثيرة في هذا الموضوع، بل يبدو مشعا بالمعاني المتنوعة التي يمكن الربط بينها وبين أعماله بسهولة ووضوح.

فهو يعبر -من خلال التجمع البشري الضخم الذي يحضره، والهيئة التي يكونون عليها، والمناسك التي يشتركون فيها- عن وحدة سياسية مفترضة قائمة على وحدة عقدية وشعائرية فعلية، وهو كذلك موسم عبادي يتلبس ببعد اقتصادي {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة، الآية 198)، وموسم تعليمي يتجاوز أعمال الفريضة إلى رحاب الإسلام الفسيحة، وهو أيضا مناسبة للتثاقف بين أطياف بشرية، مهما قلنا عما تتفق فيه، فهي متنوعة تنوعا بعدد الدول والمجتمعات التي تنتمي إليها، وهكذا.

مفتي بلغاريا ومالك شباز
حكى الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله في مقال له "أن بلدة شمني في بلغاريا كانت مركزا هاما إسلاميا في عهد الحكم الإسلامي، وكان مفتيها الكبير المعمَّر عالما جليلا له خدمات علمية ودينية عظيمة للغاية كما هو معروف لأهل تلك البلاد".

وقد حكى هذا المفتي عن نفسه -كما يروي الكوثري- قائلا: "إني كنت طفلا بلغاريا، فتبناني مسلم، ورباني وأحسن تربيتي، وبعثني إلى الآستانة، وحصلت العلم على كبار أساتذتها، فتخرجت في العلوم، وعينت مفتيا للبلد، واستمررت في الإفتاء إلى اليوم، وكلي في سبيل خدمة الدين، ومع هذا كله كانت تعتريني هواجس، وتوسوس في صدري: ربما كان ديني السابق هو الحق وأنا غلطت في اختيار هذا الدين تبعا لولي نعمتي. وأستعيذ في الحال من هذه الهاجسة الشنيعة، ثم تعاودني هذه الهاجسة مرة أخرى فأردها بشدة واستعاذة، وهكذا، لكن لم تنقطع عني تلك الهاجسة إلى أن حججت، وأديت المناسك، وشهدت المشاهد، ووقفت المواقف، وزرت قبر المصطفى (صلوات الله وسلامه عليه)، فزالت عني معاودة تلك الهواجس نهائيا بحمد الله تعالى" (مقالات الكوثري ص 189-190).

وهكذا يبدو الانتفاع الفردي الشخصي بفريضة الحج حاضرا دائما -في أوقات الضعف الإسلامي ومراحل القوة على السواء- وذلك لمن خاض التجربة بصدق، وإقبال نفس، ووعي قلب، حتى بدون خطب ونصائح كثيرة.

بل تتسع الفرص أمام الأفراد لما هو أكثر من مجرد تثبيت الإيمان وتحقيق اليقين، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى مجتمعات بعيدة عن المراكز الأولى للإسلام وحضارته، ولم يطلعوا على حقيقة الدين برغم الضجيج العالي لحضارة العصر ووسائل إعلامها.

من غرائب الخطاب الإسلامي المعاصر أنه يكتفي في موسم الحج عادة بالتركيز القوي على الدعوات الموجهة لأفراد الحجيج إلى لزوم التقوى الشخصية، والاستقامة الدينية، والانتفاع بموسم الحج وشعائره في هذه الدائرة الضيقة

ولعل تجربة الداعية والحقوقي الأميركي مالك شباز أو مالكولم إكس رحمه الله تمثل نموذجا فذا في هذا الباب، فالرجل الذي آمن في سجون الولايات المتحدة بإسلام منقوص يقوم على العنصرية والتعصب الزنجي ضد البيض، رجع من الحج عام 1964 وقد خاض تجربة الإسلام العادل الذي يسوي بين البشر، وتعلم أن عنصرية البيض البغيضة والقاسية في أميركا لا يُرَد عليها بعنصرية السود، وإنما بعدالة الإسلام التي يمكنها أن تستوعب جميع الألوان!

وتجربة مالك الرائعة مع رحلة الحج لا يمكن أن نعتبرها مجرد سياحة دينية شخصية وضعت يد الرجل على الحقيقة، إذ تجاوزت التجربة شخصه حتى تحول إلى صوت عظيم للإسلام على الشاطئ الآخر للأطلسي، فتأثرت به جماهير عريضة صححت به إسلامها، أو انقادت إليه بعد أن كانت خارج حدود الإسلام، لذلك أُسكت صوت الرجل عاجلا في حادث اغتيال أثيم عام 1965.

مع هذا كله، يبقى من غرائب الخطاب الإسلامي المعاصر أنه يكتفي في موسم الحج عادة بالتركيز القوي على الدعوات الموجهة لأفراد الحجيج إلى لزوم التقوى الشخصية، والاستقامة الدينية، والانتفاع بموسم الحج وشعائره في هذه الدائرة الضيقة.

وقد يشير هذا الخطاب أيضا إلى رمزيات تحملها أعمال الحج تتعلق بهذا الشأن العام أو ذاك، دون أن يتسع صدره لما هو أرحب من ذلك، مع أن إلزام الأفراد بخطة للتقوى شخصية بدون أجواء عامة موائمة يبدو ضعيف المردود في عمومه، وقد يكون عبثا لا جدوى منه كما تحكي حال المجتمعات الإسلامية طوال أكثر من قرنين.

السيد الفراتي
إذن ما المطلوب؟ المطلوب هو أن ينتقل خطابنا في هذا الشأن من نداء الأفراد إلى مخاطبة المؤسسات، ومن الحديث إلى الأشخاص إلى تقديم الخطط للدول، على أن لا يكتفي بحثّ مجرد للمخاطبين على توظيف فريضة الحج في إنهاض الأمة الإسلامية، وإحداث تغييرات إيجابية في المسارات الاجتماعية للشعوب المسلمة، فهذا الخطاب الحثّي أو الوعظي لم يعد كافيا ولا وافيا بحاجاتنا، ولكن يجب أن تُقدَّم الخطط والمقترحات المعقولة والقابلة للتطبيق لوضع المسئولين أمام واجبهم الذي ينبغي أن يقوموا به.

لقد أدركت الأنظمة التي حكمت الأقليات والأغلبيات المسلمة بالحديد والنار منذ عقود طويلة خطورة هذه الفريضة العظيمة، فعملت على منع مسلميها من أداء فريضة الحج إلا بشروط واحترازات شديدة، مثل: كبر سن الحاج، وقلة وعيه، وضعف الكثافة العددية، حتى لا يطلع العالم على قضايا المسلمين المضطهدين ومآسيهم الرهيبة التي يحيونها، ولا يتسرب وراء الأسوار الحديدية شيء من الخطط المحكمة التي رتبها أولئك السجانون لاغتيال الإسلام وأهله في هذه البقع المعزولة قسرا.

ومن شاء أن يطلع على نماذج مؤلمة من ذلك، فليقرأ تاريخ المسلمين في القرن العشرين في بلاد مثل: الاتحاد السوفيتي، والصين، وإثيوبيا.
إن وهج الفريضة الجليلة لا يتحقق بمجرد وصايا فردية نقدمها لكل حاج على حِدَة، مع أهمية ذلك وضروريته لنجاح أي فكرة إصلاحية، فجماعية الفريضة وفرديتها في وقت واحد تفرض علينا أن نفكر في تفعيلها من جميع أبعادها
ولعل عبد الرحمن الكواكبي -أو السيد الفراتي كما سمى نفسه رحمه الله- قد أدرك في كتابه "أم القرى" هذا البعد لفريضة الحج حين تخيل قبل أكثر من قرن من الزمان مؤتمرا إسلاميا مكيا يشارك فيه ممثلون للمجتمعات الإسلامية في العالم، وناقش المؤتمر قضية الضعف والفتور الذي غلب على المسلمين، وماذا عسى أن يكون دواء هذا الداء العضال، فطُرحت قضايا الاستبداد والحرية، والفُرقة، والجهل، والتواكل، وشيوع البدع، والتقليد، وإسناد المناصب المهمة إلى غير أهلها، وفساد العلماء، وتغريب الناشئة، وغيرها من علل المسلمين، واقترح المجتمعون -كما صورهم خيال الكواكبي الناضج- تشكيل جمعية تركز على الجانب التعليمي والتربوي، يكون مقرها في مكة، ولها شعب تابعة لها في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي الواسع.

ومع أن فكرة الكواكبي غير مرتبطة بالحج تحديدا، ولكن بمكة عموما، إلا أنه لا يفوتنا أن جزءا كبيرا من مقام البلد الحرام تترجم عنه فريضة الحج المباركة، كما أن شهود الموسم بمواطنين ينتمون إلى أكثر من 160 دولة -كما حصل هذا العام- يجعل قضية الأمة وحضورها في مركزها الأول هو العلامة الكبرى على موقع مكة بالنسبة للمجتمعات الإسلامية التي ترجع إلى أوطانها، وتتجه إلى الكعبة في صلاتها ضمن انتماء جماعي واسع إلى هذا الدين.

وقد تكون النتيجة التي انتهى إليها السيد الفراتي أو الكواكبي في مؤتمره الخيالي أيضا أقل من المتوقع، وأقل تناسبا مع حجم المأساة الحضارية للمسلمين كما حددها هو، إلا أن المفيد هو أنه انتهى إلى أمر عملي واضح المعالم يتجاوز الأفراد إلى العموم، وله برنامج مشروح بصورة كافية في تفاصيله الإدارية والتنفيذية وخططه المالية والعلمية.

إن وهج الفريضة الجليلة لا يتحقق بمجرد وصايا فردية نقدمها لكل حاج على حِدَتِه، مع أهمية ذلك وضروريته لنجاح أي فكرة إصلاحية، فجماعية الفريضة وفرديتها في وقت واحد تفرض علينا أن نفكر في تفعيلها من جميع أبعادها، وإحياء المعاني التي أماتتها قرون التقهقر.

إن الهدف من هذه الأفكار التي يجب أن تجود بها العقول المسلمة حول فريضة الحج ووهجها الرائع في دراسات وبحوث دقيقة، هو أن يمتد تأثير الفريضة الجليلة من الأيام القليلة والبقعة الصغيرة التي تتم فيها إلى أزماننا ومجتمعاتنا الإسلامية كلها ضمن نطاق يطابق النطاق الذي تحركت فيها تشريعات الإسلام كلها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك