محمد هنيد

محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي


من دروس الثورة
نقطة اللاعودة
مخاطر على الطريق

ما أنجزه الشباب التونسي الفقير في قرى القصرين وسيدي بوزيد وبوزيان المفقرة، فجر ١٧ ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٠ كان عظيما بكل معنى الكلمة أنتج الشرعية الثورية وهي أم الشرعيات.

وما أنجزه الشعب التونسي في انتخابات ٢٣ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١١ في كل أرجاء تونس إنجاز كبير وضع أسس الشرعية الانتخابية لأول مرة في تاريخ تونس القديم والحديث.

أما ما أنجزه أبناء أفريقية خلال المرحلة الانتقالية منذ ثورة ١٧ ديسمبر إلى اليوم من صمود جبلي في وجه الثورة المضادة وآلة الانقلاب الدموية المقنعة بقناع الإرهاب وقفازات الحوار الوطني الدامية فعمل لم يقو عليه غيرهم في مزارع الاستبداد العربية.

لن تكون نتائج الانتخابات بسيطة محليا وعربيا وإقليميا ودوليا، بل نعتبرها واحدة من أمهات المعارك ضد الإرهاب والاستبداد والاحتلال والتخلف وخطوة عملاقة على طريق الحرية لكل الأرض العربية

غدا وبعد أيام يذهب التونسيون إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى من أجل تحديد نواب مجلس الشعب واختيار رئيس دائم و"غير مؤقت" للبلاد. تاريخ 26 أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٤ قد يكون اليوم الأخطر والأهم في تاريخ تونس الحديث ولن تكون نتائجه بسيطة محليا وعربيا وإقليميا ودوليا، بل نعتبرها واحدة من أمهات المعارك ضد الإرهاب والاستبداد والاحتلال والتخلف، وخطوة عملاقة على طريق الحرية لكل الأرض العربية.

من دروس الثورة
الدرس الأول هو أن ثورة أهل تونس باعتبارها فاتحة الزلزال الذي ضرب المنطقة كانت ثورة لا واعية، أي أن من أنجز الثورة من الفقراء والعاطلين والمهمشين من أبناء العمق التونسي لم يكونوا يعلمون أنهم بصدد إنجاز ثورة ستغير وجه البلاد والمنطقة ككل، في غياب متواطئ لما يسميه التونسيون "نُخب العار الوطنية".

"ثورة الهامش تدك صرح المركز" كان العنوان الرئيس للحركة التونسية الخارقة التي أذهلت كل مراكز الاستشعار والتنصت عن قرب وعن بعد. كان هذا قبل أن تستفيق حيتان النخب والأحزاب السياسية وتصحوَ على أن الرعاع من أبناء حفاة الأقدام -هكذا يسمّون في تونس "أولاد الحفيانة"- قد أنجزوا ما عجزوا هم حتى عن تصوره بله عن فعله خلال ما يزيد عن نصف قرن من الزمان.

سالت مساحيق أيديولوجيا السياسية القومية واليسارية والليبرالية والإسلامية وقد أذابتها شمس الربيع العربي وذهبت بها رياح جبال مطير والقصرين. الدليل القاطع على ما نقول: أن ثورة الشباب سرعان ما استولى عليها الشيوخ والعجائز حتى نرى اليوم من يترشح لمنصب رئيس جمهورية وقد قارب المائة، دون أن يسأم مع أن "من يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم".

الدرس الثاني هو نجاة هيكل الاستبداد من المحاسبة والقصاص مثلما تفعل كل الثورات الناجحة عبر التاريخ كالثورتين البلشفية والفرنسية. فهذا الخطأ التاريخي كان مكلفا لأنه مكّن للثورة المضادة وبعث الدولة العميقة من رماد فكان الذي نعلم وكاد الانقلاب نسجا على المنوال المصري ينجح لولا صمود أبناء الثورة أنفسهم.

النخب السياسية التونسية والعربية في أغلبها لم تتقبل ثورة الكرامة بعد أن تجاوز مطلب الثوار كل مطالبها. لقد رضيت ببقاء الاستبداد والاكتفاء ببعض الإصلاحات حتى اللحظات الأخيرة لهروب بن علي في حين كان شعار الجماهير يومها "الشعب يريد إسقاط النظام" وكان ذلك.

هول الصدمة هو أن نكتشف أن النخب السياسية العربية بكل مرجعاتها الأيديولوجية هي جزء من الاستبداد وحزام أمانه وهي معدلة جينيا ووظيفيا على ردود أفعاله ولم يسقط الاستبداد إلا لحظة خرجت من المعادلة وواجهت الجماهير الفقيرة الحافية النظامَ عاريا من حزام الأمان فأسقطته.

الدرس الثالث يتمثل في شراسة إعلام الدولة العميقة أو "إعلام العار" كما يقال في تونس حين لا تستكمل الثورة مسارها الطبيعي، فقد كان هذا الإعلام رأس حربة الثورة المضادة وتحوّل على منابره مخبرو "بن علي" وجلادوه ومثقفوه إلى خبراء ومحللين يحتكرون المشهد الذي يؤثثه المال السياسي الفاسد.

أبرزت الثورة أن كل الفضاء الرمزي من إعلام ومسرح وسينما وتربية وتعليم.. إنما كانت أدوات بيد الثورة المضادة، وليست النخب المثقفة في أغلبها إلا الوجه الآخر لنظام الموت العربي. دروس الثورة كثيرة لكن أهمها أن إرادة الشعوب لا تقهر لأنها من إرادة الله وأن أصل المعركة ومدارها وعي بشراسة الاستبداد وإدراك لقدرة الإنسان الفرد على تغيير الواقع مهما صُوّر له عصيّا على التغيير.

نقطة اللاعودة

الخوف من الانتخابات بحجم الخوف من الثورة بل يزيد لأن الانتخابات القادمة خطوة هائلة على طريق ترسيخ الشكل الأكثر عدالة في التعبير عن التعددية السياسية وعلى التداول السلمي للسلطة كما هو الحال في كل أرجاء العالم الحر
بلغت ثورة تونس الموعد الانتخابي الثاني بعد فشل محاولتين انقلابيتين على الثورة وعلى الانتخابات وإقرار الدولة العميقة في الداخل بهذا الفشل، فشل إجهاض الثورة خلال ثلاث سنوات عبر الاعتصامات والإضرابات والحرائق الاجتماعية التي قادها اتحاد النقابات العمالية وأذرعه اليسارية المسلحة بالحقد الأيديولوجي الأعمى، أعقبه فشل إجهاض الانتخابات التي إن تكررت ستقضي على ما تبقى من أحلام الانقلابيين بعودة النظام القديم.

آخر المحاولات هي السعي اليوم إلى تقويض النظام من داخل العملية الانتخابية نفسها حيث يهرول رموز النظام القديم نحو القوائم الانتخابية من أجل استثمار ما تبقى لهم من الرصيد الجهوي والطبقي والمالي. رعاة الانقلاب في الداخل العربي والأجنبي أقروا هم أيضا بفشل إجهاض الثورة لأن الشارع التونسي لم يستجب ولأن نتائج القضاء على المسار الثوري قد تكون وخيمة العواقب ولا أحد قد يتنبأ بها.

تبقى مخاطر المال السياسي الفاسد الذي يصل يوميا إلى تونس وقدرة الدولة العميقة على تزوير نتائج الانتخابات أهم الأخطار الآنية المحدقة بالثورة بعد فشل أكذوبة الإرهاب التونسي.

فهم الجميع أن تموقع الإرهاب في جبال القصرين هو انتقام من هذه المدينة الصامدة ومن سكان الشمال الغربي الأحرار الذين مرّغوا أنف النظام. المركز لن يغفر للهامش تمرده ولن يغفر لهذه المناطق الفقيرة قضاءها على مصالح البورجوازية التونسية التقليدية وطبقة العصابات من المتسلقين و الأثرياء الجدد.

فزاعة الإرهاب التي تنتقم اليوم من المناطق الفقيرة ومن منطقة القصرين بصورة خاصة هي رد من الدولة العميقة على من تجرأ وتمرد في وجه الاستبداد مثلما يفعل سفاح الشام انتقاما من أطفال درعا وحمص وحلب في نسخ تعيس لسلوك الاستبداد الدامي.

الخوف من الانتخابات بحجم الخوف من الثورة بل يزيد لأن الانتخابات القادمة خطوة هائلة على طريق ترسيخ الشكل الأكثر عدالة في التعبير عن التعددية السياسية وعلى التداول السلمي للسلطة كما هو الحال في كل أرجاء العالم الحر.

أصوات الفقراء والمهمشين لن تذهب هباء كما كانت من قبل ولن يعامل هؤلاء بمنطق الوصاية والتحقير بل سيحسب لهم الناخبون ألف حساب، وهو منطلق وإن كان ربحيا، فإنه يؤسس لكرامة الإنسان ولحريته وينبني على معادلة "أعطني حقي واحترم كرامتي أعطك صوتي وأمنحك السلطة".

مخاطر على الطريق
من الخطأ تحليليا الاعتقاد بأن ما أنجز على أهميته وخطورته أهم مما ينتظر الإنجاز، خاصة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. واهم من يعتقد أن الدولة العميقة قد ألقت بسلاحها وأن المعركة حسمت محليا وعربيا ودوليا.

فمسقط رأس الربيع العربي مازال يؤرق الجميع خاصة ممن رسخوا في أذهان الجماهير أن الاستبداد قدَرُنا وأن مجتمع العدالة والمساواة أو الديمقراطية التي تطرب لرنينها نُخبنا لم تُخلق لنا وأننا لا نستحقها.

نجاح الثورة التونسية سيطيح بكل هذه المسلمات في الوعي العربي وسيثبت أننا لسنا فقط أحق من غيرنا بمجتمع العدل والحرية بل إن مجتمعَ العدالة أحقُّ بنا من غيرنا لأنه نشأ مصاحبا لنشأة الوعي السياسي في ديارنا عندما كانت الحضارة العربية الإسلامية في أوج عطائها.

هذا الإنجاز هو أخطر ما يخافه أعداء الأمة في الداخل قبل الخارج لأنه قد يطيح بأنظمة راسخة في الفساد وضاربة في عمق التخلف والاستبداد، هذا الإنجاز هو الذي يفسر هلع دول عربية وخليجية بعينها ما زالت إلى اليوم تضخ المليارات من أجل إلحاق النموذج التونسي بالنموذج المصري.

لن تنجح الثورة التونسية ما لم تنجح في تحقيق العدالة الاجتماعية على الأقل في شكلها الأدنى من خلال ردم الهوة السحيقة بين المركز والهامش، بين المناطق الساحلية الغنية والداخل الفقير جنوبه وشماله

هذا الإنجاز قد يبخر أحلام الطائفيين في المنطقة العربية وجوارها القريب في إقامة إمبراطوريتهم الطائفية على جماجم العرب السنة بشكل خاص، هذا الإنجاز قد يعجل أيضا بضرب مصالح إمبراطوريات كبرى جعلت من ثروات العرب ودمائهم، والمسلمين منهم بشكل خاص وقودا لنهضتها ولهيمنتها على باقي الأمم.

هذا الإنجاز هو -فعلا- أخطر ما يمكن أن ينجزه العقل السياسي العربي تطبيقا وممارسة في تاريخه المعاصر.

لن تنجح الثورة التونسية ما لم تنجح في تحقيق العدالة الاجتماعية على الأقل في شكلها الأدنى من خلال ردم الهوة السحيقة بين المركز والهامش، بين المناطق الساحلية الغنية والداخل الفقير جنوبه وشماله وهي المهمة المركزية لنواب الشعب ولرئيس الجمهورية.

انتخابات مجلس الشعب توحي بفوز لا يريده المحافظون -وخاصة الإسلاميون منهم- كاسحا حتي لا يستفز خلايا الدولة العميقة في الداخل والخارج. أما الانتخابات الرئاسية فرغم التكالب المحموم على المنصب يبدو الرئيس المرزوقي في طريق مفتوح نحو الفوز بها عن استحقاق بفضل ما حققه داخليا وخارجيا من نجاحات أنقذت في أكثر من مناسبة الثورة التونسية والربيع العربي من مخالب المترصدين بهما.

هي نجاحات رسخت شعبيته في الداخل الفقير رغم الحملات الشرسة التي قادها إعلام الدولة العميقة من أجل شيطنته على مختلف المنابر. حسم الرئاسيات لصالح الرئيس المرزوقي نتيجة منطقية لمسار الثورة التونسية رغم هشاشة بعض الدوائر المحيطة به ورغم كل الصفقات التي يمكن لحلفائه أو لأعدائه إبرامها من أجل حسابات سياسية خفية تضر بالمصلحة العليا للوطن قبل أن تضر بالرئيس المرزوقي نفسه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك