نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


مضمون الرسالة
ماذا تقول الرسالة؟

كان مثيرا للدهشة أن يتداول نشطاء قبل أيام إعلانا نشرته صفحة "الرئيس محمد مرسي-الصفحة الرسمية" على فيسبوك، يفيد بأن "الدكتور محمد مرسي رئيس جمهورية مصر العربية يوجه رسالة إلى الشعب المصري الليلة"!

ولا يخفى أن سبب الدهشة لا يتمثل في أن الفيسبوك ما زال يعترف بشرعية الرجل رئيسا لمصر! ولا مجرد أن مرسي أرسل من محبسه إلى أنصاره رسالة، فقد فعلها من قبل أكثر من مرة. وإنما تأتي الدهشة من "رئيس معزول" بقوة الجيش يخاطب شعبه من خلف الأسوار الغليظة في ظرف شديد الحساسية وكأنه على كرسي السلطة تماما، وبعبارات ذات دلالة تحتاج إلى قراءة دقيقة، وبصياغة إعلانية تذكرنا بخطابات طويلة ألقاها مرسي وهو في السلطة على الشعب بعد انتظار وترقب.

وقد لا تعنينا كثيرا هنا قراءة الملابسات التي أحاطت بتسريب هذه الرسالة من السجن، ومن قد يكون وراء ذلك، وهل صاغها مرسي بنفسه، أو أملاها على من تولى إبلاغها وصياغتها، وإن كان التخمين في هذا الجانب أو ذاك قد يقودنا إلى اكتشاف أن الثغرات والخروق ما زالت تتكاثر وتتسع في جسم الانقلاب العسكري الذي استولى على السلطة في مصر بالقوة.

مضمون الرسالة

أول ما تحمله كلمات مرسي من رسائل هو أن الانقلاب في مأزق متصاعد، فما زال الشارع ثائرا برغم المواجهة الأمنية الدموية معه، والظهير الخارجي للانقلاب لا يمكنه تقديم دعم متواصل له دون أن يرى ما يطمئنه إلى ثبات الدولة الجديدة
في افتتاح رسالته هنأ مرسي الشعب المصري بالعام الهجري الجديد "والوطنُ في ذروة ثورته"، وقد أثلج صدره -كما يقول- "استمرار ثورتكم ضد هذا الانقلاب الكسيح وقياداته الذين يريدون إخضاع الوطن، وهيهات لهم ذلك، خائفين من مصيرٍ أسود عقابا لهم على ما اقترفته أيديهم من جرائم في حق هذا الشعب العظيم".
 
وأضاف أنه رفض وما زال يرفض "كل محاولات التفاوض على ثوابت الثورة ودماء الشهداء"، وسبب رفضه هو أن هدفها هو "أن يستمر المجرمون وينعموا باستعباد شعب لم يستحقوا يوما الانتماء له"، وشدد على ضرورة أن تلتزم الثورة نفس الموقف المتشدد من الانقلاب، قال: "وإنني كذلك أشدد تعليماتي لكل الثوار الفاعلين على الأرض بقياداتهم ومجالسهم وتحالفاتهم ورموزهم ومفكريهم وطلابهم أنه لا اعتراف بالانقلاب، لا تراجع عن الثورة، ولا تفاوض على دماء الشهداء".

وفي عبارات مثيرة للمشاعر ختم بها رسالته، أكد مرسي أنه لن يغادر السجن قبل "أبنائه" المعتقلين، ولن يدخل بيته قبل البنات المعتقلات، "وليست حياتي عندي أغلى من شهداء الثورة الأبرار"، وأنه يستمد العزيمة على الثبات من عزيمة الشباب وثباتهم "المبدع في كل ميادين الثورة وجامعاتها"، وأنه لم ينس في أي وقت أبناءه "المجندين الشهداء الذين يطالهم غدر الغادرين".

وقد جاءت تعليقات المتابعين للصفحة على الإعلان عن الرسالة مهمة في دلالتها، إذ انقسم رأي المصريين منهم بين مؤيد ومعارض، وامتازت لغة المعارضين بروح الاستهزاء والتجاوز اللفظي، في حين امتازت لغة المؤيدين عموما بالعاطفية والتمسك بالأمل، وهو ما يعكس حالة الانقسام التي كرستها سياسات الانقلاب، وفي صحبتها انحدار واضح في لغة الحوار بين الغرماء، خاصة من جانب المعارضين لعودة مرسي ممن لم تطرقهم أزمات النظام إلى الآن، أو طرقتهم وما زالوا يكابرون، أو ممن توحدوا مع الانقلاب في خندق واحد إلى الأنفاس الأخيرة.

وأما التعليقات العربية من خارج مصر، فقد جاءت أولا من المغرب ثم فلسطين ثم السودان وتونس وليبيا واليمن، والثلاثة الأخيرة من بلاد الربيع، والسودان شعورها بالجارة مصر قوي في ظل أزمات نظامها المتوالية، وفلسطين تنفست قضيتها روح الحياة بقوة في فترة حكم مرسي، فتفاعل كل هؤلاء الإيجابي مع الرئيس المنتخب المعزول طبيعي على كل حال.
 
وأما أبناء الشعب المغربي الشقيق، فيبدو أمرهم لافتا للنظر بموقفهم العام المناصر للثورات العربية، وخاصة في مصر، وحماسهم العارم في هذا السبيل على مستويات رياضية وثقافية وجماهيرية متعددة، وهو ما يمكن تفسيره بغياب الإعلام الملوث، أو ضعف حضوره في الساحة المغربية، ومشاركة الإسلاميين في الحكم.

ماذا تقول الرسالة؟
أول ما تحمله كلمات مرسي من رسائل هو أن الانقلاب في مأزق متصاعد، فبعد قرابة عام ونصف العام من الإطاحة بالشرعية ما زال الشارع ثائرا برغم المواجهة الأمنية الدموية معه، والظهير الإقليمي والدولي للانقلاب لا يمكنهما تقديم دعم اقتصادي وسياسي متواصل له بدون أن يرى هذا الظهير ما يطمئنه إلى ثبات الدولة الجديدة، وتلاشي المعارضة الداخلية لها أو اضمحلالها.

كما أن الاستفتاء على الدستور في عام 2013 وانتخابات الرئاسة في عام 2014 لم يحققا للنظام شرعية حقيقية، والأزمات تطحن الناس في مصر طحنا في ظل نظام فَهِم أن دعم أعوانه من العسكريين والشرطيين والإعلاميين اقتصاديا مع ترك الشعب تقتله الأزمات يمكن أن يضمن بقاء الأوضاع في الدولة كما هي.

كذلك فإن صفقة المساندة الإقليمية للانقلاب التي فرضت على مصر المشاركة في وأد بقية الثورات العربية، سيكون لها سلبياتها وانعكاساتها على الواقع الداخلي لمصر، لأن ما تملك أن تقدمه القاهرة في هذه الصفقة هو -قبل كل شيء- القوة العسكرية، وهذه لا يمكنها أن تعمل على حسم الخلافات المعقدة التي خلفتها الأحداث العربية خلال السنوات الأخيرة بدون ثمن باهظ سيكون له مردوده في الداخل المصري عند اكتشاف الحقائق في مدى زمني متوسط على الأكثر.
من اليسير أن تكتشف في رسالة مرسي، وبالتحديد كلامه عن قادة الانقلاب، ارتفاع نبرة التكفير الوطني -إن جاز التعبير- وهي اتهامه لهؤلاء القادة بأنهم خانوا الوطن، وارتكبوا أفظع الجرائم في حق شعبه، وأنهم لا يستحقون الانتماء إلى مصر أصلا
وإن بدا نبض الشارع الهادر حاضرا لدى مرسي في محبسه، وأن الشباب يتصدرون المشهد الثوري، وأنه يشدّ على أيديهم حتى يستمروا في طريقهم، فإن ما يبدو أخطر هو تفسير الرئيس المعتقل خلال كلماته أي محاولة تفاوضية معه على أنها ليست أكثر من مناورة لبقاء العسكر واستمرارهم في السلطة ونجاتهم من العقاب، وهو ما يعني أن ما قد يكون معروضا على مرسي من قبل قادة الانقلاب لا يتضمن -على الأقل- تخليهم عن السلطة تماما، إيمانا منهم بأنهم لن يحافظوا على أنفسهم إلا بالبقاء في كراسي السلطة.

وهذا يعني إيمان قادة الجيش بأن خط الرجعة مقطوع عليهم بعد الذي فعلوه بمصر وجيشها وشعبها، وأن الخيارات المتاحة أمامهم إما الانفراد بالحكم بالقوة والبطش، أو إقناع النظام السابق بصيغة تصالحية تنجيهم من العقاب، أو ذهاب الانقلاب برموزه ومشروعه كله.

ومن اليسير أن تكتشف في رسالة مرسي، وبالتحديد كلامه عن قادة الانقلاب، ارتفاع نبرة التكفير الوطني -إن جاز التعبير- وهي اتهامه لهؤلاء القادة بأنهم خانوا الوطن، وارتكبوا أفظع الجرائم في حق شعبه، وأنهم لا يستحقون الانتماء إلى مصر أصلا. وهي تهم فوق أن لها شهودا وعليها أدلة، فهي أهون من التكفير الديني الذي رفع الانقلاب لواءه ضد معارضيه.

يظهر كذلك من الرسالة أن المعلومات الإيجابية التي تصل إلى معتقلي الانقلاب عن مؤيديهم في الخارج والعكس، تؤدي إلى تبادل واضح للتأثير بين قيادات دولة مرسي وشخصياتها العامة وبين الثورة في الشوارع والمؤسسات المصرية، فثبات كل طرف يمد الآخر بطاقة نفسية تساعده على الاستمرار، برغم كم الأوجاع التي يعاني منها كل معتقل في محبسه، والأخطار التي يتعرض لها كل متظاهر ومعارض في داخل الوطن.

ويبدو أخيرا: شعور السطور السجينة، التي خرجت إلى الحرية دون أن يخرج صاحبها، بالأزمات والمشكلات التي تطرأ على صف مناهضي الانقلاب من وقت إلى آخر، وأن "الثوار الفاعلين على الأرض" -دون غيرهم- هم أصحاب الكلمة، وهم المرجع والأصل، لذا فهم أولى بأن يتجه "الرئيس" إليهم بالخطاب دون غيرهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك