كارل بيلت

كارل بيلت

رئيس وزراء السويد سابقا


عندما يذهب الناخبون في أوكرانيا إلى صناديق الاقتراع فلن يكون مصير بلدهم فقط على المحك، بل أيضا مستقبل جزء كبير من أوروبا. والأمر ببساطة أن مستقبل أوكرانيا سوف يقرر مستقبل روسيا، ومستقبل روسيا سوف يخلف تأثيرا قويا على مستقبل أوروبا.

عندما انهار الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من عقدين من الزمان، واختارت أوكرانيا الاستقلال، توقع كثيرون أن يكون أداؤها أفضل من أداء روسيا في السنوات التالية. ولكن الأحداث جرت على نحو مختلف.

خلال العقد الأول من القرن الجديد، استفادت روسيا من تأثير صناعة الهيدروكربون القديمة التي أصبحت أكثر كفاءة في تسعينيات القرن العشرين بفضل الخصخصة وارتفاع أسعار النفط. ولم يكن الارتداد عن التنويع الاقتصادي المرغوب والتراجع عن "التحديث"، حتى لم يتبق منه إلا شعارات، سببا في إثارة أي قلق مباشر.

عندما انهار الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من عقدين من الزمان، واختارت أوكرانيا الاستقلال، توقع كثيرون أن يكون أداؤها أفضل من أداء روسيا في السنوات التالية. ولكن الأحداث جرت على نحو مختلف

وعلى النقيض من ذلك، أصبحت أوكرانيا الدولة الأسوأ إدارة بين دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، حيث أحبطت المحسوبية والفساد القدرة الإنتاجية وتسببت في تخلف البلاد على نحو متزايد عن بلدان ما بعد الشيوعية في المرحلة الانتقالية.

والمقارنة الأكثر بروزا مع بولندا: فعند الاستقلال كان نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي متماثلا تقريبا في البلدين، واليوم أصبح نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في بولندا أعلى من نظيره في أوكرانيا بثلاثة أمثال.

وكانت الثورة البرتقالية في عام 2004 فاشلة بالنسبة لأغلب سكان أوكرانيا. فلم يحدث الانفصال المأمول عن الماضي، وتسبب التناحر السياسي بين قادة البلاد الجدد في عرقلة تنفيذ أي أجندة إصلاح جدية.

ولكن العام 2004 كان أيضا بمثابة فشل مرير بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي حاول وضع مرشحه الرئاسي المفضل فيكتور يانوكوفيتش على رأس السلطة في كييف من خلال دعم التلاعب في التصويت والذي جرى على نطاق واسع. وكان الفشل في تحقيق تلك الغاية ضربة قاسية تلقاها الكرملين، ولم ينسها ولم يغفرها منذ ذلك الحين.

ثم في العام 2010 كان فشل الثورة البرتقالية سببا في عودة يانوكوفيتش إلى السلطة في انتخابات حرة ونزيهة، وفي العام 2012 اختار بوتين نفسه لولاية رئاسية ثالثة في روسيا. وكان إنشاء اتحاد أوراسيا الجديد جزءا أساسيا في برنامجه الانتخابي.

وفي الوقت نفسه، كانت أوكرانيا تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي على اتفاقية التجارة الحرة واتفاقية الشراكة منذ العام 2007، واكتملت المحادثات في أوائل عام 2012، ورغم توافقها التام مع اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين أوكرانيا وروسيا، فإن الاتفاقية المقترحة مع الاتحاد الأوروبي لم تكن متوافقة مع مشروع بوتين الأوراسي.

وقبل ما يزيد على العام قليلا، بدأ الكرملين هجومه لتحويل أوكرانيا بعيدا عن اتفاقية الاتحاد الأوروبي التي حظيت بالدعم حتى من قِبَل يانوكوفيتش وحزبه (حزب المناطق).. والبقية تاريخ معروف، فقد تخلى يانوكوفيتش عن اتفاقية الاتحاد الأوروبي، واندلعت انتفاضة شعبية أطاحت به نتيجة لذلك، ونظمت روسيا غزوتين لأوكرانيا، وقُتِل الآلاف من البشر في إقليم دونباس في شرق البلاد.

ويسعى الكرملين إلى ما هو أكثر من ضم شبه جزيرة القرم وفرض السيطرة على حزام الصدأ في دونباس، ويتلخص هدفه في منع أوكرانيا من الاتجاه غربا، وسحق أي خطر داخل المدار الروسي الأوسع أو أي ثورات أخرى كتلك التي أسقطت يانوكوفيتش.

لا شك أن العقوبات الغربية ضد روسيا سلطت الضوء على الجدية التي ينظر بها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى الجهود التي يبذلها بوتين لتحدي وتقويض المبادئ الأساسية التي تحكم الأمن الأوروبي والقانون الدولي، ولكن روسيا سوف تظل رغم محاولات إضعافها قوة عاتية في جوارها المباشر. وفي نهاية المطاف، لن يتسنى منع طموحات روسيا الرجعية إلا بقوة وعزم أوكرانيا.

وضع روسيا على مسار المواجهة المستمرة مع الغرب ربما يدفعها إلى الاحتماء خلف عقلية الحصار، وما قد يترتب على ذلك من الخطر المتمثل في سعي الكرملين إلى التعويض عن الفشل الاقتصادي بالمزيد من السلوكيات الرجعية

ولكن تعزيز قوة أوكرانيا المبتلاة بالفساد والمحسوبية، والتي يثقل كاهلها عدوان روسيا ومحاولاتها زعزعة استقرارها، ليس بالمهمة السهلة. ولابد أن تمهد انتخابات يوم الأحد الطريق لظهور حكومة عازمة حقا على إصلاح البلاد جذريا.

ولابد أن تكون هذه الحكومة قادرة على الاعتماد على الدعم القوي الحازم من قِبَل المجتمع الدولي الأوسع. وتشكل حزمة صندوق النقد الدولي المنقحة والمعززة ضرورة أساسية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة. ولابد من إدخال تغيير جذري على سياسة الطاقة غير الرشيدة التي تنتهجها البلاد، والتي تقوم على إعانات دعم مسرفة إلى حد هائل. ولابد أن يستخدم الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي لدفع عملية الإصلاح إلى الأمام.

وإذا نجحت هذه الأجندة، فإن هذا يعني عرقلة محاولات الكرملين الرجعية، ومع زيادة هذا الأمر وضوحا فقد تسنح الفرصة لانطلاق موجة جديدة مطلوبة بشدة من الإصلاح في روسيا ذاتها. ولكن إذا فشل الإصلاح فليس هناك من شك في أن الكرملين سوف يواصل سياساته إلى أن يصل إلى أهدافه في كييف. والواقع أن بوتين ليس في عجلة من أمره، ولكنه يعرف ماذا يريد بوضوح.

وبهذا فإن وضع روسيا على مسار المواجهة المستمرة مع الغرب ربما يدفعها إلى الاحتماء خلف عقلية الحصار، وما قد يترتب على ذلك من الخطر المتمثل في سعي الكرملين إلى التعويض عن الفشل الاقتصادي بالمزيد من السلوكيات الرجعية. وكل من يطلع على الموقف القومي العدواني الذي تتخذه وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة الروسية الآن يدرك المخاطر التي قد تترتب على ذلك.

وفي ظل هذه الظروف قد ينشأ الخطر الحقيقي الذي يهدد أوروبا. ذلك أن طموحات روسيا لن تتوقف عند حدود نهر الدنيبر. وقد يتحول هذا السلوك الرجعي إلى استرجاع صريح مع سعي الكرملين إلى التعويض عن الضعف الداخلي باستعراض القوة في الخارج.

وبحلول ذلك الوقت، ربما يفوت أوان وقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع. ولهذا السبب فإن ظهور أوكرانيا القوية الديمقراطية بعد عقود من الفشل أمر بالغ الأهمية الآن. والواقع أن انتخابات يوم الأحد المرتقبة تشكل أهمية حاسمة بالنسبة لأوكرانيا، ولكنها تشكل أيضا ضرورة أساسية لتشجيع تحول روسيا إلى عضو حقيقي في الأسرة الأوروبية الديمقراطية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك