حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


احتواء حركة الشباب
عسكرة الصراع
فن الممكن

يبدو أن العقل العربي قد بات غير مكترث بما يحدث في بلاد الصومال وكأنها ليست شأنا عربيا خالصا حيث يهتم بها الجميع إلا نحن العرب. ربما لا يكون ذلك مستغربا بعد تدافع الأحداث الكبرى وسقوط بعض العواصم العربية في مناطق القلب من النظام الإقليمي العربي.

فهل أضحت الذاكرة العربية غير قادرة على تحمل عبء الاهتمام بدول الأطراف ومنها الصومال فتركتها لقدرها وكأنما ابتلعتها مياه المحيط الهندي العميقة.

لقد شهد الصومال في الفترة القصيرة الماضية تطورين هامين يدفعان إلى مزيد من التأمل والنظر عند استشراف مستقبل الأزمة الصومالية. التطور الأول يعبر عنه مقتل زعيم حركة الشباب المجاهدين أحمد عبدي غوداني -المعروف باسم مختار أبو الزبير- في غارة جوية أميركية في الأول من سبتمبر/أيلول 2014. أما التطور الثاني فيتمثل في سقوط مدينة براوي التي تعد عاصمة حركة الشباب وآخر ميناء كبير تسيطر عليه وذلك على يد قوات الاتحاد الأفريقي (أميصوم) والجيش الصومالي في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2014.

ذهب البعض إلى القول بأن مستقبل حركة الشباب المجاهدين بعد رحيل غوداني يكتنفه الغموض. ويبدو أن القائد الجديد للحركة وهو أحمد عمر أبو عبيد -الإثيوبي المولد- لا يتمتع بنفس كفاءة وقوة غوداني

ولعل هذه الانتكاسة الكبرى التي تعرضت لها حركة الشباب الصومالية تعد أشد وطئا من هزيمة الحركة وطردها من مقديشيو عام 2011. وعليه فإننا نحاول في هذا المقال إمعان النظر في تأثير ومآلات هذه التطورات الأمنية التي شهدتها الصومال وذلك من أجل استشراف المستقبل والحديث عن أبرز السيناريوهات المتوقعة.

احتواء حركة الشباب
لقد ظلت حركة الشباب منذ عام 2008 تحت قيادة صارمة أشبه ما تكون بالنظم الحزبية العقائدية التي تدور في فلك الزعيم الأوحد. فقد اتخذ زعيم الحركة الراحل أحمد غوداني موقفا أيديولوجيا متشددا برفضه الحوار مع الحكومة الصومالية وإعلانه عام 2009 الانضواء تحت راية القاعدة. كما أنه أحكم قبضته الحديدية على تنظيم الحركة بعد تصفية كل معارضيه ومنافسيه في يونيو/حزيران 2013. ولم يكتف غوداني بالقيام بعمليات عسكرية ضد القوات الأفريقية والصومالية داخل حدود الصومال، بل تعداها ليمتد النشاط العملياتي للشباب خارج الصومال حيث قام بالتخطيط لتفجيرات العاصمة جيبوتي 2014، والهجوم على مركز تسوق ويست غيت في نيروبي عام 2013، وتفجيرات أوغندا 2010.

وعليه فقد ذهب البعض إلى القول بأن مستقبل حركة الشباب المجاهدين بعد رحيل غوداني يكتنفه الغموض. ويبدو أن القائد الجديد للحركة وهو أحمد عمر أبو عبيد -الإثيوبي المولد- لا يتمتع بنفس كفاءة وقوة غوداني. كما أنه لا يمتلك نفس قاعدة التأييد العشائري التي امتلكها سلفه، وربما يفسر ذلك سر إعفاء بعض القادة في الحركة من مناصبهم وتعيين بعض المواليين للقيادة الجديدة بدلا منهم.

ومع ذلك فإنه من غير المتوقع حدوث تغير ملحوظ في توجهات حركة الشباب الأيديولوجية ولا سيما فيما يتعلق بالتفاوض مع الحكومة الصومالية أو طبيعة العلاقة الإستراتيجية مع القاعدة. ولكن إذا نحينا ذلك كله جانبا فإن التساؤلات الأكثر أهمية تتعلق بمدى وحدة وقوة تنظيم حركة الشباب. فهل يستطيع أبو عبيد توحيد كافة التيارات المتنافسة في التنظيم تحت قيادته؟

على المدى القصير يمثل مقتل غوداني ضربة موجعة للحركة حيث حرمها من جهود أبرز رموزها وقادتها الذي كان يمتلك قدرات تنظيمية فائقة سمحت له بأن يسيطر على كل شيء ابتداء من التجنيد ومرورا بالتمويل وانتهاء بالتخطيط للعمليات الميدانية.

ولعل الأثر النفسي الأكثر وضوحا يتمثل في عجز الحركة عن حماية قادتها وقابليتها للاختراق الأمني. ولكن على المدى المتوسط والبعيد لا يمكن القول بأن رحيل غوداني يعني نهاية حركة الشباب المجاهدين. إذ طبقا للعقيدة الجهادية يحدث نوع من التلازم بين الموت والشهادة وهو ما يعني زيادة أتباع غوداني من الشباب الذين يسعون إلى الفوز بالشهادة في سبيل تحقيق هدفهم المنشود.

وعلى الرغم من كل التأثيرات السابقة المترتبة على غياب غوداني فإن التحالف الإقليمي والدولي ضد حركة الشباب المجاهدين قد نجح في حصار هذه الحركة واحتوائها عسكريا واقتصاديا. فسقوط مدينة براوي يعد ضربة قاصمة أخرى للحركة التي كانت تستخدم ميناء المدينة في استيراد الأسلحة وجلب المقاتلين الأجانب، فضلا عن استخدامه كذلك في تصدير الفحم الخشبي، وهو الأمر الذي كان يعود على الحركة بملايين الدولارات. إذ طبقا لتقديرات الأمم المتحدة فإن مبيعات الفحم من براوي بلغت نحو 25 مليون دولار سنويا.

عسكرة الصراع
على الرغم من الضربات الأمنية القاسية التي تعرضت لها حركة الشباب المجاهدين فإن حسابات الربح والخسارة أو إن شئت الدقة قل الضعف والقوة بالنسبة لمستقبل الحركة يمكن قياسها استنادا إلى متغيرات ثلاثة أساسية: أولا فقدان الحركة سيطرتها على كثير من المدن والمناطق التي كانت تحت إدارتها وهو ما يعني تهميشها واحتواءها بفعل الهجمات المشتركة للقوات الأفريقية والصومالية، ولكن من المحتمل أن تغير الحركة من تكتيكاتها العسكرية حيث ينتشر مقاتلوها بين صفوف المواطنين في الأحياء والمدن المختلفة.

على المدى القصير يمثل مقتل غوداني ضربة موجعة للحركة حيث حرمها من جهود أبرز رموزها وقادتها الذي كان يمتلك قدرات تنظيمية فائقة سمحت له بأن يسيطر على كل شيء ابتداء من التجنيد ومرورا بالتمويل وانتهاء بالتخطيط للعمليات الميدانية

وربما تعمد الحركة إلى مهاجمة خطوط الإمداد والتموين الخاصة بالحكومة الصومالية من أجل إضعافها فضلا عن محاولة فرض رسوم وإتاوات على التجار ورجال الأعمال في المدن التي تسيطر عليها القوات الحكومية. ولا شك أن التخلص من هذه التهديدات الأمنية التي تفرضها الشباب يعني ضرورة إحداث تغير كبير في الإستراتيجيات الأمنية الحكومية وذلك من أجل تعقب المليشيات في مختلف الأنحاء والمناطق وهو ما يعني فرض ثمن باهظ لا تطيقه الحكومة المركزية التي تعاني من الضعف وقلة التمويل.

أما المتغير الثاني فإنه يتمثل في الدعم العشائري. إذ على الرغم من خسارة حركة الشباب سيطرتها على الأرض فإنه لا توجد مؤشرات على فقدانها دعم وتأييد العشائر الكبرى الموالية لها، ولا سيما في مناطق شبيلي السفلى والوسطى وحيران وجلجلا وجلجادور. كما أن حركة الشباب تستثمر الاستياء الشعبي في مناطق التوتر العشائري، مثلما هو الحال في إقليم جوبا السفلي.

ولا شك أن الصيغة الفدرالية المطروحة قد أثارت استياء بعض العشائر الكبرى، وهو ما يعني فشل الحكومة الصومالية في إقامة تحالف عشائري موجه ضد حركة الشباب المجاهدين.

ويرتبط المتغير الثالث بالقدرات العسكرية لحركة الشباب. فهل يمكن القول إن الحركة قد ضعفت وتراجعت مقدرتها على شن هجمات وعمليات عسكرية محددة وذلك تحت وطأة الضربات الموجعة للقوات الحكومية والأفريقية؟

الإجابة بالقطع هي بالنفي. إذ لا تزال الحركة تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات اغتيال وتدمير عنيفة ضد أهداف مختارة. وربما يزيد من قدرة الشباب على الهجوم استمرار مصادر التجنيد لهم من دول شرق أفريقيا ولا سيما كينيا وتنزانيا. وعلى سبيل المثال نستطيع الإشارة إلى بعض الزعماء والتنظيمات الإسلامية في كينيا مثل تنظيم الهجرة والمجلس الجمهوري لمومباسا، حيث يمثل هؤلاء بيئة حاضنة لفكر وأنشطة حركة الشباب في كينيا.

فن الممكن
إن سؤال ما بعد حركة الشباب في الصومال لا يعني بالضرورة نهاية الصراع العنيف في المشهد الصومالي ومنطقة القرن الأفريقي عموما. إذ تطرح قضايا البطالة والفقر وتهميش الشباب وإقصائهم عن المسرح السياسي تحديات أمنية صارخة.

ثمة احتمال قائم يرتبط بتفكك وانقسام حركة الشباب المجاهدين، حيث يمكن لبعض العناصر المعتدلة أن تنبذ العنف وتنضوي تحت إطار المعارضة السلمية للنظام الحاكم. أما العناصر المتطرفة والأكثر تشددا فإنها قد تسلك طريقا جهاديا دمويا على غرار تجربة تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا.

وعليه فإن انهيار وتفكك حركة الشباب المجاهدين -وإن كانت لا توجد مؤشرات حقيقية على ذلك بعد- لا يعني بالضرورة وضع حد للتحديات الأمنية التي تواجه الصومال ومنطقة القرن الأفريقي. ولا يخفى أن المقارنة بين تجربة كل من الصومال وأرض الصومال في عملية انهيار وبناء الدولة إنما تؤكد على أهمية إعلاء قيم الحوار والمصالحة طبقا لمبادئ السياسة بحسبانها فن الممكن.

ففي أعقاب انفصال أرض الصومال عام 1991 تم تنظيم مؤتمر حاشد للمصالحة في مدينتي بوراو وبومورا اعتمادا على الجهود والموارد المحلية للسكان. وقد أفضى هذا المنظور الشعبي "من أسفل إلى أعلى" في تسوية الصراعات إلى نجاح استرداد الدولة على عكس المنظور الفوقي الذي تم تبنيه في الصومال. فقد غلبت مصلحة الدول المانحة والقوى الإقليمية على مبادرات التسوية الصومالية وهو ما أدى إلى فشلها حيث تم إعلاء الأمني على السياسي دائما.

إن سؤال ما بعد حركة الشباب في الصومال لا يعني بالضرورة نهاية الصراع العنيف في المشهد الصومالي ومنطقة القرن الأفريقي عموما. إذ تطرح قضايا البطالة والفقر وتهميش الشباب وإقصائهم سياسيا تحديات أمنية صارخة

لقد أظهرت تجربة أرض الصومال، والتي أبرزنا خصائصها انطلاقا من هذا المكان في وقت سابق، حرص شعب الشمال على تحقيق السلام وليس الحصول على عوائد مالية لأعضاء الوفود. يعني ذلك أنه لا سبيل لتسوية الأزمة المتفاقمة في الصومال إلا من خلال إيجاد حل سياسي جامع يؤكد على قيم الحوار والمشاركة لجميع الفاعلين دون إقصاء أو تمييز.

لقد أفضى التدافع الدولي والأفريقي على الصومال في ظل غياب عربي واضح إلى التشكيك في عروبة الصومال. ألم يصرح حسن عيديد -أحد الزعماء الصوماليين- ذات مرة: أن الشعب الصومالي هو شعب أفريقي وليس عربيا، وأن الصومال عضو فقط في الجامعة العربية، لكن الأمة الصومالية لا تنتمي للعرب أو للعروبة بأي صلة".

وعليه فإن الدفع بالصومال صوب محيطها الأفريقي تحقيقا لمصالح بعض جيرانها الأقوياء مثل إثيوبيا وكينيا إنما يعبر عن محاولة للقفز على الهوية الثقافية والحضارية للشعب الصومالي، وهو ما يزيد الأمر تعقيدا. إن مشكلة حركة الشباب المجاهدين ليست هي الوحيدة التي يعاني منها المجتمع الصومالي وإنما هي واحدة من مركب معقد ومتشابك من الأزمات والمشكلات التي عبرت عنها أزمة انهيار الدولة الصومالية.

وأحسب أن إعمال مبدأ فدرالية الدولة المنصوص عليه في الدستور الصومالي المؤقت قد يفتح الباب واسعا أمام الاستقطابات والنزاعات القبلية وهو الأمر الذي يجعله جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل. لا مناص إذا أمام الصوماليين من تبني مبادرة كلية جامعة بعيدا عن استقطابات ومصالح القوى الخارجية من أجل إعادة بناء الدولة الصومالية الموحدة وفقا لمقولات فن الممكن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك