توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


أثار قرار الحكومة الأردنية شراء الغاز الفلسطيني من إسرائيل ردود فعل غاضبة وتخوفات كبيرة من ربط "الطاقة" الأردنية بإسرائيل لخمسة عشر عاما، كما تنص الاتفاقية الموقعة حديثا (خريف 2014).


وردا على استفسارات عديدة أتتني من صحفيين ونشطاء, أعيد المهتمين لبداية المخطط الجهنمي لسيطرة إسرائيل على طاقتنا ومصادرها، الذي كان مضمرا في "وادي عربة", وشرع بتنفيذه بتوظيف "فساد" في حلقة وادي عربة (والفساد في مصر في عهد مبارك).

وعند اقتراب نهاية مجلس النواب الذي كنت عضوة فيه, وبطمأنة هؤلاء أن انتخابات خريف العام 1997 التي ستشرف عليها ذات حكومة وادي عربة (أعيد عبد السلام المجالي لترؤس الحكومة) سيكون خلوا من المعارضة.

فتلك قصة أخطر ربط لنا بإسرائيل خطط له وتكشف لي في صيف ذلك العام حين أكمل مشروعه بنيّة توقيعه بعد انتخابات الخريف على الأرجح, أو قبلها إن اضطر أصحاب الصفقة. ولهذا وضعت تقريري المفصل بمخاطره سرا, وسلمته للملك حسين عصر يوم 29-7-1997 باليد عبر رئيس ديوانه الدكتور عون الخصاونة، وهو تاريخ تعمدته لكونه يوم خميس، فلا يتاح للحكومة أن تستبقني بتوقيع الاتفاقية الكارثية وزعم قيام أمر واقع, كما جرى في صفقات فاسدة مؤخرا علقنا فيها بمحاكم دولية.

مشروع الاتفاقية ينصّ, باختصار شديد، على أن تحتكر IJG الاستيراد والتصدير والبيع والتسعير والنقل عبر الأردن، لمادة الغاز بحيث لا يعود للحكومة الأردنية حق إجراء أي مفاوضات أو تعاقدات على هذه المادة مستقبلا مع أية مصادر أخرى

وبينت في تقريري المفصل في سبع صفحات ومرفق بوثائق منها نص الاتفاقية, استعجالي بطلب رد من الملك لكون إلغاء الاتفاقية يمكن أن يتم حينها دون أي التزامات أو خسائر تترتب على الخزينة، ولكن مجرد قيام الجهة التي منحت التعاقد وحدها دون إذن من الحكومة (حكومة عم سهل عبد الهادي المجالي الذي سيحصل على "التلزيم" (المنح) والتي وزير الطاقة فيها، كما سابقه, أعضاء في حزب عبد الهادي المجالي), كما يتيح لها نص استسلامي عجيب ورد في مذكرة التفاهم, يجعل التراجع عن الاتفاق أكثر تعقيدا.

وارتباط المشروع بوادي عربة يتضح من كونه جاء في سياق المشاريع المقدمة للأردن بناء على "رغبة الأردن السياسية" في أن يكون "لاعبا رئيسيا" في تجارة الطاقة في المنطقة ككل، وبالتحديد ضمن تصوّر "لخطوط أنابيب إقليمية", حسب النص الوارد في مذكرة التفاهم. وهذه "العينة" تظهر حقيقة المشروع الإقليمي المتولد من اتفاقية وادي عربة, و"هل نحن لاعبون رئيسيون هنا أم أنّ اللعب يتمّ بنا؟!" كما تساءلت في رسالتي للملك حسين.

ويتلخص المشروع في قيام وزير الطاقة بتوقيع مذكرة تفاهم لتلزيم (منح) استيراد ونقل وبيع الغاز الطبيعي إلى ومن وعبر الأردن، لشركتي أموكو الأميركية وتراكتابل البلجيكية وشريكيها المحليين شريف سعيد (الذي لم يسمع باسمه الثنائي من قبل ولا من بعد) وسهل عبد الهادي المجالي، وسمي هذا الفريق (IJG)، ومذكرة التفاهم أعطيت "تلزيما" دون طرح عطاء وحتى دون طلب كفالة ماليّة من الشركتين الغربيتين أو شركائهما المحليين ودون تقييم القدرة المالية أو الفنيّة لهؤلاء.

كما تغاضت الوزارة عن طلب دراسة الجدوى الاقتصادية المنصوص عليها في مذكرة التفاهم لمجرد أنّ (IJG) رفضت تقديمها باعتبارها تخصها وحدها.. وما سأورده عن مشروع الاتفاقية المقدم من هؤلاء وقبلته حكومتنا يدل على سبب الامتناع عن تقديم الجدوى الاقتصادية لهذا الصيد السهل الكبير!

مشروع الاتفاقية ينصّ, باختصار شديد، على أن تحتكر IJG الاستيراد والتصدير والبيع والتسعير والنقل عبر الأردن، لمادة الغاز بحيث لا يعود للحكومة الأردنية حق إجراء أي مفاوضات أو تعاقدات على هذه المادة مستقبلا مع أية مصادر أو وكلاء آخرين، وهو تنازل عن حق سيادي للدولة الأردنية لصالح الشركة المحتكرة.

وحتى مرجعية التحكيم في الاتفاق تترك الخيار للشركة المحتكرة في اعتماد أية معايير تختارها للتطبيق. وهذا الاحتكار لهذه المادة الإستراتيجية أُعطي لـIJG لمدة خمسين عاما قابلة للتجديد لمدد طول كل منها 25 عاما بإرادة وقرار طرف واحد هو المحتكِر، أيّ أنّ الاحتكار سيستمر للأبد، وهذا غير مسبوق في أية اتفاقية تبرمها دولة ذات سيادة!

ويمتد التطاول على سيادة الأردن لتصبح IJG هي المالكة -حسب الاتفاق المقترح- لأمر تصدير الغاز أو استعمال الأردن معبرا لهذا التصدير، أي أنّها أعطيت حق تحديد مع من نتعامل كدولة مصدرة أو كمعبر.

ومعنى هذا أنّنا فقدنا السيادة والسيطرة على أرضنا، وفقدنا حقنا السيادي في تحديد علاقاتنا الخارجية الاقتصادية والسياسية -فكلاهما مرتبط بالآخر- مع إخوتنا العرب كما مع بقية العالم!

ويصل التطاول حد فرض الشركة على الحكومة الأردنية عدم دعم المحروقات أو الطاقة بأنواعها لأي سبب، وهي سابقة خطيرة تتجاوز ما يقال عن الخصخصة واقتصاد السوق إلى إعطاء شركة من جنسيات أجنبية حق إملاء السياسات، فالدعم أو عدمه هو قرار دولة تتخذه الحكومة ويخضع لموافقة مجلس النواب.

وبتحكمها منفردة بتسعير الغاز تتحكم شركة IJG بكل شركات إنتاج الطاقة الكهربائية وبتسعيرته أيضا إلى الأبد, وبما يتجاوز كلفته على المواطن العادي لكلفة وفرص قيام واستمرار الصناعة والزراعة وأية مشاريع إنتاجية أو تجارية عبر تحكم الشركة بأسعار الطاقة غازا وكهرباء!

يصل التطاول في مشروع الاتفاقية حد فرض الشركة على الحكومة الأردنية عدم دعم المحروقات أو الطاقة بأنواعها لأي سبب، وهي سابقة خطيرة تتجاوز ما يقال عن الخصخصة واقتصاد السوق إلى إعطاء شركة من جنسيات أجنبية حق إملاء السياسات

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ذات الشركتين الأجنبيتين سبق أن حاولتا أخذ تصريح لإنشاء محطة كهرباء في الأردن وفشلتا، فعادتا للسيطرة على كامل إنتاج الكهرباء وتسعيره عبر شركائهما الجدد! وعبر بند الاحتكار وبند آخر يمنع الحكومة مما سمي إعطاء "شروط أفضل" لجهة أخرى تمنع IJG الأردن من التفاوض مستقبلا على عقود أخرى أفضل (كانت هنالك مفاوضات بشأن حقول غاز شمال السعودية وكان يمكن الحصول على الغاز بسعر مخفض أو مجانا من العراق).

والشركة المحتكرة غير محايدة، فلها حصة في الغاز المصري عبر الشركتين الأجنبيتين، وإسرائيل حتما هي المقصودة بمنح الشركة احتكار تصدير الغاز عبر أراضينا كونها الوحيدة في محيطنا التي تحتاج للغاز الطبيعي حينها (1997). والتصدير لإسرائيل قد يمنع مصر مستقبلا من تزويدنا بالغاز إذا كنا سنعيد تصديره لإسرائيل (حتى دون هذا تكرر تفجير أنبوب الغاز الواصل لنا كما أنبوب إسرائيل منذ بداية ثورة ربيع مصر).

وتتحكم الشركة -حسب شروطها المقدمة- بأراضي المملكة واستعمالاتها سواء كانت مملوكة للخزينة أو لأشخاص عاديين, وإضافة لتحكمها بمجمل أرض المملكة كمعبر لتصدير الغاز، فهي تطالب بحق مد أنابيبها في أية أرض وتحت الأرض أو فوقها، بل وتطالب بحق تحديد استعمالات تلك الأرض من قبل مالكيها، سواء كانت مملوكة للدولة أو لهيئات أو أفراد! وهذا تعد صارخ على حقوق الملكية الفردية وعلى سيادة الدولة يصل لاشتراط موافقة الشركة على إقامة الدولة أو القطاع الخاص لمشاريع تنتظم تلك الأرض مهما كانت هذه المشاريع حيوية!

هذا فيما لا تريد الشركة استملاكه من أراضينا، بل مجرّد استعماله "خاوة" (غصبا).. أمّا الاستملاك فتلزم الشركة الحكومة الأردنية بأن تستملك لها، وعلى نفقة الحكومة "مقابل مبلغ مقطوع يتفق عليه"، كافة الأراضي التي تطلبها للمشروع, ودون بيان مقدار "المبلغ المقطوع" هذا، وبدون تحديد مسبقٍ للأراضي ومواقعها.

ومن معرفتنا بأسعار الأراضي في المملكة وما يطرأ عليها من ارتفاع خاصة مع بدء الشراء، فإنّ الحكومة الأردنية ستدفع ما يفوق المليار الذي هو كامل كلفة المشروع المقدرة، ثمن أراض للشركة فقط تحت ذريعة استعمالات المشروع.

وتستطيع الشركة أن تختلق حججا وتختار أي أراضٍ تريد امتلاكها ما دامت لم تحدّد هذا مسبقا، خاصة أنها أعطيت الحق ليس فقط بالتملك في الأردن، بل في إعفاء أملاكها من كل الضرائب والرسوم ممّا لا يتاح لأي مواطن أردني، كما سيرد لاحقا.

الاستملاك يقوم بمبرّر استعمال الأرض لمصلحة عامة، وما تطلبه الشركة هو مصلحتها الخاصة، وهذا خرق فاضح للقوانين والدستور الأردني يتضمن تعديا على حقوق الأردنيين.

وكل هذا الاستملاك الذي ستقوم به الحكومة على حسابها ولصالح الشركة لا يعطي الدولة الأردنية حق استعمال شبكة أنابيب الشركة (تصل لكل بيت) أو أي من الأراضي المستملكة أو المستعملة من قبلها، لنقل أو توصيل غاز يخدم حاجات متزايدة أو طارئة للمملكة، أو غاز يأتيها مجانا، أو حتى لتوزيع الغاز الطبيعي المكتشف محليا داخل الأردن.

وتزيد IJG على هذا بأن تطالب الحكومة بإعفاء ضريبي لكل المساهمين فيها والعاملين لديها والذين تتعاقد معهم، والمتعاقد معهم فرعيا، والمزودين لموادها أو خدماتها، والمقرضين لها، من كل أنواع الرسوم والضرائب دون استثناء ولا حدود, سواء تلك المنصوص عليها في القوانين الحالية وما سينص عليه مستقبلا (حسب النص الحرفي لمشروع الاتفاقية/التلزيم).

وتعدد على سبيل المثال لا الحصر كل الضرائب والرسوم المفروضة بقوانين أو أنظمة سارية حينها.. فأي استثناء هذا لا يجرؤ على طلبه، أو حتى ممارسته سرا، جيش محتلّ؟! ثمّ إنّ فرض الضرائب أو الإعفاء منها لا يتم إلا بقانون, والشركة تريد أن تصادر حق نواب الأمّة الدستوري في التشريع وحقهم الرقابي على سياسات الحكومة وأموال الأمّة!!

كل هذا يقدم لـ"شخصين" تقول مذكرة التفاهم إنّهما "ينويان" تأسيس شركة، ويرفضان إعطاء موعد لتسجيلها ويرفضان تحديد رقم مالي لاستثمار الشركة إذا ما تأسست.. مع العلم بأنّ الرقم في حده الأدنى -حسب قيمة العطاء- بحدود 300-400 مليون دولار، ومع ذلك رفض "الشريكان" المحليان الالتزام بقرش واحد ولو مشافهة!

وما يستشفه أي عاقل من هذا هو أنهما ليسا شريكين بل -بالتعريف العلمي الاقتصادي الصريح- مجرد سمسارين, وحتما واجهة لشركاء محليين من بينهم إخوة عبد السلام المجالي الذين كانوا "واجهة" لحكومة توقع اتفاقية "وادي عربة" حين كان مجرد ذكر الصلح مع إسرائيل جريمة, واستنكاف كثر عن قبول الدور جعله يؤول لهؤلاء.

نشر تقريري الحثيث أدى لجدال صحفي بيني وبين وزارة الطاقة التي زعمت أن الأمر مجرد مشروع لم يُبت فيه. وحين واجهتها بالوثائق زعمت أنها كانت رفضت المشروع بكتاب رسمي وجهته للشركة (غير الموجودة!)

نشر تقريري الحثيث أدى لجدال صحفي بيني وبين وزارة الطاقة التي زعمت أن الأمر مجرد مشروع لم يبت فيه. وحين واجهتها بالوثائق زعمت أنها كانت رفضت المشروع بكتاب رسمي وجهته للشركة (غير الموجودة!). وحين طالبتها بإبراز الكتاب التزمت الصمت وفرضت على الصحافة عدم نشر أي شيء له علاقة بالموضوع.

ويبدو أن المتورطين أدركوا أن قبولهم نشر كتاب بتاريخ ورقم سابقين سيمكنني من مقاضاتهم بتهمة تزوير وثيقة رسمية. فقد سلمت تقريري للنيابة العامة أيضا (كما التزمت في رسالتي للملك حسين) مرفقا بطلب مني كنائبة وكمواطن بالتحقيق مع المتورطين في القضية بتهمة "الشروع في جريمة".

وأثناء زيارتي للنائب العام (أو رئيس النيابات العامة لا أذكر أيهما), قال إن الأمر -برأيه- "إعداد لجريمة" وليس شروعا فيها, والأولى تهمة أخف.. فذكّرت بوجوب توقيف من "أعدّوا" لجريمة كهذه والتحقيق معهم, خاصة لكون حكومة ووزراء ونواب متورطين فيها.

الصفقة ألغيت بعد هذا النشر بانسحاب شركتي أموكو وتراكتابل. ولم يتم أي تحقيق بدلالة عدم سماع شهادة غيري ممن أوردت أسماؤهم كشهود. والغاز المصري حُوّل "تلزيم" استيراده للأردن لشركة "الفجر للغاز" التي سجلت في مصر ولا وجود لأي تفاصيل عنها في ملفها بوزارة الصناعة والتجارة الأردنية سوى اسمها واسم محاميها في الأردن.

ورغم ذلك فمن بين أصحابها المؤسسين واجهات لمتنفذين منهم سهل المجالي وحسن علي أبو الراغب وآخرون أكثر أو أقل تنفذا.. أما إسرائيل فقد أبرمت صفقة شرائها للغاز المصري مباشرة مع الشركة الواجهة لنظام مبارك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك