يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي


في أواسط يوليو/تموز الماضي، وفي عز العدوان الإسرائيلي على شعب غزة، خصصت أماني الخياط الصحفية بفضائية "أون.تي.في" -وهي فضائية خاصة مملوكة لرجل الأعمال المسيحي نجيب ساويرس- إحدى حلقات البرنامج السياسي الذي تشرف عليه، للحديث عن التصعيد المتزايد في استهداف قطاع غزة حجرا وبشرا وشجرا من لدن إسرائيل، فعرضت لفيديو قصير يناشد فيه خالد مشعل المغاربة كي "يهبوا فرادى وجماعات لتحرير فلسطين".

مباشرة بعد بث الفيديو، وبدون مقدمات شكلية من شأنها تأطير سياق الحديث، اللهم إلا زعمها أن مصر قدمت لفلسطين أكثر مما قدمه المغرب لها، انهالت الصحفية على المغرب والمغاربة بالقول "إن المغرب رأى أن ثورات الربيع العربي قد أفرزت حكومات إسلامية، لذلك فقد ابتدع لنفسه إسلاميين ومنحهم السلطة.. وأن الشارع والشعب هما اللذان أديا الثمن في المحصلة النهائية". ومعنى هذا أن الصحفية ترى أن ثمة "دورا ملتبسا للملك المغربي في إبرامه هذه الصفقة مع الإسلاميين".

وتابعت الصحفية كلامها بالقول المباشر ودون مجهود من لدنها لتأثيث إطار الحديث، أن المغرب مصنف ضمن الدول التي يعرف فيها مرض الإيدز مستويات مرتفعة، وأن اقتصاده مرتكز على مداخيل سوق الدعارة، "حتى والبلد مسير من لدن حكومة إسلامية".

ما السر في التحامل على المغرب من لدن فصيل في الإعلام المصري أدى به الاندفاع لدرجة تعكير صفو العلاقة بين بلدين عربيين بعيدين بالجغرافيا، مختلفين في طبيعة نظام الحكم، لا ترسبات سياسية أو عقائدية بينهما

لم يمض على هذه الواقعة زمن طويل حتى "طلعت علينا" الصحفية رولا خرسا في استجواب لها مع الفنان يوسف شعبان من بين ظهراني فضائية "صدى البلد" -وهي فضائية خاصة يملكها رجل الأعمال النافذ محمد أبو العينين- زعم فيه شعبان أن أصول زعيم الإخوان المسلمين حسن البنا تعود إلى المغرب، وأن "ديانته الأصلية هي اليهودية، وأن اليهود يستبدلون دينهم لتلبية أغراضهم" وبلوغ أهدافهم.

ويضيف "أنا لا أعرف حسن البنا، إلا أنه كان متواجدا في المغرب، ثم جاء إلى القاهرة عبر الإسماعيلية.. ومن ضمن عشرة مغاربة هناك ثمانية يهود.. ينتحلون صفة الإسلام لمصالح معينة"، وبالتالي فإن "أغلبية شعب المملكة يهود ينتحلون صفة مسلم من أجل المصلحة".

نحن إذن هنا إزاء حالتين تبدوان متباعدتين في الزمن نسبيا، لكنهما نابعتان من نفس الجهة، مقتنيتان لنفس الأقنية الإعلامية، ومتمحورتان معا حول المغرب شعبا ومؤسسات. ونحن إزاء حالتين بُتر السياق من بين ظهرانيهما بترا، وتم ليّ عنق مجريات الحديث ليتسق مع قولٍ هو إلى الحشو القسري أقرب منه إلى وحدة الموضوع المعالج: تغطية العدوان على غزة، في الحالة الأولى، واستبيان رأي فنان في ما يجري بالعالم العربي منذ انطلاقة ظاهرة "الربيع العربي" وإلى حين تسجيل اللقاء، في الحالة الثانية.

ونحن -فضلا عن ذلك كله- إزاء استهداف مباشر لبلد ودولة لم يزايدا على شعب مصر عندما أطاح بالرئيس مبارك وحمل الإخوان المسلمين إلى السلطة، ولم يزايدا عليه حينما أسقطهم ورضي بغيرهم قسرا أو طواعية، أو لنقل ارتضاهم لوأد الفتنة وتجنب إدخال البلد في أتون مجهول كان قاب قوسين أو أدنى من التحقيق.. أو هكذا قدمت الأمور في حينه.

ما السر إذن في التحامل على المغرب من لدن فصيل في الإعلام المصري أدى به الاندفاع إلى درجة تعكير صفو العلاقة بين بلدين عربيين بعيدين بالجغرافيا، مختلفين في طبيعة نظام الحكم، لا ترسبات سياسية أو عقائدية بينهما، ولا اتهامات مسبقة لبعضهما البعض على أساس من القول "بالتدخل في الشؤون الداخلية"، أو خلفية الادعاء بالتآمر الضمني، أو الزعم بانحياز المغرب إلى هذه الجهة أو تلك ضد مصالح مصر، أو العكس بالعكس؟

ثمة -فيما يبدو لنا- أسباب تاريخية وجيهة، حتى إن لم يعد لها منذ أمد بعيد، وقع كبير يذكر. وثمة إلى جانبها، أسباب أتت من وحي "الربيع العربي"، لربما هي التي كان لها الوقع الأكبر.

من ضمن ما نعتبره أسبابا تاريخية، نسجل "عدم اطمئنان" المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني لحكم الضباط الأحرار عام 1952، لا سيما طيلة فترة حكم الرئيس عبد الناصر وطموحاته القومية وتطلعاته للوحدة بين الدول العربية بقيادة مصر.

لم يكن التنافر بين الرجلين نابعا فقط من تباين في المرجعية الأيدولوجية، أو متأتيا فقط من اختلاف ما حول شكل المقاربة لبلوغ الوحدة، أو حول الجهة التي من المفروض "تقديم الولاء لها" (الاتحاد السوفياتي في حينه أو الولايات المتحدة)، بل نابعا أيضا من تعارض في تشخيص وتوصيف سمة الزعامة "المتبارى بشأنها"، إذ لم يكن الحسن الثاني من الطينة التي ترتضي أن يكون هناك قطر قائد للمنطقة العربية، سواء تماهى معها جهارة، أم تنافر معها في الأيدولوجية والمشرب بصورة مضمرة.

لذلك، فقد كان دائما -في حينه أقصد- بين المغرب ومصر حزازات باطنة، مصدرها حرب مواقع حقيقية بخصوص قضايا محددة (عربية ودولية)، لكنها كانت خفية بفعل السياسة ومغلفة بلغة المجاملة بفعل الدبلوماسية، فلم تكن تبرز إلى السطح إلا استثناء.

وعلى الرغم من أن هذا التضاد المبطن لم يدم طويلا، بل تراجع بقوة منذ رحيل الرئيس عبد الناصر، فقد ضمنت له -للتضاد أقصد- بعض الأقلام وبعض "الطلعات من على بعض الفضائيات"، وبعض شهادات سياسيين مخضرمين أيضا، بعض الهشيم، تؤجج ناره تارة باستحضار هذه الوثيقة السرية في العلاقات البينية أو تلك، وتخفف من وطأتها تارات أخرى حسب الظروف وحسابات السياسة، أي عندما لا يكون ثمة ما يعكر صفو العلاقات.

ثمة أسباب تاريخية وجيهة لحملة الإعلام المصري، حتى وإن لم يعد لها منذ أمد بعيد، وقع كبير يذكر. وثمة أسباب أتت من وحي الربيع العربي، لربما هي التي كان لها الوقع الأكبر

أما الأسباب المترتبة عن تموجات "الربيع العربي" فتكمن تحديدا في وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة بمصر، ووصول حزب العدالة والتنمية (ذي المرجعية الإسلامية) إلى مقاليد الحكم بالمغرب، وهو ما بدا في حينه وكأنه مد إسلامي "طبيعي" لا يمكن أن تأتيه الانتكاسة من أمامه أو من خلفه، لا سيما وقد احتكم إلى صناديق الاقتراع واتكأ على قاعدة الخيار الشعبي الواضح.

صحيح أن العلاقة بين الحكومتين قد خانها المدى الزمني الكافي الذي كان من شأنه أن يساعد على تقييم طبيعة ذات العلاقة وقياس مداها المحتمل، إلا أن توافر عنصر التناغم الأيدولوجي والسياسي بينهما كان كافيا وحده للتأشير على أن الطريق بات سالكا، وأن عهد الاحتقان -البائن أو المستتر- قد ولى دون رجعة.

أما وقد تمت الإطاحة بحكم حركة الإخوان في مصر واقتيد أعضاؤها فرادى وجماعات إلى السجون، فإن معطيات المعادلة تغيرت، ونبرة الخطاب السياسي تحولت، والاحتقان عاد من جديد، بالتلميح تارة وبالمباشر الحي تارات أخرى. ولم تكن حالتا أماني الخياط ويوسف شعبان إلا تمظهرا للواقع الجديد، وتعبيرا إعلاميا عن طبيعة ومضمون ما يضمره الحكام الجدد في مصر.

فالمغرب الرسمي لم يعترف بالثاوين خلف الانقلاب على الرئيس مرسي إلا بعد مدة من الزمن وباحتشام كبير، في موقف بدا لنا في حينه كأنه رفض ضمني لما جرى، وتذمر من الارتداد عن الخيار الديمقراطي الذي رضيه المصريون طواعية في أعقاب ثورة 25 يناير، تماما كما رضي المغاربة بوصول حزب إسلامي إلى السلطة، قيل ويقال بأن أيدولوجيته لا تختلف كثيرا عن أيدولوجية إخوان مصر، اللهم إلا في بعض التفاصيل الثانوية.

ثم إن المغرب الرسمي خلال حفل تولية السيسي مقاليد السلطة كرئيس "منتخب" جديد، لم يوفد وزيرا من حزب العدالة والتنمية "الحاكم" (فما بالك أن يوفد رئيس الحكومة، امتثالا للأعراف والتقاليد الدبلوماسية الجارية)، بل أوفد وزيرا ضمن الحكومة القائمة، لكن حزبه علماني ومنصبه محسوب على القصر، في إشارة إلى أن ما يربط المغرب بمصر هو علاقة دولة بدولة لا علاقة حكومة بحكومة، أيا ما يكن الطيف السياسي أو الأيدولوجي لهذه الحكومة أو تلك.

أما المغرب غير الرسمي (المغرب الشعبي بلغة الإعلام)، فلم يتماه كثيرا مع الذي جرى في مصر يوم 3 يوليو/تموز 2013، لم يفهمه ولم يتفهمه، بل اعتبره انقلابا صارخا على شرعية الصناديق الانتخابية، وتآمرا على التجربة الديمقراطية، حتى وإن تفهم أخطاء الإخوان وهم بالسلطة.

ولكأننا هنا بلسان حال المغاربة يقول: لا يجوز إزاحة سلطة منتخبة بالقوة وإن أخطأت الاختيارات، إذ عند الخطأ ثمة آليات من المفروض تفعيلها لتصحيح الاعوجاج وإعادة الأمور إلى نصابها، وإذا استحال ذلك فثمة بكل الأحوال استحقاق انتخابي دوري يحاسب ويعاقب.

وبقدر ما لم يستسغ المغاربة كثيرا الانقلاب على "نظام" الإخوان، لم يستسيغوا مطلقا موقف مصر من العدوان الأخير على غزة، ولم يفهموا تردد الحكومة المصرية في مؤازرة الفلسطينيين، وتلكؤها في الضغط على إسرائيل لوقف العدوان على شعب أعزل منعدم الحيلة، غير قادر على حماية نفسه بنفسه، تحاصره المعابر من كل صوب وحدب، وضمنها معبر رفح التابع قانونيا لمصر.

بالقدر ذاته وربما أكثر، استغرب المغاربة تحامل بعض الإعلاميين على شعب غزة وحركة المقاومة بداخله، واندهشوا لمطالبة هؤلاء إسرائيل بإبادة ساكنة غزة ورمي أهلها في البحر، في سابقة لم يعهدها الإعلام المصري في أحلك فترات العلاقة بين الفلسطينيين والحكم في مصر.

وهو شعور تمت معاينته بالمنابر الإعلامية المغربية على اختلاف توجهاتها، وتمت ملاحظته بقوة في المظاهرات الشعبية التي نددت بالعدوان، ورفعت شعارات تدين الموقف المصري مما يجري في القطاع.

يبدو أن التحامل على المغرب لم يكن مبررا ولا مهنيا، ولا يمت إلى الأخلاق بصلة، بل ولا يمت إلى المنطق في شيء. فهل وجود حكومة إسلامية في المغرب يعتبر في حد ذاته عامل تنغيص على الحكم في مصر؟

لذلك فإننا نزعم بأن تحامل أماني العطار ويوسف شعبان وما سواهما من على بعض الفضائيات الخاصة، لم يكن موجها مباشرة للحكومة (حتى وإن كان التحامل موجها للونها السياسي) أو للدولة المغربية -مؤاخذة على ترددها في الاعتراف بالنظام الجديد- بل كان موجها للمغاربة، كل المغاربة، لكونهم أدانوا الانقلاب دون مواربة، وأدانوا تواطؤ الثاوين خلفه مع إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة.

ورغم اعتذار الصحفية وقولها بأنها لم تكن تقصد جرح شعور المغاربة، بل "كنت أقصد إظهار معارضتي للذين يتخذون من الدين أصلا تجاريا"، فإن الذي تفوهت به إنما يضمر مواقف العديد من الإعلاميين المصريين الذين اصطفوا إلى جانب الانقلاب، ثم إلى جانب موقفه من العدوان على غزة، وباتت لهم حساسية شديدة من الذين يبدون رأيا مخالفا.

بالقدر ذاته، فإن اعتذار يوسف شعبان غير مفهوم أيضا، فقد أورد موقع "اليوم السابع" تصريحا له قال فيه "عندما تحدثت في هذا الشأن كنت أخاطب أناسا واعين، وقصدت زمنا ووقتا معينا، ولم أقصد إهانة شعب المغرب، والملك محمد السادس حبيبي، واستقبلته عندما جاء إلى القاهرة ودعاني لزيارة المغرب.. اليهودية ديانة سماوية، وأنا ماكفرتش عندما قلت إنه كان يتواجد في المغرب نسبة كبيرة من اليهود وقت ظهور حسن البنا".

ومع ذلك، يبدو أن التحامل على المغرب بالصيغة الفجة التي قدمناها أعلاه، لم يكن مبررا ولا مهنيا ولا يمت إلى الأخلاق بصلة، بل ولا يمت إلى المنطق في شيء. فهل وجود حكومة إسلامية في المغرب يعتبر في حد ذاته عامل تنغيص على الحكم في مصر؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك