نزار السامرائي

نزار السامرائي

مستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية


مدينة الموصل هي مركز محافظة نينوى في شمال العراق، وتعد ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد من حيث عدد السكان، ففي عام 2011 بلغ تعداد محافظة نينوى 3.5 ملايين نسمة، يقطن نصفهم تقريبا في مدينة الموصل، بينما يتوزع البقية على ضفتي نهر دجلة في عدة مدن (أقضية ونواحٍ). وتبعد الموصل عن بغداد 400 كلم، بينما تزيد مساحة المحافظة عن 37 ألف كلم2.

تتميز مدينة الموصل بأنها المدينة التي قدمت للجيش العراقي أكبر عدد من الضباط، برز منهم قادة كبار طبعوا سلوك أبناء المدينة من الأجيال اللاحقة بالرغبة في الانخراط في سلك الجندية، ولهذا برزت الموصل كمدينة مقاومة للاحتلال الأميركي.

كما يتميز أبناء الموصل بالتدين رغم كونها مدينة مختلطة ومتعددة الديانات، فإلى جانب الإسلام، هناك المسيحية والإيزيدية، وعدد آخر من الفرق الباطنية الصغيرة وأحيانا المنغلقة على نفسها، مع وجود التشيع على نطاق محدود في المدينة والمحافظة، ولكن هذا التنوع لم ينعكس سلبا على المدينة إلا بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

تتميز الموصل بكونها المدينة التي قدمت للجيش العراقي أكبر عدد من الضباط، برز منهم قادة كبار طبعوا سلوك أبناء المدينة من الأجيال اللاحقة بالرغبة في الانخراط في سلك الجندية، ولذا برزت كمدينة مقاومة للاحتلال الأميركي

ومن الموصل خرج الشيخ محمد محمود الصواف الذي أسس فرع حركة الإخوان المسلمين في العراق، إضافة إلى عشرات من علماء الدين البارزين. ومن رجال هذه المدينة الذين يجمعون بين التوجه الديني والانتماء إلى المؤسسة العسكرية، الباحث الإسلامي اللواء الركن محمود شيت خطاب.

ربما تؤكد هذه المقدمة الطابع المحافظ للموصل بشكل خاص، ولهذا لم يستغرب كثير من المراقبين العارفين بتوجهات المدينة، أن يكون تنظيم الدولة الإسلامية دخلها بسرعة خاطفة، لتفر أمامه قوات تقدر بثلاث فرق عسكرية مجهزة بأحدث ما أنتجته مصانع السلاح الأميركي.

ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن المدينة كانت ناقمة على الاستفزازات ومحاولات الإذلال التي اعتمدتها الأجهزة الأمنية وقوات الجيش مع السكان، مما أوجد البيئة الصالحة لنمو التيارات المتطرفة فيها، ودفع أهل الموصل للترحيب بقدوم تنظيم الدولة كجزء من التعبير عن وصول الضيم والظلم حدا لم يعد ممكن التحمل، فالظلم مزعة التطرف في أي مجتمع من مجتمعات الأرض.

ولا يشك المراقبون بأن ما حصل في الموصل ولها كان صدمة قوية للمؤسستين السياسية والعسكرية في بغداد ولداعمي الحكومة، وألقى بظلال قاتمة على حكومة نوري المالكي أولا وعلى مستقبل المدن التي عانت من صنوف الظلم على أيدي القيادات العسكرية والأمنية لهذه الحكومة على مدى ثماني سنوات، ومن التحالف الشيعي لأكثر من 11 سنة، وهذا ما تأكد عندما بدأت المحافظات والمدن السنية تتهاوى بعد 9 يونيو/حزيران الماضي تحت ضربات قوى عديدة كان تنظيم الدولة في مقدمتها، لأنها وظفت معاناة المواطنين لطرح نفسها منقذا لأهل السنة من ويلات المليشيات الطائفية المدعومة من الحكومة.

بعد الاحتلال الأميركي تمددت قوات البشمركة الكردية فاستولت على الجزء الشرقي من المدينة والذي يسمى الساحل الأيسر من نهر دجلة، فأضافت هذه القوات إلى الموصل ضغوطا هائلة على سكانها، فأصبح أبناء الموصل بين مطرقة الجيش وأجهزة الأمن الحكومية والمليشيات الشيعية تمارس معهم تمييزا على أساس الانتماء المذهبي، وبين سندان البشمركة التي مارست تمييزا على أسس عرقية، فأصبح المواطن في الموصل على استعداد لقبول المخلص من هذه المحنة المركبة أيا كان اسمه وصفته.

وبعد استيلاء تنظيم الدولة على الموصل ومحاولته التمدد على "المناطق المتنازع عليها" بين سلطة كردستان وحكومة بغداد، تشكل التحالف الدولي واقتصر دوره على توجيه الضربات الجوية لتجمعات ومعسكرات التنظيم. وبعد أن تأكد عجز الجيش الحكومي عن خوض معركة ناجحة لافتقاده العقيدة القتالية وافتقاد جنوده القضية التي يقاتلون من أجلها، تداعى العالم وخاصة الإدارة الأميركية إلى تبني خطاب سياسي جديد في طريقة عرضه، قديم في مضامينه المعلنة، عن ضرورة توسيع نطاق المشاركة في صنع القرار السياسي العراقي ووضع حد للعزل والتهميش الذي تعرض له سُنة العراق طيلة الفترة اللاحقة للاحتلال.

محافظة نينوى جسر يوصل بين منطقة النشاط الميداني الكبير لتنظيم الدولة في سوريا وفي العراق، وما لم يتم إخراجه من الموصل خاصة والمحافظة عامة، فإنه سيواصل معركته لقطع خطوط الاتصال الجغرافي بين كردستان العراق وكردستان سوريا

فقد تأكد أن جميع أساليب العزل والتهجير والبطش التي تعرض لها السُّنة لم تكن كافية لقمع صوتهم أو حذفهم من الخارطتين السياسية والسكانية، ولهذا ألحت الإدارة الأميركية على تشكيل "الحرس الوطني" في المحافظات السنية. ويبدو أن واشنطن تلح على أن هدف هذا التشكيل العسكري يتلخص في شن الحرب على تنظيم الدولة، مما أكد أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن نظرتها السابقة والقاصرة على تشخيص أسباب الأزمة العراقية.

فالمطالب التي قدمتها المحافظات السنية كانت تركز على إعادة التوازن في القوات المسلحة كما جاء في الفقرة الأولى من المادة التاسعة من دستور 2005، وليس إعادة تجربة الصحوات التي بمجرد أن نجحت في طرد القاعدة من محافظة الأنبار وبعض المناطق السنية، تمّ التخلي عنها بطريقة مهينة ومذلة.

في خضم هذه التجاذبات وبعد وصول مشروع الحرس الوطني إلى مفترق طرق نتيجة التباين الحاد بين ما تريده المحافظات السنية وما تريده حكومة حيدر العبادي مدعومة من التحالف الشيعي وإيران، ارتفعت وتيرة الحديث عن "تحرير" المدن الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة، وخاصة مدينة الموصل، بعدما اصطدمت محاولات استعادة تكريت أو الفلوجة بجدار ناري قوي من التنظيم.

فلماذا الموصل التي تبعد 400 كلم عن بغداد وليس الفلوجة التي لا تبعد عن العاصمة سوى 50 كلم؟ وهل يجوز من الناحية الإستراتيجية تخطي مدينة تكريت والذهاب إلى الموصل؟

هناك عدة أسباب دفعت المخطط العسكري الأميركي إلى هذا الخيار منها:

1- وصول مشروع الحرس الوطني إلى طريق مسدود، وعدم استعداد الولايات المتحدة للانتظار إلى الأبد لولادة مشروع لا تعرف مدى قدرته على تحقيق أهدافه، وسط ظنون حكومية بأنه قد يخرج عن أهداف تأسيسه ليكون عامل إضعاف لسلطة الحكومة المركزية على المحافظات السنية.

2- تطور القدرة القتالية للبشمركة إلى مستوى أفضل مما كانت عليه يوم 9/6/2014 بعد إخضاعها لتدريب من جانب خبراء عسكريين من مختلف الدول الأوروبية والولايات المتحدة وتجهيزها بمعدات حربية حديثة لغرض مواجهة تنظيم الدولة بعد أن تأكد ضعفه ميدانيا في أكثر من جبهة، ولأن الموصل قريبة من مسرح عمليات البشمركة، فبالإمكان الاستعانة بها في شن عملية برية مشتركة كبيرة على الموصل بهدف إخراج تنظيم الدولة منها تمنح الأكراد فرصة لتحقيق مكاسب سياسية جديدة.

3 - محافظة نينوى جسر يوصل بين منطقة النشاط الميداني الكبير لتنظيم الدولة في سوريا وفي العراق، وما لم يتم إخراج التنظيم من الموصل خاصة ومن المحافظة عامة فإنه سيواصل معركته لقطع خطوط الاتصال الجغرافي بين كردستان العراق وكردستان سوريا، وبالتالي وأد فكرة الدولة الكردية الكبرى التي تضم أجزاء من جنوب شرقي تركيا أيضا، وهذا ما يتصادم مع ما قاله مسعود البارزاني مؤخرا من أن سايكس بيكو أصبحت جزءا من الماضي.

4- بقاء ثاني أكبر مدينة عراقية خارج سلطة الحكومة يشكل ضربة مؤكدة لمفهوم السيادة الوطنية التي توجب على أي حكومة وضع جميع إقليمها الوطني تحت منظومة سيطرتها الأمنية والعسكرية والسياسية. ولا شك أن بقاء الموصل تحت سيطرة تنظيم الدولة سيمنحه دفعة معنوية عالية، فضلا عما تمثله المدينة من رصيد بشري سيضيفه إلى قدرته العسكرية المقاتلة. كما يشكل قطعا للطريق الدولي الرابط بين الحدود التركية وبغداد، وفي نفس الوقت سيضعف الروح المعنوية لقوات الحكومة في معاركها في جبهات أخرى.

رمزية الموصل تتضاعف عندما نتذكر أن البغدادي أعلن منها قيام الخلافة الإسلامية، ولهذا يرى التحالف أن إخراج دولة الخلافة من مكان ولادتها أمر عسكري وسياسي ومعنوي في غاية الأهمية

5- رمزية الموصل تتضاعف عندما نسترجع أن زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي أعلن قيام الخلافة الإسلامية منها أثناء صلاة الجمعة في جامع النوري يوم 4/7/2014، ولهذا ترى الأطراف المشاركة في التحالف الدولي إخراج "دولة الخلافة" من مكان إعلان ولادتها يعتبر أمرا عسكريا وسياسيا ومعنويا في غاية الأهمية.

6- الولايات المتحدة وعلى لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي، تحاول غرس الروح المعنوية في القوات البرية الحكومية التي إن قاتلت لاستعادة الموصل فسيعتبر ذلك دليلا على جديتها في خوض معركة فاصلة يتوقف على نتائجها مصير الحرب في العراق.

7- الولايات المتحدة تسعى لتركيز الانتباه على مدينة الموصل البعيدة نسبيا عن بغداد مقارنة بتكريت أو الفلوجة والرمادي، لصرف تنظيم الدولة عن مجرد التفكير في الذهاب إلى معركة بغداد، فالإسناد المتبادل بين بغداد والموصل معدوم تقريبا، وإذا ما تركز الحديث على أن واشنطن تشجع على عملية برية في الموصل فمعنى ذلك أن تنظيم الدولة سيعزز وجوده العسكري في المدينة ويخفف ضغطه على بغداد ومدن محافظة الأنبار.

ولكن ماذا لو تم تنفيذ العملية البرية ونجح تنظيم الدولة في رد الهجوم؟

في أحسن التقديرات سيعزز تنظيم الدولة وجوده على طول الحدود العراقية السورية من نقطة فيشخابور على المثلث التركي العراقي السوري وحتى آخر نقطة للحدود العراقية السعودية في محافظة الأنبار، وحينذاك سيصبح وجوده أمرا واقعا لا بد من التعامل السياسي معه.

أما إذا نجح التحالف الدولي في كسب المعركة، فإن التحالف الشيعي -وبدعم أميركي إيراني- سيمارس ضغوطا أقوى على سنة العراق، دون أن يتم القضاء على أسباب التطرف في العراق والوطن العربي والعالم الإسلامي، وسترجع أزمة العراق إلى المربع الأول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك