فايز الدويري

فايز الدويري

خبير عسكري وإستراتيجي

شكّل يوم العاشر من يونيو/حزيران الماضي علامة فارقة في إدارة الصراع في كل من العراق وسوريا، كما شكّل صدمة أذهلت العديد من قادة العالم والباحثين المهتمين بشؤون المنطقة.

في ذلك اليوم اجتاحت قوات قليلة العدد خفيفة التسليح مدينة الموصل ثاني المدن العراقية من حيث الأهمية وعدد السكان (ثمانمائة مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية يستخدمون آليات دفع رباعي عليها رشاشات متوسطة، وبعض الصواريخ المقاومة للدبابات)، بينما بلغ حجم القوات المدافعة عنها ثلاث فرق عسكرية وفرقة قوى أمنية تتبع وزارة الداخلية العراقية، بلغ عددها أكثر من أربعين ألف مقاتل.

توالت انتصارات تنظيم الدولة والجماعات المسلحة الأخرى المساندة له، حيث تمت السيطرة على معظم أراضي المحافظات السنية العراقية (الأنبار، ونينوى، وصلاح الدين، وديالي)، رغم تلك الانتصارات الساحقة والسريعة فإن ردود الفعل الدولية بقيت خجولة ولا تتناسب مع خطورة الموقف في العراق.

إن أي مراجعة للتاريخ العسكري تبين بجلاء عدم قدرة سلاح الجو على كسب الحروب منفردة خاصة إذا كانت الحملة الجوية موجهة ضد مجموعات قتال غير نظامية

جاءت المفاجأة الثانية عندما بدأت قوات تنظيم الدولة شنّ هجوم على إقليم كردستان، ووصلت إلى مسافة أربعين كيلومترا من أربيل، عند ذلك أصدر الرئيس الأميركي أوباما أوامره بالسماح بتنفيذ ضربات جوية تقوم بها الطائرات المقاتلة وطائرات دون طيار، كما وافق على إرسال قوات أميركية لحماية المصالح الأميركية والعمل كمستشارين حتى وصل العدد إلى أكثر من 1200 جندي أميركي.

تمكنت الحملة الجوية الأميركية المحدودة من إجبار قوات تنظيم الدولة على الانسحاب من العديد من البلدات التي احتلتها، كما ساعدت قوات البشمركة على التقدم في سهول أربيل والموصل.

جاءت المفاجأة الثالثة التي أجبرت الرئيس أوباما على الطلب من مستشاريه العمل على وضع إستراتيجية عسكرية للتصدي لخطر تنظيم الدولة (وكان قد صرح قبل ذلك أن الولايات المتحدة لا تملك إستراتيجية عسكرية لمواجهة التنظيم)، تمثلت تلك المفاجأة في تمدد تنظيم الدولة باتجاه الغرب، حيث سيطر على معبري ربيعة والقائم، وألغى الحدود السياسية بين العراق وسوريا، كما تمكن لاحقا من السيطرة على معسكرات الفرقة 17 واللواء 93 ومطار الطبقة العسكري.

ضمن الرئيس باراك أوباما أربعة عناصر رئيسية في إستراتيجيته لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وهي:
 العنصر الأول توسيع الضربات الجوية عبر حملة منظمة بالتنسيق مع الحكومة العراقية، إلا أن الرئيس الأميركي شدد على أن هذه الحرب ستكون مختلفة عن الحروب السابقة، ولن تشمل إرسال قوات أميركية أرضية.

يتمثل العنصر الثاني في دعم القوات التي تقاتل تنظيم الدولة على الأرض (القوات العراقية والبشمركة الكردية والمعارضة السورية المسلحة المعتدلة). أما العنصر الثالث فهو ضرورة استمرار جهود مكافحة الإرهاب لمنع داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) من تنفيذ أي هجمات، ويتم تحقيق ذلك من خلال العمل مع الشركاء لقطع مصادر التمويل، وإيقاف تدفق المقاتلين الأجانب من وإلى الشرق الأوسط، أما العنصر الرابع فيتمثل في استمرار تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين.

لجأت الإدارة الأميركية لتعزيز مشروعية إستراتيجيتها إلى بناء تحالف دولي ضمّ أربعين دولة، اقتصر إسهام معظمها على الدعم السياسي للتحالف، بينما شاركت عشر دول في الحملة الجوية، ورغم كل ذلك لا تزال الحملة غير فاعلة، وما تزال قوات تنظيم الدولة تحقق مزيدا من الانتصارات وتسيطر على مزيد من الأراضي وتخوض معركة حاسمة في عين العرب (كوباني) وتهدد بالسيطرة الكلية على الأنبار، بينما وصلت طلائع قواتها إلى مسافة عشرة كيلومترات من حدود بغداد الغربية. فما الأسباب الكامنة وراء فشل الإستراتيجية الأميركية حتى هذه اللحظة؟ سؤال سأحاول الإجابة عنه في ما يلي.

تكمن بذور فشل الإستراتيجية الأميركية في طياتها وتحديدا في العنصرين الأول والثاني. إن أي مراجعة للتاريخ العسكري تبين بجلاء عدم قدرة سلاح الجو على كسب الحروب منفردة، خاصة إذا كانت الحملة الجوية موجهة ضد مجموعات قتال غير نظامية.

تستطيع الحملات الجوية الكثيفة والمستمرة أن تلحق خسائر فادحة بالطرف الآخر، ولكنها لن تقضي عليه، وقد أدرك الجنرال دمبسي ذلك من خلال تصريحه الأخير، الذي أشار فيه إلى عدم استبعاد إرسال قوات أرضية لضمان تدمير قوات تنظيم الدولة، كما لا تزال الإدارة الأميركية تصر على القضاء على تنظيم الدولة في العراق وتحجيم قوته في سوريا، مما يعني تطبيق إستراتيجيتين مختلفتين في مسرح عمليات واحد.

أثبتت المعارك الأخيرة أن الجيش العراقي لا يمتلك أيا من مقومات الجيوش النظامية، فهو يعاني  ضعفا قاتلا في منظومة القيادة والسيطرة، ويفتقر إلى القادة الأكفاء الذين يمتلكون الخبرة والكفاءة

اعتمد الرئيس أوباما على القوات المحلية لاستثمار نتائج الضربات الجوية، وهو اعتماد في غير محله للأسباب التالية:

أثبتت المعارك الأخيرة أن الجيش العراقي لا يمتلك أيا من مقومات الجيوش النظامية، فهو يعاني من ضعف قاتل في منظومة القيادة والسيطرة، ويفتقر إلى القادة الأكفاء الذين يمتلكون الخبرة والكفاءة لأن انتقاءهم جاء على أسس تقديم أصحاب الولاء على أصحاب المعرفة.

كما أن معظم منتسبيه ينتمون لطائفة بعينها، مما جعل منه جيشا طائفيا لا جيشا وطنيا، والجيوش الطائفية ينخرها عادة الفساد والمحسوبية ولا تعرف معنى التضحية في اللحظات الفارقة الحاسمة، وهذا ما حدث في معارك الموصل عندما تخلى القادة عن مسؤولياتهم القيادية وهربوا إلى مدينة أربيل تاركين جنودهم يواجهون مصيرا مظلما، وإعادة تأهيل الجيش العراقي على أسس وطنية يحتاج إلى سنوات بالإضافة إلى إصلاحات سياسية تضمن عدم الإقصاء والتهميش.

رغم النزوع القومي لقوات البشمركة، فإنها تعاني من خلل بنيوي وقيادي، كما تفتقر إلى العقيدة القتالية التي تبنى على أساسها الجيوش، وهذا عائد إلى نوعية المهام والحروب التي خاضتها منذ تأسيسها، حيث اعتمدت على أسلوب حرب العصابات في قتالها ضد الجيش العراقي طيلة فترة الصراع الماضية، مما يحد من كفاءتها القتالية في معاركها مع قوات تنظيم الدولة، ولتجاوز نقاط الضعف تلك فقد أنشئت قوات الحشد الشعبي الشيعية، كما يتم العمل على إنشاء حرس وطني إقليمي في المحافظات السنية.

تعاني المعارضة السورية المسلحة من التشرذم، حيث تتكون من أكثر من ألف فصيل مقاتل، موزعة بين فصائل إسلامية متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، وفصائل إسلامية معتدلة كالجبهة الإسلامية، وكتائب الجيش الحر الأكثر اعتدالا.

يعتبر الجيش الحر الأضعف بين الجماعات المسلحة، ويرجع سبب ضعفه لعدة أسباب، منها: عدم وجود بناء تنظيمي فاعل، وعدم فاعلية رئاسة الأركان والمجلس العسكري الأعلى، حيث لا يمارسان أدنى مستوى من القيادة والسيطرة على التشكيلات العاملة في الميدان، ولذا ستواجه إستراتيجية أوباما صعوبات كبيرة لإعداد وتدريب الأعداد المطلوبة (15 ألف مقاتل) في تركيا والسعودية، وتهيئة قيادة فاعلة ستكون مسؤولة عن التخطيط وإدارة العمليات العسكرية المستقبلية.

يضاف إلى الصعوبات أعلاه ظهور بوادر خلافات عميقة تنذر بانشقاق محتمل بين دول التحالف بسبب موقف الإدارة الأميركية من نظام بشار الأسد، حيث تصر الإدارة الأميركية على استمرار الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة فقط، بينما تسعى دول محورية في التحالف تتزعمها تركيا لتشمل العملية قصف قوات النظام السوري من أجل الإطاحة به، وهذا أحد الأسباب الرئيسية الذي منعها من التدخل البري لإنقاذ عين العرب (كوباني).

وقد يشهد المؤتمر الذي سيعقد في قاعدة أندروز الجوية جهودا حثيثة لتوحيد مواقف دول التحالف للحيلولة دون حدوث انشقاقات رئيسية فيه، كما سيسعى الوفد العسكري الأميركي الذي سيزور أنقرة الأسبوع القادم إلى إقناع الحكومة التركية بضرورة السماح باستخدام قواعدها الجوية من قبل طائرات التحالف.

يضاف إلى ما ذُكر أعلاه قوة الدولة الإسلامية التي تكمن في مجموعة من العوامل الرئيسية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

- قدمت الدولة الإسلامية نفسها على أنها المدافع عن الإسلام السُّني في مواجهة عمليات التهميش والإقصاء الذي تعرض ويتعرض له في الكثير من المناطق، مما أمن لها رافدا جيدا من المقاتلين وحاضنة شعبية سنية معقولة.

- اتباعها أساليب دموية عنيفة قاسية لتحقيق الصدمة والرعب لإرهاب خصومها.

- فشل ثورات الربيع العربي باستثناء ثورة تونس في تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية للمواطن العربي.

- سيطرة الدولة الإسلامية على مساحات كبيرة تمتد من جرابلس في سوريا غربا وحتى جلولاء في العراق شرقا، وهي مساحة تفوق مساحة المملكة المتحدة.

معركة قوات التحالف ضد تنظيم الدولة لن تحسم بسهولة ضمن المدى المنظور في ظل المعطيات الحالية، وستواجه تحديات كبيرة حتى في حال اتخذ قرار بإرسال قوات أرضية لأن عليها أن تواجه حرب عصابات معقدة

- الاكتفاء الذاتي من الأموال والآليات والمعدات والسلاح، فالغنائم التي حصلت عليها من القوات العراقية بعد اجتياحها الموصل في العراق ومن الجيش السوري الحر بعد السيطرة على مخازنه في مدينة إعزاز، وما غنمته من الجيش السوري بعد السيطرة على مواقع الفرقة 17 واللواء 93 ومطار الطبقة العسكري أمن لها مخزونا إستراتيجيا كبيرا.

أما في البعد الاقتصادي، فيعتبر تنظيم الدولة من أغنى التنظيمات المسلحة في العالم، وتختلف التقديرات بشأن الإيرادات التي يستطيع أن يجنيها، إلا أنها تتراوح بين ثلاثة وخمسة ملايين دولار شهريا، وهي كافية لتمويله ذاتيا، كما تمكن التنظيم من السيطرة على العديد من حقول النفط في سوريا والعراق، بالإضافة إلى سيطرته على العديد من صوامع الحبوب وبحيرات الأسماك شمال بابل.

يضاف إلى ذلك، توفر منظومة قيادة وسيطرة فاعلة قادرة على التخطيط العملياتي وإدارة المعارك الحاسمة المتزامنة بكفاءة مع القدرة على التكيف مع المستجدات الميدانية لمنع العدو من تحقيق انتصار سريع وحاسم، وهذا لا يتأتى دون توفر الخبرة القتالية لدى قادته العسكريين ومقاتليه.

يقود كل ذلك إلى استنتاج أولي أن معركة قوات التحالف ضد تنظيم الدولة لن تحسم بسهولة ضمن المدى المنظور في ظل المعطيات الحالية، وستواجه تحديات كبيرة حتى في حال اتخذ قرار بإرسال قوات أرضية لأن عليها أن تواجه حرب عصابات معقدة ومؤلمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك