محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي


يبدو بكل وضوح أننا نعيش مرحلة تشهد وتشجع اتجاها محموما للإشارة إلى أدوار معجزة تمكنت الأجهزة الاستخباراتية من خلالها من تحويل الربيع العربي إلى صيف قائظ.

ومع أننا لا ننكر التحول، ولا ننكر دور الثورة المضادة ولا ننكر وجود دور لبعض الأجهزة الاستخباراتية، فإننا نشكك في أن تكون هذه الأجهزة بمثابة اللاعب المؤثر أو حتى اللاعب القوي، بل نذهب إلى القول باصطناع وافتعال كثير من الصور الذهنية المنطبعة عن حجم هذا التأثير، وهو ما يسعد ضمير العاملين الجادين فيها الذين لا يتقبلون صورتها السينمائية المضخمة. ولهذا السبب فإننا سنلجأ في هذا إلى الحديث عن الطبيعة قبل الحديث عن الخوارق المنسوبة لهذه الطبيعة.

ومن الحق أن نعترف في البداية بأن أحدا لا يستطيع أن يدرك بسهولة حقيقة دور الأجهزة الاستخباراتية في التمهيد لثورة 25 يناير ولا في أحداث الثورة ولا في مسار الثورة ولا في مصيرها، لكن الذي لا شك فيه أننا يمكن أن نقول بكل يقين:

- أن الأجهزة الاستخباراتية المصرية كانت حاضرة في المشهد وإن لم تكن مؤثرة.
- أن هذه الأجهزة كانت مؤثرة في أحداث 25 يناير وما بعدها وإن لم تكن صانعة لها.
- أن هذه الأجهزة كانت مستفيدة من الثورة وإن لم تكن مستهدفة لها أو للظروف التي أوجدتها أمامها على نحو ما وجدت.

من الحق أن نعترف في البداية بأن أحدا لا يستطيع أن يدرك بسهولة حقيقة دور الأجهزة الاستخباراتية في التمهيد لثورة 25 يناير ولا في أحداث الثورة ولا في مسارها ومصيرها

وبالطبع فإننا لكي نتعمق في فهم هذه المقاربة لا بد أن نفرق بين ثلاثة أو أربعة من الأجهزة المخابراتية الكبرى، وإن لم يعن هذا بالطبع أننا نقصر العمل المخابراتي في مصر على هذه الأجهزة، أو ننكر أن هناك أجهزة أخرى قد لا نعرف عنها الكثير وإن كنا نحس بوجودها. كذلك فإن الأمر لا يعني أننا نجهل أن هناك أجهزة أجنبية نشطة وفاعلة في المشهد المصري، وربما يعجب بعض القراء من التعريف التاريخي المبسط الذي سأورده لهذه الأجهزة ثلاثة كانت أو أربعة.

فأما المخابرات العامة فإنها جهاز أنشأته ثورة 23 يوليو/تموز 1953 وكان من الأجهزة التي بدأها أو بناها زكريا محيي الدين الذي كان ثاني من تولى وزارة الداخلية من رجال الثورة أو الضباط الأحرار، وذلك بعد جمال عبد الناصر نفسه (تولى عبد الناصر وزارة الداخلية يوم 18 يونيو/حزيران 1953 مع إعلان الجمهورية، وتولاها زكريا محيي الدين يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1953، أي قبل مضي أربعة أشهر).

وبدون مواربة، فقد كانت الفكرة الأساسية لوجود هذا الجهاز الضخم هو أن يكون موازيا -ولا نقول مناظرا- للمخابرات الأميركية (سي.آي.أي) الشهيرة التي كانت ولا تزال حديثة العهد بالوجود في الوجدان المصري. وقد نشأ في تصور جمال عبد الناصر وأقرانه أنه لا بد من وجود هذا الجهاز المهم، نظرا لأن الضباط الأحرار تعاملوا مع الولايات المتحدة عبر رجال المخابرات المركزية الأميركية منذ ما قبل ثورة 1952، ووجدوا أن التعامل والنشاط المخابراتي يتطلب وجود مثل هذا الجهاز الجديد، على أن يكون:

- بعيدا عن الجهاز الشرطي القديم المعروف باسم القلم السياسي وطابعه المحدد الذي كانوا يعرفون حدوده.
- وبعيدا عن الأجهزة البيرقراطية المعروفة أو التقليدية.
- وبعيدا عن الاستطلاع الحربي والمخابرات الحربية.

ولأسباب متعددة وتعاقبية ومتشابكة، كان من الطبيعي أن تصدر حكومات ثورة 1952 للشعب المصري فكرة أن المخابرات العامة معنية في المقام الأول والأخير بالجاسوسية في شقيها الأشهرين: تجنيدا وكشفا، أي أن المخابرات هي التي تتولى تجنيد جواسيس يخدمون مصر، سواء كانوا مصريين أو أجانب، كما أنها هي التي تتولى اكتشاف الجواسيس المجندين (سواء أكانوا مصريين أم غير مصريين).

ومع هذا فقد كان المصريون -في إشاراتهم قبل كتاباتهم- يكادون يجمعون على أن المخابرات العامة موجودة في حياتهم العادية وليس في حياة العاملين بالجاسوسية فحسب، وكان إجماع المصريين على الاقتناع بهذا المعتقد ناشئا عما تردد على أسماعهم عن سطوة وتغلغل جهاز المخابرات في عهد رئيسها الأشهر صلاح نصر بشخصيته الطاغية وحضوره الفارض لذاته، وعما نسب إلى هذا الجهاز من مسؤوليات متعددة كان أهمها بالطبع ما أشيع من أنه هو من كشف مؤامرات انقلابية كثيرة، أو ما أشيع مثلا عن دوره البارز في حرب الإخوان المسلمين عام 1965.

من الإنصاف أن نشير إلى أن عبد الناصر راوح بين تفعيل دور الأجهزة الاستخباراتية في الحياة المدنية إلى أقصى حدود التفعيل في أحيان كثيرة، وبين تهدئة هذا الدور أو تبريده إلى أقصى حد في أحيان أخرى كثيرة

وهكذا فإن قارئ التاريخ بعد مائة عام مثلا سيكتشف أنه بقي لجهاز المخابرات العامة في الذهنية المصرية دوران فقط: الأول هو الظاهري الذي تصدره الدراما من آن لآخر تحت مسمى ملفات المخابرات العامة المصرية، وتقدم فيه صورا مذهلة الصناعة والتشويق للكفاءة المخابراتية عبر توظيف المال والنساء والجنس بكل ما هو ممكن، وما هو غير ممكن!!

والثاني هو الإخوان والإخوان وحدهم، ويدلل المصريون على هذا بأن الجهاز لم يكتشف محاولة انقلاب 1981 التي قتل فيها رئيس الجمهورية وآخرون لأنها صدرت من غير الإخوان بينما لم يكن الجهاز يراقب إلا الإخوان، وهي مفارقة طريفة في الفهم وفي الواقع على حد سواء.

ومن الطريف أن هذا التصور كان يتطلب من جهاز المخابرات العامة أن يحارب الإخوان بلافتة مختلفة عن لافتة النشاط الديني التي يرفعها جهاز أمن الدولة ويخصص لها إدارته الكبرى، وهكذا تم تداول تعبيرات من فصيلة أو من قبيل تعبير الأمن الداخلي في مقابل الأمن القومي، وإن لم يكن اللفظ مباشرا في دلالته على نحو ما نعرف.

أما جهاز المخابرات الحربية فقد كان جهازا عسكريا صرفا يعنى بالاستطلاع الحربي بمعناه الواسع وليس بمعناه المادي الضيق الذي بدأت به مثل هذه الأجهزة في أزمنة سابقة.

وهكذا أصبح من الممكن تدريجيا أن يتحول اهتمام هذا الجهاز العسكري إلى الدراسات المكتوبة والمعروضة في نطاق ضيق بما في ذلك دراسات الأمن القومي والأمن الداخلي، وكل ما هو ممكن لمدير من مديري الأجهزة الاستخباراتية الحربية أن تمتد إليه أصابعه أو أذرع الجهاز في ظل توجيهات عليا بالطبع.

وهكذا أصبح من حق الأجهزة الاستخباراتية الحربية أن توصف بأنها جهاز متغير الصلاحيات حجما ومبدأ، وأن تكون هذه الصلاحيات مرتبطة بتصورات القيادة الأعلى للقوات المسلحة، وإلى حد ما القيادة العليا للقوات المسلحة: أي رئيس الجمهورية في المقام الأول!! ووزير الدفاع القائد العام في المقام الثاني!

ومن الإنصاف أن نشير إلى أن الرئيس عبد الناصر علي سبيل المثال راوح بين تفعيل دور مثل هذه الأجهزة الاستخباراتية في الحياة المدنية إلى أقصى حدود التفعيل في كثير من الأحيان، وبين تهدئة هذا الدور أو تبريده إلى أقصى حد في أحيان أخرى كثيرة.

أما الرئيس السادات فقد كان حريصا على أن تبتعد مثل هذه الأجهزة الاستخباراتية تماما عن كل ما انغمست فيه من قبل، وعما انجرت إليه أو انزلقت نحوه بحكم علاقات رؤسائها بالمسؤولين الأكبر منهم في الدولة. وكان السادات يرى أن دورا يلعبه جهاز غير مسؤول سيؤثر بالطبع على مجال أداء الجهاز الأصلي، ومن هنا كان يعتقد بأن أي مشاركة للمخابرات الحربية في الأمن الداخلي ستؤثر مثلا على دوره في معركته مع إسرائيل.

وقد مضى الرئيس مبارك على سياسة السادات، مع إضافة واحدة صغيرة تتناسب مع طول بقائه في السلطة، وهو أنه كان يكلف هذا الجهاز من آن لآخر بأن يبحث له عن وجه الصواب في أمر من الأمور.

ومع ميل الرئيس مبارك المبكر إلى أنماط فكرية محددة في اختياراته للمناصب العليا فإنه كرر تكليف مدير المخابرات الحربية ليكون مديرا للمخابرات العامة، وكأنه كان يقول لكل من يشغل منصب مدير المخابرات الحربية: جهز نفسك لتكون مديرا للمخابرات العامة.

بعد الثورة بدأ دور الاستخبارات الحربية في التمدد والتوسع والنفاذ متوازيا مع طموحات مديرها في الوصول إلى الأعلى، سواء كان هذا الوصول عبر الإسلاميين أو عبر العرب والغرب أو عبر كل صاحب مصلحة في الثورة المضادة
وفي هذا الصدد أيضا ومن باب الطرافة، فإن أكثر من جهز نفسه لهذا الدور من مديري المخابرات الحربية فوجئ بأن مبارك لم يعينه مديرا للمخابرات الحربية، وإنما عينه رئيسا لهيئة الرقابة الإدارية، وهي إحدى الهيئات التي لا تمانع في أن تقوم بدور استخباراتي وبطبيعة استخباراتية، بل ربما عدها البعض بمثابة الجهاز الاستخباراتي الثالث.

ومن الطريف أن عبد الناصر هو أيضا من أنشأ هذا الجهاز واختار له مديره الأشهر الضابط كمال الغر، وأن أنور السادات ألغى تماما وجود هذا الجهاز وكيانه في لحظة، وأن مبارك أعاده بعد بداية حكمه بفترة قصيرة.

أما بعد ثورة 25 يناير فقد تغير اسم جهاز أمن الدولة كما نعرف ليكون الأمن الوطني، بدلا من أن يلغى الجهاز بناء على مطالبات شباب الثورة. وتقلص دور المخابرات العامة مع احتجاب دور وحضور ونفوذ عمر سليمان بعد أن نال منصب نائب الرئيس وبدأ يستعد للانتخابات الرئاسية، وارتبكت الرقابة الإدارية بكثرة ما أحيل إليها وطلب منها.

وفي المقابل بدأ دور الاستخبارات الحربية في التمدد والتوسع والنفاذ متوازيا مع طموحات مديرها في الوصول إلى الأعلى، سواء كان هذا الوصول عبر الإخوان والإسلاميين أو عبر العرب والغرب والمجاورين، أو عبر كل صاحب مصلحة في الثورة المضادة.

وهذا ما حدث بالفعل على مراحل متتالية من الصعود المشوب بتوظيف الجهاز لمصلحة لاعب واحد فقط، الأمر الذي انتهى بالأجهزة الاستخباراتية إلى أضعف الحالات في بنيتها وتوجهاتها وإنجازها الموسمي، وهو ما جعل بعض المغامرين يحاولون التزيد في وصف أدوار قامت بها كل هذه الأجهزة حتى لو كان هذا الدور بالسلب.

وكان هؤلاء يقولون إنها كانت تفعل نقيض واجبها، أو أنها لم تكن تؤدي واجبها عن عمد، وهو قول يصادف هوى في نفوس المتلقين، خاصة بعدما أدخلت بعض هذه الأجهزة نفسها بسرعة بالغة في إطار نشاط التوجيه المعنوي إيمانا منها بأهمية وضرورة التلاعب في صناعة الرأي العام، وإيمانا منها بأن النشاط في هذه الصناعة دون غيرها يحقق لها من الأرباح الكثير مما فاتها، وهكذا حدث التحول في الوظيفة حتى سيطرت لغة الكلام واختفت تقريبا لغات الإشارة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك