خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


 
كردستان وإستراتيجية النفط
معركة النفط
تركيا واستقلال كردستان

قفزت قضية النفط إلى سدة المشهد السياسي في العلاقة بين بغداد وأنقرة وأربيل، لتطرح معها تساؤلات عن المخاوف والمصالح والخيارات، فالأمر هنا يتعلق بقضية إستراتيجية بعد أن تزايد دور موارد الطاقة من نفط وغاز في حياة الشعوب واستقلال الدول وسياساتها، بل وحتى تبعيتها أو انهيارها.

وبالنسبة لإقليم كردستان تبدو القضية مصيرية تتعلق بتوفير البنية التحتية للاستقلال بعد أن قطع الإقليم الكردي شوطا كبيرا على هذا الطريق، وإذا ما حسم مصير كركوك لصالحه فإن مسألة إعلان الدولة الكردية قد تصبح تحصيل حاصل.

الصراع على النفط وشروط إنتاجه وطرق تصديره بات في جوهر خيارات إقليم كردستان، وهو صراع غير بعيد عن تضارب المصالح الإقليمية والدولية على موارد الطاقة وخطوط إمدادها

وعليه فإن الصراع على النفط وشروط إنتاجه وطرق تصديره بات في جوهر خيارات إقليم كردستان، وهو صراع غير بعيد عن تضارب المصالح الإقليمية والدولية على موارد الطاقة وخطوط إمدادها، ومعروف دور كل ذلك في العلاقة مع الدول وتفكيك خرائط قديمة وبناء أخرى جديدة مكانها.

كردستان وإستراتيجية النفط
منذ إقرار الدستور الفدرالي للعراق، استحوذ النفط على اهتمام القيادة الكردية بوصفه موردا أساسيا لبناء إقليم كردستان وإعماره، ولعل ما رسخ من هذا السعي هو حجم الخلافات بين هذه القيادة وحكومة نوري المالكي في وقت يحمّل البعض حكومة المالكي الوزر الأكبر إزاء تفاقم الخلاف النفطي مع إربيل بسبب عدم إنجازها قانون النفط على الرغم من مرور كل هذه السنوات.
لقد أدى سعي الإقليم إلى تعزيز قدراته النفطية في ظل عدم إنجاز قانون النفط للتفكير بشكل منفرد في تصدير النفط إلى الخارج، ولا سيما تركيا التي تشكل البوابة الخارجية للإقليم إلى المتوسط وأوروبا من جهة، ومن جهة ثانية إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الشركات العالمية للنفط التي اندفعت بقوة للاستثمار في الإقليم نظرا للميزات الهائلة التي يقدمها لهذه الشركات مقارنة ببغداد، ومن جهة ثالثة إلى تفاقم الخلافات النفطية مع بغداد بشأن قانونية العقود النفطية ونسبة العائدات وكمية الإنتاج، في وقت يطالب فيه الإقليم بغداد بدفع مستحقات مالية له تقدر بمليار ونصف المليار دولار، فيما تتهم بغداد الإقليم بتهريب النفط إلى دول الجوار (إيران وتركيا) عبر الشاحنات وتخفيض كمية الإنتاج المتفقة عليها من 175 ألف برميل يوميا إلى ستين - سبعين ألف برميل.

ومن جهة رابعة، أدى كل ما سبق إلى صدام بين بغداد والعديد من الشركات النفطية العالمية التي لم تأخذ تحذيرات بغداد بعين الاعتبار رغم حرمان الأخيرة هذه الشركات من الاستثمار في المناطق العراقية غير الكردية.

وعليه، ينبغي النظر إلى أن توقيع الاتفاق النفطي الأخير بين أربيل وأنقرة بقيمة مليارات الدولارات يأتي في سياق إسترتيجية تطوير النفط في الإقليم، حيث يقضي الاتفاق بتصدير نفط الإقليم إلى تركيا، وهو ما يجعل الإقليم مصدرا للنفط إلى الخارج بشكل مستقل للمرة الأولى.

وإلى جانب هذه الاتفاقية ثمة تسريبات عن اتفاقية مماثلة لتصدير الغاز عبر بناء خط مستقل لنقل عشرة مليارات متر مكعب من الغاز سنويا إلى الخارج عبر تركيا، في إطار إستراتيجية تطوير موارد الطاقة.

يأتي ذلك فيما تشير التقارير إلى أن الإنتاج الحالي للإقليم من النفط بلغ قرابة أربعمائة ألف برميل يوميا، على أن يبلغ مليون برميل نهاية العام المقبل ومليوني برميل بعد ذلك بخمس سنوات، فيما يقدر الاحتياط النفطي في الإقليم بـ45 مليار برميل، وهو ما يجعل مستقبلا من معركة النفط معركة تتجاوز الخلافات والحسابات الطارئة إلى معركة الخيارات السياسية والمصير.

معركة النفط
من الواضح أن القضية النفطية في إقليم كردستان تحولت إلى معركة سياسية بامتياز تتجاوز كونها قضية مورد اقتصادي ومالي بين المركز والإقليم إلى خيار سياسي وقضية مصير وإشكاليات دستورية وقانونية.

بالنسبة لبغداد يدخل الأمر في إطار السيادة العراقية، وعليه تحدث المالكي مرارا عن وجود خط أحمر في مجال التوقيع على العقود النفطية وتصدير النفط إلى الخارج، كما رفضت بغداد اقتراحا تركيا بتشكيل لجنة ثلاثية (أنقرة، بغداد، أربيل) عشية التوقيع على الاتفاق النفطي مع أربيل، وأصرت على أن تكون الأمور في إطار لجنة ثنائية بين بغداد وأنقرة مع وجود ممثلين من الإقليم الكردي.

وأثناء الفترة الماضية أنهت بغداد عقود العديد من الشركات النفطية مع الحكومة المركزية بعد أن وقعت اتفاقيات مع أربيل، بينها شركات توتال وشيفرون وإكسون موبيل.

في مواجهة تهديدات بغداد تؤكد حكومته إقليم كردستان أنها أعدت خطة لمواجهة أي خطر أو تهديد يمكن أن يتعرض له الإقليم، وهو ما يعني أن معركة النفط تحولت إلى إستراتيجية كسر العظم بين بغداد وأربيل

لكن كل ذلك لم يؤثر في عزيمة حكومة إقليم كردستان، فقد عملت بطريقة هادئة فيها الكثير من الإستراتيجية والاستقلالية معا، فمن جهة اتبعت ليبرالية فائقة عبر تقديم ميزات هائلة لجهة نسبة الأرباح الكبيرة من قيمة الإنتاج (تقدر بين 25 و35% في كردستان، بينما في باقي مناطق العراق بين 15 و18 %)، وهو ما دفع الشركات النفطية للرحيل إلى كردستان لتفقد بغداد سيطرتها على قطاع النفط وعائداته في كردستان في أقل من سنتين.

ومن جهة ثانية، عملت بإصرار على استكمال اتفاقات تصدير النفط والغاز مع تركيا رغم تحذيرات المالكي وتهديداته إلى درجة أن الأخير أرسل رسالة خاصة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما يطلب فيها التدخل لمنع الشركات النفطية الأميركية - خاصة شركتي شيفرون وإكسون موبيل- من توقيع اتفاقيات مع إقليم كردستان العراق.

عليه، وبعيدا عن التوتر الجديد بين بغداد وأنقرة بسبب النفط في إقليم كردستان وكذلك التأكيد الأميركي بضرورة أخذ مخاوف بغداد بعين الاعتبار من الواضح أن معركة النفط بين أربيل وبغداد قد تشعل الأرض في المرحلة المقبلة، فقد سبق أن هددت بغداد بقطع حصة الإقليم من ميزانية العراق والبالغة 17% من الميزانية، فيما يرد رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان البارزاني بأن كل العقود التي أبرمتها حكومته هي قانونية ودستورية، وأنها لن تتنازل عن ذرة واحدة من حقوقها.

وفي مواجهة تهديدات بغداد يؤكد أن حكومته أعدت خطة لمواجهة أي خطر أو تهديد يمكن أن يتعرض له الإقليم المستمر في نهجه النفطي إلى درجة يمكن القول إن معركة النفط تحولت إلى إستراتيجية كسر العظم بين بغداد وأربيل.

تركيا واستقلال كردستان
ترنو تركيا إلى نفط كردستان بشكل كبير، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن اكتشاف المزيد من الحقول الجديدة فيها.

وتعتقد أن بناء شراكة نفطية مع إقليم كردستان ستؤدي إلى تحقيق جملة من الفوائد الإستراتيجية، وفي المقدمة منها التقليل من تبعيتها في مجال الطاقة للدول الإقليمية، لا سيما روسيا وإيران، وكذلك ضمان توفير مصادر الطاقة لنموها الاقتصادي الذي قارب 9%، والاستفادة من دور الإقليم الكردي في حل مشكلتها الكردية الداخلية، بما يؤدي ذلك كله إلى تقوية دورها ونفوذها الإقليمي في المنطقة.

وعليه، فقد ضربت أنقرة بعرض الحائط غضب بغداد رغم الحديث عن فتح صفحة جديدة بين البلدين، ولم تأخذ بعين الاعتبار القلق الأميركي من أن يؤدي التقارب التركي الكردي إلى تفتيت العراق، فيما بالنسبة لإقليم كردستان فإن النفط بات مفتاح الاستقلال حتى لو كان الطريق محفوفا بالمواجهة مع بغداد سياسيا وربما أمنيا وفي قلب هذه المواجهة مصير كركوك التي شهدت في الفترة الأخيرة تصعيدا للعنف والمواجهات.

في زحمة معركة نفط كردستان ثمة سؤال جوهري عن موقف تركيا ومسار علاقاتها مع إقليم كردستان، فأنقرة التي رفضت في السابق حتى إجراء أي اتصال رسمي مع الزعماء الأكراد العراقيين باتت تستقبلهم اليوم بالسجاد الأحمر ليس في أنقرة وإسطنبول فقط، بل حتى في ديار بكر-آمد التي يعدها الأكراد عاصمتهم التاريخية، ويطلق أردوغان من هناك -بحضور مسعود البارزاني- عبارة كردستان للمرة الأولى لتثير العبارة عاصفة من الجدل في تركيا لم تنتهِ إلى اليوم.

السؤال الجوهري هنا هو: كيف ستوازن أنقرة بين مصالحها النفطية والاقتصادية مع إقليم كردستان واحتمال أن يؤدي ذلك إلى استقلال كردستان وتفكك العراق؟ سؤال لا بد أن يفجر سؤالا أكبر في تركيا، وهو ماذا عن تداعيات استقلال إقليم كردستان العراق على أكراد تركيا الذين يزيدون ثلاثة أضعاف على أكراد العراق عددا ومساحة لجهة الأرض؟

الثابت أن هذه المصالح والتطلعات بين تركيا وكردستان قد تتناقض، بل وقد تصطدم على المدى الإستراتيجي، خاصة أن القضية الكردية في عموم المنطقة تشهد تطورات متسارعة
لعل ما يشجع تركيا في هذه اللحظة السياسية البالغة التعقيد على تعميق علاقاتها مع كردستان العراق هو الخلافات مع بغداد التي تنتهج سياسة إقليمية إيرانية في المنطقة، وهذا أمر وفق الحسابات التركية ينسحب على الأزمة السورية.
فيما يرى كثيرون أن هناك في ثنايا الحنين التركي المتدفق تجاه كردستان، ثمة عوامل تاريخية لها علاقة بولاية الموصل التي انتزعت منها عام 1926، حيث كانت ولاية الموصل تشمل كل مناطق شمال العراق اليوم.

واليوم وفي ظل ما يجري في المنطقة فإن القوة التركية الناعمة المحملة بالدبلوماسية والاقتصاد غير بعيدة عن التطلع إلى ربط إقليم كردستان بها اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وحتى أمنيا، في المقابل فإن حكومة إقليم كردستان تظهر الكثير من التوافق مع السياسة التركية، سواء على المستوى الثنائي أو الإقليمي، على شكل مصالح وتطلعات مشتركة.

لكن الثابت أن هذه المصالح والتطلعات قد تتناقض، بل وتصطدم على المدى الإستراتيجي، خاصة أن القضية الكردية في عموم المنطقة تشهد تطورات متسارعة.

ومع هذه التطورات تبدو الجغرافية الكردية تتشكل من جديد، لتقترب معها أحلام الأكراد بدولة قومية من الواقع، فيما النظام الإقليمي في المنطقة بات يتغير ويدخل الأكراد فيه كلاعب بعد أن كانوا ورقة إقليمية طوال العقود الماضية.

دون شك، هذه الإستراتيجية تضع تركيا في امتحان مع نفسها، فالهيام بنفط في كردستان والتطلع إلى الدور يقابلهما اقتراب كردستان العراق من تحقيق حلم الدولة، وهذه خطوة لن يقبل باقي أكراد المنطقة لا سيما في تركيا بأقل منها ولو بعد حين، فالثابت أن أمطار هذه الأيام على المنطقة تزدهر في كردستان ربيعا، وتتبسم معها الجغرافية حلما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك