مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول



نكتب هذا المقال قبيل أول جمعة بعد الإعلان الرسمي عن ترشيح المجلس العسكري -الذي يهيمن عليه تنظيم خاص كان قائما منذ عهد الرئيس- لعبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر، في مشهد يؤكد وبصورة حاسمة كل ما كانت تجادل فيه تشكيلات العلمانيين في المعارضة من أن خارطة الطريق هي درب يُعبّد لاعتلاء السيسي لعرش مصر.

وقد فصلنا معنى هذا الاعتلاء وخصوصية التقديس المعنوي والمادي التي تُحيط بترشيح السيسي في مقال سابق، ولم يعد لموقف ما تبقى من أنصار خارطة الطريق والانقلاب العسكري لوهم البناء الدستوري الحر, أي تأثير على استكمال المشهد بعدما طوتهم القدرة الذاتية لخطة الفريق السيسي، فهم إمّا تحت العزل والصمت الجبري أو تحت المطاردة القانونية من حلفائهم العسكر في 30 يونيو/حزيران.

لكن القضية الحسّاسة اليوم والمفصلية هي أن هذه الجمعة تأتي أيضا في ختام أسبوع التحدي الثوري الذي أعلنته قيادة رابعة والتي اليوم تقود بصورة مركزية حركة التجديد لثورة 25 يناير، هذا الأسبوع ارتكبت فيه قوات السيسي مجزرة هي الكبرى منذ فض اعتصام رابعة سقط فيها السبت الماضي 25 يناير/كانون الثاني 65 قتيلا ومئات الجرحى.

لم يعد لموقف ما تبقى من أنصار خارطة الطريق والانقلاب العسكري لوهم البناء الدستوري أي تأثير على استكمال المشهد بعدما طوتهم القدرة الذاتية لخطة السيسي، فهم إمّا تحت العزل والصمت الجبري أو تحت المطاردة القانونية

فماذا يعني هذا التصعيد لقيادة رابعة؟ وماذا يعني التوقيت الحالي؟

هنا نعود قليلا الى أحداث ومسار منصة رابعة وتحديدا حين ذكرنا حاجة الثورة إلى الانعطاف السياسي والانسحاب من ميدان المواجهة الدامي قبل وقوع الكارثة، بعد أن تبين أن الجيش لن يُطلق الرئيس مرسي وبعد أن اتضح أن قدرات الزحف السلمي الأعزل لا تستطيع أن تتوجه لمقر الحرس الجمهوري وتخليص الرئيس وإعادته كما جرى مع الرئيس الراحل شافيز حين أسقطه تحالف داخلي مدعوم من واشنطن.

حينها كتبنا في يوليو/تموز 2013 أن الانعطاف السياسي أولى، فالصورة تتوجه إلى حصاد دموي، وهذا المسار ستكون تكلفته عالية دون أي وضوح لحصاد مدني ينتزع إرادة الشعب مجددا من الحكم العسكري.

واليوم تتصاعد بقوة هذه النزعة وترتفع توقعات المواجهة الدامية لجمعة 31 يناير/كانون الثاني وما يعقبها، باعتبار أن خلية التنظيم الخاص المهيمنة على الجيش ستقتحم بكل وحشية وعنف دون أي محاذير ساحات وأحياء مدنية ومجاميع بشرية وتتوجه لإبادتهم دون تردد.

هذا المؤشر يتعزز، كون أن خلية الأزمة للفريق السيسي ترى أن هذا الموسم هو الأخطر، وهو لا يقبل لديها أي مواربة ولا تردد، وليست قلقة على الإطلاق من أي تبعات دولية، فمحورها العالمي والإقليمي ينحاز ضد الثورة ويدعم الأسد ضمنيا أو فعليا، في حين أن دعْم السيسي لوقف أي حلم لثورة استقلال سيكون أجدى من دعم الأسد لحسابات التحالف الدولي والإقليمي والعربي، الذي لن يضره تصريحات حقوق الإنسان ولو جاملها فلن تغير موقفه التنفيذي.

إن إطلاق مخابرات إمارة أبو ظبي رأس المحور الخليجي وجسر التنسيق مع تل أبيب الدعوة للبدء بقتل من يُحسب على الإخوان كأفراد مدنيين في الشارع العام أو في بيوتهم وبأسماء المحسوبين على الجهاز الرسمي يؤكد مؤشرات هذا التوجه ورغبة داعميه ومموليه.

وهذا لا يعني عدم حماقة هذا الموقف الذي أُعلن في تويتر بحكم الطائلة القانونية والتوثيق التاريخي السياسي الذي سيُسجل ويستدعى يوما ما على أبو ظبي، لكنه يُبيّن هستيريا المجازر لخارطة الفريق السيسي، وهذا الذي يهمنا هنا.

إذن ليس هناك شك في حجم التوجه الدامي الوحشي الذي يُعّد له غدا، وفي ذات الوقت هذا التصعيد يتزامن مع تحول وجدان الثوّار إلى مستوى متقدم من الإصرار والفدائية في ظل سقوط الضحايا والأطفال من أنصار رابعة وثورة 25 يناير, وهنا السؤال الصعب.

هل ستُطلق هذه الروح الثائرة مجددا نحو الميدان السلمي أمام الدبابة التي تستعد لوجبة قصف خطيرة وكم هي خسائر شعب الثورة؟

إن التوقيت حسّاس وحجم الضغط المعنوي على قيادة رابعة و25 يناير يبدو أكثر في ظل ما هو معروف من أن تراكم مشاهد الفداء يُفجّر طاقات الكفاح والصمود.

ولكن الإشكالية الكبيرة والخطيرة أن السيسي لا يزال يمنع هذا الصوت عن قطاع واسع من الشعب، وأن خلاصة الجولة ستُغرق المشهد في الدماء وتحوّله إلى حرب أهلية صغيرة بحسب حسابات السيسي وتل أبيب وأبو ظبي، ليتمكن فيه السيسي بالفعل من استدعاء المشهد السوري وتحقيق نظرية الإبادة المقننة.

إن صور المقاومة السياسية ونموذج الممانعة الذي طبق في تشيلي ضد الجنرال بينوشيه بعد مجازر القتل والإبادة يمكن أن تُطبق مصريا، دون اللجوء إلى خيارات فتح الصدر العاري أمام القصف العسكري

رغم وهم هذا الرهان لوقف الحرب الأهلية عند مدار محدد تفرضه خطة السيسي، إذ إن الحرب الأهلية حرب لا يمكن أن يجزم أحد بضبطها ولا تطورها، وأموال المحور الخليجي والدعم الإسرائيلي قادران على إشعالها بدبابة السيسي لكنهما لا يملكان إيقافها، هذا لو كانا يرغبان في إيقافها.

هنا تتصاعد مهمة قرار الثورة خاصة في هذا التوقيت من تجنب الاصطدام الميداني السلمي مع العسكر، حتى في وجبات المظاهرات المحدودة، والحاجة إلى التحول نحو مفهوم المقاومة السياسية وبقاء الميدان رهن التطورات التي تحتاج إلى فترة زمنية في ظل حالة العبادة والتقديس التي مُنحت للسيسي في زفة إعلامية لم تتوقف.

إن هناك جذورا مرشحة للتشقق وأوضاعا ستَكشف عنها مسطرة الواقع السياسي للحلفاء حين تسترخي حربهم على الثورة، وتعود مصالحهم وأطماع الفريق القديم بقيادة الجنرال شفيق وبين منظومة الفريق السيسي ولعبة "كش ملك" بين الحزب الوطني والفريق السيسي، فضلا عن وضع الاقتصاد وقناعة الشارع الذي يُسرق قُوتُه في تنافس من الفريقين ويُقال له إن المشكلة في ثورة يناير ومحاولة عودتها.

إن صور المقاومة السياسية ونموذج الممانعة السياسية الذي طبق في تشيلي ضد الجنرال بينوشيه بعد وجبات من القتل والإبادة يمكن أن تُطبق مصريا، دون اللجوء الى خيارات فتح الصدر العاري أمام القصف العسكري، الذي اتضح أن السيسي يريده أن يستمر لقتل أكبر عدد من جيل الثورة الجديد وضمان عهد هيمنة تاريخي تحشد له كارزمية وهمية ودعم دولي صلب تقوده تل أبيب.

لكن التحول للمقاومة السياسية وترك هذا المشهد لشركاء جبهة الإنقاذ الذين لا يزالون يُلاعنون الإخوان ويؤيدون قتل شبابهم وأطفالهم، أمام مساحة زمنية حسّاسة، وتحريك صور النضال السلمي والحقوقي المتعددة التي لا يلزم منها انسحاب كل المظاهرات وإنما ضبطها بدقة للحفاظ على الدماء، كل ذلك سيكشف مفاجآت كبيرة قد تخلق مسرحا جديدا للحراك الثوري السلمي، وفرص عودة خيار الحرية للشعب المصري، الذي من المهم اليوم منع أي انزلاق له نحو المشهد السوري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك