زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني



لا شك أن الحديث عن فلسطين هذه الأيام على وجه التحديد، تحيط به الآلام نتيجة ما وصلت إليه القضية على يد مدعي تمثيل شعبنا وكذلك في نفوس أبناء أمتنا.


فالظاهر -وهو عكس الحقيقة- أنه ليس ثمة أي اهتمام بها وبمصير قطعة غالية ونفيسة ومقدسة، إسلاميا ومسيحيا، من أرض وطننا العربي الكبير، وبمصير شعبها المناضل من أجل استعادة حقه الإنساني والتاريخي فيها منذ ألف ألف عام.

من خلال متابعة ما ينشر عن التطورات في فلسطين المحتلة والمفاوضات العلنية والسرية، وهي الأخطر، يميل بعض المعلقين إلى رسم صورة كارثية لمستقبل القضية وحقوقنا فيها.

ومع أنه من الغلط التقليل من أخطار سياسات سلطة المقاطعة في رام الله تجاه مستقبل بلادنا وشعبنا حيث إنها قادت شعبنا منذ تبني البرنامج المرحلي "التسووي" في عام 1974 من هزيمة إلى أخرى، ومن تراجع إلى آخر، ومن مساومات لا مبدئية وتنازلات مجانية بلهاء لم تفد سوى العدو ودعم احتلاله لأرضنا ومنحه الشرعية المزيفة من قيادة مزيفة، إلا أنه علينا في الوقت نفسه تذكر أن القضية الفلسطينية مرت بمراحل على جانب كبير من الخطورة، والكارثية.

الوضع الحالي ليس بأسوأ من عام 1948، ولا من عام 1967، ولا من عام 1970-1971، وليس أسوأ من مرحلة اتفاقية كامب ديفد عندما أدارت مصر الساداتية ظهرها إلى فلسطين قولا وفعلا

فلننظر في تاريخ القضية والمحطات المهمة الآتية كي لا نقع فريسة اليأس الذي يريد البعض أن يزجنا فيه:

- الوضع الحالي ليس بأسوأ من عام 1948.
- الوضع الحالي ليس بأسوأ من عام 1967.
- الوضع الحالي ليس بأسوأ من عام 1970-1971.
- الوضع الحالي ليس بأسوأ من مرحلة اتفاقية كامب ديفد عندما أدارت مصر الساداتية ظهرها إلى فلسطين قولا وفعلا عندما توج رئيسها سياساته الاستسلامية العلنية والسرية بزيارة القدس المحتلة يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1977.

- الوضع الحالي ليس بأسوأ من عام 1982 عندما اجتاح العدو الصهيوني لبنان وصولا إلى بيروت أظهر فيها مقدراته الإبداعية في ارتكاب مختلف أجناس الجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى احتلال قوات حلف الناتو لبيروت.

- الوضع الحالي ليس بأسوأ من عام 1983-1984 عندما انشقت الساحة الفلسطينية والفتحوية في المقام الأول واستبدل رفاق درب طويل السلاح بالفكر، أداة للحوار!

- الوضع الحالي ليس بأسوأ من نظيره يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1982 الذي أفضى إلى 17 مايو/أيار 1983 عندما وقع الرئيس أمين الجميل المعاهدة مع العدو، ثم اضطر للفظها في 5 مارس/آذار 1984، أي بعد أقل من عام على توقيعه عليها، والقائمة تطول وتطول.

لكن رغم كل تلك الأهوال، ثمة محطات براقة مهمة، ومنها على سبيل المثال رفض شعب مصر العربي التطبيع مع العدو رغم محاولات قياداته إجباره على ذلك، والأمر ذاته ينطبق على شعبنا الأردني الذي ما انفك يثبت عروبته الأصيلة رغم ضغوط نظام عمان لإجباره على التطبيع.

لقد تمكن الشعب الفلسطيني، وكل القوى العربية المقاوِمة المعادية للصهيونية، من النهوض بعد كل هزيمة من بين الركام والرماد واستئناف طريق النضال، فعلى سبيل المثال تمكن الشعب اللبناني بقيادة مقاومته الوطنية من دحر العدو وإجباره على الانسحاب من لبنان من دون قيد أو شرط.

ما نريد قوله إن الرؤى "القيامية" لمستقبل القضية الفلسطينية التي يرسمها البعض في وسائل الإعلام/التضليل، ناهيك عن كونها غير صحيحة، فإنها ضارة.

وبافتراض حسن النية فإنها ضارة لأنها تعني أن ضياع القضية أمر حتمي ولا سبيل لتغير مساره ووقفه ومن ثم عكسه.

قد يصور البعض تلك الرؤى القيامية من منطلق اليائس أو من منطلق الحائر الذي لا يمتلك الركيزة الإيمانية بعدالة القضية وبحتمية انتصار العين على المخرز والدم على السيف، كما علمنا التاريخ.

هذا ليس بكلام إنشائي وإنما تذكير بدروس التاريخ والشعوب الأخرى. فعلى سبيل المثال، هلل الغرب الاستعماري لاتفاقية إيان سميث مع قيادات زمبابوية/روديسية جنوبية رجعية وتقليدية هدفها ذلك الكرسي اللعين، برئاسة القس آبل موزُرِوَا، في عام 1979، لكننا نعرف نهاية الأخير وأتباعه.

مهما كبرت التنازلات والمساومات، يبقى لدى الشعوب المظلومة مخزون كاف من الإحساس بالكبرياء للنهوض مجددا واستعادة حقوقها، يدعمها اليقين بأن الحقوق الوطنية لا تنتهي صلاحيتها

ليس المقصود هنا حتمية بمعنى جلوس المرء في انتظار حصول التغيير المنتظر آليا أو بحكم قوانين الطبيعة مثل شروق الشمس الحتمي وغروبها، من دون أي مجهود، وإنما الإشارة أو التذكير بأنه مهما كبرت التنازلات والمساومات، يبقى لدى الشعوب المظلومة مخزون كاف من الإحساس بالكبرياء للنهوض مجددا واستعادة حقوقها، يدعمها اليقين بأن الحقوق الوطنية لا تنتهي صلاحيتها ما دام هناك شعب مقاوم لأجل استعادتها، وأنها لا تزول بالتقادم، هذه هي الحتمية التاريخية التي نتكلم فيها.

الآن نود التنويه إلى نقطة غاية في الأهمية، من منظورنا، وهي عدم صحة إلقاء اللوم على تيه فلسطين في الروح العربية على شعب فلسطين المكافح، فشعب فلسطين، كما هو حال كل الشعوب المستعمَرة، لم يبخل يوما بكل ما يملك من أجل المحافظة على بلاده أولا، ومن ثم من أجل استعادتها من الاغتصاب الصهيوني.

مصدر هذا التيه، في ظني، يتعلق أولا وقبل كل شيء بالتنازلات المذلة لقيادة رام الله وتلهفها لإرضاء واشنطن وتل أبيب وتنفيذ شروطهما من دون تلكؤ. لكن في الوقت نفسه وجب عدم نسيان عامل مهم آخر هو كيفية تعاطي الإعلام العربي، المقاوِم، الذي يدعي ذلك، والإعلام الذي يدعي الاستقلالية (عن من؟) والإعلام الرسمي.

الإعلام العربي الرسمي لا يهمنا في العلاقة مع موضوع مقالنا هذا، لأنه يمثل رأي الحزب أو النظام أو المؤسسة الحاكمة التي أنشأته ليسوّق صورتها إلى العالم، ما نريد النظر فيه هو التغطية الإعلامية بقنوات خاصة، مقاوِمة، أو مدعية ذلك.

في فلسطين شعب مقاوم، بمختلف الطرق، وما أخبار الاعتقالات اليومية من قوات المغتصب الصهيوني أو سلطة رام الله التي تعمل على قمع أي صوت، حتى لو كان همسا، لسياساتها المرتهنة لرضا واشنطن وتل أبيب، إلا دليل على عمق الغضب الفلسطيني من تلك السلطة.

كما أن منحها نفسها كل السلطات وفصل القسم الأكبر من شعبنا من حق المشاركة في كل التفاصيل التي تمس مستقبله وحقوقه، لدليل إضافي على حيوية شعب يعاني مختلف أنواع الإذلال، ليس على يد عدوه المغتصِب فقط، وإنما على يد قياداته المفروضة عليه، وهذا حال أغلبية شعوب أمتنا.

إن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تشهد نضالات مختلفة ليس فقط ضد الاغتصاب الصهيوني وإنما أيضا ضد تبعات سياسات رام الله الاقتصادية والثقافية وغيرها.

وكنا نشرنا في هذا الموقع عرضا لأبحاث علمية قيمة توضح حقيقة ما يتم تنفيذه في بلادنا، أو جزء منها بالأحرى، والتدمير الاقتصادي، وبالتالي الإنساني، لقطاعات واسعة من أرضنا المحتلة.

لكن الإعلام الخاص الذي يسمي نفسه مقاوِما ومستقلا، لا يذكر ولو ذكرا عابرا المأساة التي يعيشها شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1967، ولا يغطي وجود معارضات فلسطينية لسياسة رام الله ونشاطاتها الكثيرة هناك في مختلف مناحي الحياة، وحصر التغطية الإعلامية على أعضاء حكومة رام الله، وهي في الحقيقة محكومة وليست حاكمة، وهذا أمر مريب.
إن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تشهد نضالات مختلفة ليس فقط ضد الاغتصاب الصهيوني وإنما أيضا ضد تبعات سياسات رام الله الاقتصادية والثقافية وغيرها

إن هذا الصمت المدوي المسلط على نشاطات المعارضة الفلسطينية لسياسة مبنى المقاطعة، وقصر تغطيته لنضال شعبنا في الأراضي المحتلة على مظاهرة بضعة شباب هنا أو هناك ضد قوات العدو أو احتجاجات واهية، لابد أن يولد الانطباع لدى المشاهد بأن سياسات مؤسسة المقاطعة في رام الله مقبولة من شعبنا هناك، وأن الشعب الفلسطيني، بأغلبيته، مستكين للاحتلال.

إن هذه السياسة الإعلامية/التضليلية، سواء أكانت بحسن نية أو بسوء نية -والأمر سيان رغم ميلنا للتفسير الثاني- ضارة بنضالات الشعب الفلسطيني وسمعته، وتجعل من القنوات "المقاوِمَة" متواطئة مع مؤسسة محمود عباس الحاكمة/المحكومة وسياساتها، وبالتالي داعمة لاستمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وتثبيته.

إن الالتزام بفلسطين القضية وبنضال شعبنا يفرض التعامل مع مختلف مكوناته وتوجهاته السياسية، وفضح تلك التي تمنح العدو والاحتلال والاغتصاب الشرعية وتزيده قوة وغطرسة.

إن تجنب منح الآخر صوتا في المعركة الدائرة في فلسطين يجعل كل كلام عن التزام بفلسطين لغوا فارغا وتجارة بفلسطين وشعبها بهدف تضليل المشاهد العربي، عن عمد وسبق ترصد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك