​أنطوان صفير

​أنطوان صفير

​أنطوان صفير, محامٍ دولي



تحديد التعذيب
التوصيف القانوني
المحاكم الصالحة

موضوع الصور التي تظهر آلاف الأشخاص تحت وطأة التعذيب الذي ربما أدى إلى وفاتهم، وذلك بأبشع الوسائل وأكثرها وحشية, شكلت صدمة حقيقية لدى الرأي العام العالمي, ولبعض الحكومات والمنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان.

تحديد التعذيب
في الواقع، التعذيب هو انتقام فردي أو جماعي عبر ممارسة ضغوط جسدية أو نفسية شديدة على الشخص بغية إجباره على القيام بعمل معين أو الاعتراف بشيء حتى ولو لم يكن قد قام به، أو في كل الأحوال معاقبته على موقف اتخذه أو قناعة يؤمن بها أو معتقد يعتنقه.

في القانون, أعمال التعذيب هي جرائم تنص وتعاقب عليها القوانين الوطنية والدولية، وللتعذيب مفهوم عام واحد ولكن البحث فيه كجريمة يحتاج إلى استجماع أركان هذه الجريمة، وأولها التأكد من جدية الصور المعروضة على أنها جرائم, أي انطباقها على المعطيات المدلى بها.

ومن ثم عرض القوانين الدولية التي ترعى هذه الجرائم وتحديد نوعية المحاكم صاحبة الصلاحية للنظر في هذه الأعمال الجرمية الشائنة.

التوصيف القانوني
مما لا شك فيه أن الصور تشكل بينّة تثبت واقعا معينا, شرط تحديد الزمان والمكان، أي تاريخ طروء الوقائع المصورة؟ وأين؟

التعذيب جريمة تعاقب عليها القوانين الوطنية والدولية، ولكن البحث فيه كجريمة يحتاج إلى استجماع أركان هذه الجريمة، وأولها التأكد من جدية الصور المعروضة على أنها جرائم, أي انطباقها على المعطيات المدلى بها

ورغم أنها بينّة لكنها لا تشكل قرينة إثبات كاملة المواصفات القانونية، إذ إنها تعتبر بمثابة بداية إثبات تحتاج إلى استكمال عبر وقائع معينة أو شهادات ثابتة أو قرائن أخرى أو أحكام صادرة في قضايا متلازمة من حيث "الجغرافيا"، أي المنطقة و"السلطة" التي يشتبه أنها قامت بهذه الأعمال المدانة والمعاقب عليها في القوانين المرعية الإجراء.

إذن لا يمكن اتخاذ الصور بذاتها كإثبات يستوجب إدانة وعقوبات بل يجب التوسع والتحقق قبل الشروع في أي ملاحقة أو محاكمة.

وقد عرفت القواعد الدولية لحقوق الإنسان التعذيب بأنه "عمل عمدي تنجم عنه معاناة جسدية أو عقلية شديدة. ويتم من أجل الحصول من الضحية أو من الغير على معلومات عبر تخويفه، معاقبته أو الضغط عليه، على أن يصدر ذلك (أي التعذيب) عن الدولة أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية".

أ- يناقض التعذيب أول ما يناقض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) الذي ينص في المادة الخامسة على أنه: "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو التي تمس بالكرامة".

ب- ومعاهدة جنيف الثالثة المتعلقة بمعاهدة أسرى الحرب (1949) ومعاهدة جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين (1949) أثناء النزاعات المسلحة. والحالة الحاضرة الموثقة بصور تعتبر مخالفة واضحة لأحكام المعاهدتين المذكورتين بما تشكلان من مبادئ أساسية للقانون الدولي الإنساني, وفي مقدمتها جريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية بكافة تشعباتها.

ج- نصت المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) على أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو التي تتعرض للكرامة، وبشكل خاص لا يجوز إجراء أي تجارب طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر".

د- أما اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (١٩٨٤) فقد أشارت أن لا تذرع بأي ظروف استثنائية للقيام بالتعذيب ولا حتى بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى رتبة, مما يعني والحالة هذه أن المأمور غير معفى من العقوبة بحجة تلقيه توجيهات أو أوامر من رؤسائه.

هذا النص يدعو المرؤوسين أو أصحاب السلطة الدنيا إلى عدم الالتزام بأوامر تبغي القيام بأعمال التعذيب، لأن في ذلك مخالفة لقواعد آمرة في القانون الدولي لا تجوز مخالفتها.

هـ- أما القواعد المتكاملة التي تدين هذه الجريمة وتعتبرها بمثابة جريمة ضد الإنسانية وجريمة ٳبادة في بعض نواحيها، وجريمة حرب بشكل عام، فتتمثل بالقانون الدولي الٳنساني الذي يوحد معايير الحقوق الأساسية للشخص، والتي لا يجوز التخلي عنها أو التعرض لها تحت أي عذر.

ونظرا لتفاقم الارتكابات وتزايد عدد جرائم التعذيب في أكثر من منطقة في العالم, على هامش النزاعات المسلحة, فقد شكلت الأمم المتحدة عام 1987 لجنة دولية لمراقبة وضع التعذيب ووضع تقارير دورية تشير إلى واقع الحال.

و- توقفت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بشكل خاص عند جريمة التعذيب، إذ نصت في مادتها الثالثة على وجوب تدعيم حماية الإنسان من التعذيب، وقد كان لقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وقعا مهما على البلدان الأوروبية وغير الأوروبية، نظرا للمصداقية العالية التي تتمتع بها وللنتائج المختلفة التي على الدولة المدانة تحملها كتبعة قانونية لقيامها بأعمال جرمية تمس حقوق الإنسان.

ز- نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) في مادته الثامنة على مسألة التعذيب من جوانبها المختلفة, لكن هذا النص يحتاج إلى تفعيل عملي.

والصور المعروضة تجسد -في حال ثبوتها- نموذجا ساطعا عما يتعرض له الشخص البشري من تعديات جسيمة، لم تزل تمارسها سلطات حاكمة.

جرائم التعذيب الواردة في صور مفزعة تحتاج إلى تحقيقات جدية ومسؤولة وعلى أعلى المستويات الدولية بغية تحديد الإطار الجرمي العام، عبر استقاء المعطيات الواقعية التي تثبت من قام بهذه الجرائم وتلاحقه أمام المحاكم المختصة.

المحاكم الصالحة
بحسب القوانين الوطنية، تعتبر المحاكم الوطنية صاحبة صلاحية للنظر بجرائم التعذيب الواقعة على أرض هذه الدولة أو ضمن سيادتها بغض النظر عن نوعية الجريمة, جماعية أو فردية, ودون تمييز بين الضحايا، أي مواطنين أم غير مواطنين, أم لاجئين.

صور التعذيب المفزعة تحتاج إلى تحقيقات جدية ومسؤولة وعلى أعلى المستويات الدولية، بغية تحديد الإطار الجرمي العام عبر استقاء المعطيات الواقعية التي تثبت من قام بهذه الجرائم وتلاحقه أمام المحاكم المختصة

ولكن التعذيب يأتي من جهة رسمية لديها السلطة الكافية للقيام بذلك، خصوصا عند استهداف أعداد كبيرة من الأشخاص، حتى تم الحديث عن التعذيب كجريمة "رسمية"، مما حدا بالمجتمع الدولي على اعتبار هذه الجريمة بمثابة جريمة "دولية"، خصوصا عندما تتماهى مع الجرائم المقرة في نظام المحكمة الجنائية الدولية، ومنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

مما يجعل المحكمة الجنائية الدولية صاحبة صلاحية للنظر بهذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها مهما علت مسؤولياتهم دون توقف عند الحصانات، لأن الصلاحية المعطاة لهذه المحكمة شاملة وتعلو على نصوص القوانين المحلية ومنها ما يتعلق بالحصانات الممنوحة لأصحاب السلطة.

وجرائم التعذيب الواردة في متن الصور المعروضة تقع ضمن صلاحية المحكمة الجنائية الدولية التي تضع يدها على الملف برمته بسبب غياب المحاكم الوطنية وعدم قدرتها على محاكمة ومقاضاة المرتكبين، ولكنها تمارس سلطتها في الحالات التالية:

1- إذا كان المتهم بارتكاب الجرم مواطنا لدولة موقعة على نظام روما، أو إذا قبلت دولة المتهم بمحاكمته.

2- إذا وقع الجرم في أراضي دولة موقعة على نظام روما، أو إذا سمحت الدولة التي وقع الجرم على أراضيها للمحكمة بالنظر في القضية.

3- أو إذا أحيلت القضية للمحكمة بواسطة الأمين العام بناء على قرار يتخذه مجلس الأمن الدولي.

الجدير ذكره أن مبدأ مرور الزمن لا ينطبق على هذه الجرائم، ولكن لا تستطيع المحكمة النظر في القضايا المرتكبة قبل الأول من يوليو/تموز 2002.

والجدير بالتوقف عنده ما ورد في المادة السابعة من نظام روما الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، والموقع عليه من غالبية دول العالم، من مبدأ "عدم جواز رد أو تسليم شخص إلى بلد يمارس التعذيب", مما يعني أن أي قرار يتخذ في هذا السياق يعتبر مخالفا لأحكام نظام روما ويعرض فاعله للمساءلة، حتى لو كانت هذه الدولة مرتبطة مع الدولة الأخرى التي سلمتها الشخص، إذ إن نظام روما هو بمثابة معاهدة دولية ملزمة وتعلو هرميا على أي اتفاقية ثنائية.

في هذا السياق, لا بد من التوقف عند القرار الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة الذي أشار إلى أنه: "أصبح حظر التعذيب الآن أحد أهم معايير المجتمع الدولي وفوق ذلك، وقد أصدر بغية منع القيام به، وبذلك فهو بمثابة رسالة موجهة لأعضاء المجتمع الدولي وكل الأفراد الذين يتقلدون سلطة رسمية مفادها أن حظر التعذيب يمثل قيمة مطلقة يجب أن لا ينحرف عنها أي شخص..".

أما المحكمة الجنائية الدولية فقد أصدرت حكما أشارت فيه إلى أنه "أصبح حظر التعذيب معيارا حاسما عالميا، أي أنه مبدأ يتمتع بمرتبة أعلى في الأهمية على قوانين المعاهدات..".

وفي الختام، إن الصور المعروضة لا بد أن تشكل مادة تحقيق عميق بغية تحديد كافة جوانبها لتأكيد الوقائع والشروع بإجراءات دولية وفقا للأصول المرعية، لكي يحاسب المسؤولون عن تلك الارتكابات.

في حال تطور الملف فإنه سيشكل مرحلة جديدة في الأزمة السورية بسبب دخول عامل قانوني، وهو ما ستكون له تداعيات معينة على المشهد السوري يحدد الزمن مداها الفعلي

بعد إجراء الاختبارات العلمية والبحث التوثيقي, يحدد مدى اعتبارها أدلّة مباشرة على قيام جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية وقتل جماعي للمدنيين بوسائل وحشية عبر استخدام التعذيب بكافة أشكاله وابتكاراته.

وإذا كان مجلس الأمن صاحب الصلاحية الأساسية في إحالة الملف أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإنه وفي حال تعطيل مجلس الأمن بسبب الفيتو المستمر، يمكن اللجوء إلى آلية بديلة عن مجلس الأمن لرفع دعوى أمام محكمة الجنايات الدولية على أساس هذه الصور، من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة لتتّخذ قرارا بشأنها وتحيلها على المحكمة الدولية.

إذن مراحل متتالية تبدأ بالتثبت والتحقيق، ثم بتحضير الملف ورفعه أمام المراجع الدولية المختصة لإجراء المقتضى وفق أحكام القوانين الدولية المرعية الإجراء.

وفي حال تطور الملف فإنه سيشكل مرحلة جديدة في الأزمة السورية بسبب دخول عامل قانوني وبهذا المستوى على خط الأزمة السورية، وستكون له تداعيات معينة يحدد الزمن مداها الفعلي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات