عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري



تاريخ حركة المقاطعة
المقاطعة أميركيا وبريطانيا
مشرعية المقاطعة
مقياس عزلة إسرائيل

صوّت أعضاء جمعية الدراسات الأميركية بالولايات المتحدة في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي لمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية لسياستها المنافية للحرية الأكاديمية للفلسطينيين.

ويعتبر هذا فتحا كبيرا وغير مسبوق للقضية الفلسطينية في معقل ليبرالي أميركي، هو الجامعة، والحال أن هذه المؤسسة ظلت تتصامم عن المأساة الفلسطينية منذ العام 1948 مما دفع إدوارد سعيد للقول بأن مستقبل التفهم الأميركي لمسألتها رهين بأن تجد ظهيرا في أوساطها الليبرالية.

وعزا انصراف هؤلاء الليبراليين عن مسألة فلسطين إلى هالة الهيبة الأخلاقية التي جللت إسرائيل بالنظر إلى معاناة اليهود في الهولوكوست. فإسرائيل -في قول سعيد- من صناعة العالم.

وجد الأميركيون في روحها المخاطرة الرائدة ما يتعاطفون معه، فصار نقد إسرائيل في أميركا مطابقا لعداء السامية بحذافيره. فالليبراليون، بل والراديكاليون، ممن يعارضون نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والعنصرية الأميركية نفسها، يمتنعون البتة من نقد عنصرية إسرائيل ضد الفلسطينيين.

صار نقد إسرائيل في أميركا مطابقا لعداء السامية، فالليبراليون المعارضون للعنصرية الأميركية يمتنعون البتة عن نقد عنصرية إسرائيل ضد الفلسطينيين

وعليه لم تُبن بعد القواعد لنقد إسرائيل ليصير تقليدا فكريا متبعا.

تاريخ حركة المقاطعة
دعت لهذه المقاطعة الجمعية الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل في 2005 بوصف المؤسسات الأكاديمية والثقافية الإسرائيلية شريكا للدولة في حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية.

وعُرفت الحركة برموزها اللاتينية بي دي أس (BDS) وهي الأحرف الأولى من الشعار بالإنجليزية: قاطع، اسحب استثمارك، وعاقب على غرار ما قام به المجتمع الدولي للجم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

ثم صار الـ "بي دي أس" شبكة من المؤيدين في الغرب بدأ بأوروبا حتى بلغت الولايات المتحدة في 2001 بفئة قليلة صارت فئة كثيرة قوامها ألف أكاديمي ملتزم. وقال أحدهم إن نجاح قضية الشبكة في أنها رفعت غطاء الحوار المستور حول القضية الفلسطينية. فلم يعد نقد إسرائيل لظلمها لشعب فلسطين تابو.

ولذا صارت انتهاكات إسرائيل للحرية الأكاديمية موضوعا للنقاش حتى في الجمعيات التي لم تتبن مقاطعتها بصورة مؤسسية، فانعقدت جلسات علمية حول تلك الانتهاكات في أروقة الجمعية الأنثروبولوجية الأميركية وجمعية اللغات الحديثة.

المقاطعة أميركيا وبريطانيا
سبقت الجمعية الأميركية للدراسات الآسيوية (أبريل/نيسان 2013) جمعية الدراسات الأميركية إلى مقاطعة إسرائيل، ثم لحقت بها جمعية دراسات شعوب أميركا الأصليين (الهنود الحمر).

وقالت جمعية دراسات الأميركيين الأصليين إنه فَرضٌ عليها -وهي التي بحثت وقاومت استعمار المواطنين الأصلاء في سائر العالم- الوقوف مع الفلسطينيين الذين يرزحون تحت احتلال غير شرعي ويخضعون لضغن إسرائيلي ممنهج.

ولم يهتم الإعلام بهما لصغر حجم عضويتهما: الدراسات الآسيوية (800 عضو) ودراسات الأصليين (749)، وسخر اللوبي الإسرائيلي منهما لقلة شأنهما الأكاديمي بالنظر إلى حجم تخصصهما في الجامعة الأميركية.

ولكن جمعية الدراسات الأميركية شأن آخر، فتخصصها مركزي في الجامعات وغالبا ما جرى تدريس مادتها كجزء من شعبة اللغة الإنجليزية. وهي تضم 3800 عضو صوت 66% من الحاضرين لصالح القرار.

وقالت الجمعية إنها اتخذت هذا القرار للتضامن مع المحرومين من الحريات الأكاديمية ورغبة في توسيعها للجميع بما في ذلك الفلسطينيون.

وأضافت أن إسرائيل مخالفة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة، وهو ما ترتبت عليه آثار عصيبة موثقة على حياة الأساتذة والطلاب الفلسطينيين.

ولفتت الجمعية بقوة إلى أن مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية طرف في سياسات الدولة التي تخرق حقوق الإنسان.

وانعقد في الأسبوع الثاني من هذا الشهر مؤتمر الجمعية الأميركية للغات الحديثة، وكما هو متوقع لم تتفق بعد مقاطعة إسرائيل أكاديميا ولكن قررت لجنتها القائدة بأغلبية أعضائها الضغط على الحكومة الأميركية لإدانتها لمنعها دخول الأكاديميين للقطاع والضفة تلبية لدعوات من جامعاتهما.

وسيرفع مشروع القرار إلى اللجنة التنفيذية ثم الجمعية العمومية (30 ألف عضو) ليصوتوا عليه بالإنترنت. وربما صدق الأكاديمي الذي قال إن قرار جمعية اللغات الحديثة -على تحفظه- ربما كان "سقالة" إلى قرار بالمقاطعة الكاملة يلوح في الأفق.

وكانت بريطانيا سبقت إلى مقاطعة إسرائيل أكاديميا، فمنذ 2001 فصلت مجلتان أكاديميتان أساتذة إسرائيليين من مجالس تحريرهما لسياسات بلدهم.

كانت بريطانيا سبقت إلى مقاطعة إسرائيل أكاديميا، فمنذ 2001 فصلت مجلتان أكاديميتان أساتذة إسرائيليين من مجالس تحريرهما لسياسات بلدهم

واتخذ مؤتمر الأكاديميين البريطانيين (125000 عضو) في آخر مايو/أيار 2007 قرارا بمقاطعة المؤسسات الجامعية الإسرائيلية استجابة لطلب تقدم به اتحاد النقابات الأكاديمية الفلسطينية.

وفي أبريل/نيسان الماضي قرر اتحاد المعلمين في جمهورية إيرلندا مقاطعة المؤسسات الأكاديمية والثقافية الإسرائيلية، وفي مايو/أيار الماضي أعطى العالم الفيزيائي البريطاني ستيفن هوسكن دفعة معنوية قوية للمقاطعة بخروجه من اجتماع أكاديمي في إسرائيل عزما على المقاطعة.

اتخذت المقاطعة الاقتصادية حتى تاريخه صورة اشتراط الدولة الغربية ألا تستثمر إسرائيل مالها في المستوطنات أو الضفة أو القدس، فقد فرض الاتحاد الأوروبي هذا الشرط على إسرائيل قبل أن يدخل معها في شراكة لمشروع تكنولوجي ما، وحذرت أميركا مواطنيها من الاستثمار الفاسد في المستوطنات الإسرائيلية.

كما جرى إيقاف شركة فيتن الهولندية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بسبب تعاملها مع شركة الماء الإسرائيلية (ميكورت) نظرا لسياسة إسرائيل في الضفة والقطاع.

مشروعية المقاطعة
يتواصل النقاش بين الأكاديميين وغيرهم حول مشروعية المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل وبصورة عامة.

واحتج إبراهام فوكسمان، مدير عصبة مكافحة التشهير باليهود الأميركية، بقرار الجمعية ووصفه بأنه هجوم مخجل ومفلس أخلاقيا وعاطل عن الأمانة العلمية ضد الحريات الأكاديمية.

وقال إن قرارها سيؤدي لعزل إسرائيل التي تتقاسم قيما كثيرة مع أميركا، وزاد بأن ذلك ربما كان سبب نفور كثير من الأميركيين من الأكاديمية لغرورها وانقطاعها عن عالم الحقيقة.

واستصغر أنصار إسرائيل الجمعيات التي اتخذت قرار المقاطعة، وقال قائلهم إنه لا تزال هناك 4000 مؤسسة أكاديمية لم تتطرق للمقاطعة، كما أنه لم يزد عدد اتحادات الطلاب التي طالبت بها عن أربعة أو خمسة، ووصفت الجمعيات التي قاطعت بالغلو اليساري.

واحتجوا على ما وصوفوه بازدواجية المعايير، فلو كان محض الاحتلال يجيز المقاطعة فستكون تركيا أولى بالمقاطعة لاحتلالها شمال قبرص لعقود والمغرب لاحتلاله الصحراء الغربية، ويلمحون بخبث إلى أن أميركا نفسها أولى بالمقاطعة لاحتلالها العراق.

وخلصوا -كما متوقع- إلى أن المقاطعة هي مجرد قناع لمن يريدون بالفعل مسح إسرائيل من وجه البسيطة.

وتحجج المعارضون بأن حجب التبادل الأكاديمي هو سد للباب الأهم للتأثير في سياسات الجهة المقاطَعة إذا اتفق لنا أنها مخطئة.

وقال اتحاد أساتذة الجامعات الأميركية -الذي وقف مع مقاطعة جنوب أفريقيا اقتصاديا- إنه لا يؤيد المقاطعة الأكاديمية، وقالوا: من أراد الخير لفلسطين فليوفر بإيجابية لطلابها وأكاديمييها الفرص للتعلم والتدريب والبحث بدلا عن خطة المقاطعة لإسرائيل.

ولم يكتف اللوبي الإسرائيلي بالاحتجاج المعنوي على "فساد فكرة المقاطعة"، فسعى لحصار جمعية الدراسات الأميركية بحجب العضوية عنها، ودعا لورنس سمرز، رئيس جامعة هارفارد السابق، الجامعات إلى حرمان أعضاء الجمعية من المال الذي تدفعه لمنسوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية.

ووجدت دعوة سمرز استجابة عجلى من جامعة براندايس، اليهودية المنشأ، بولاية ماسشوتس وجامعة بن ببلدة هاريسبرق بولاية بنسلفانيا وسيترتب على هذا ألا تعين أي منهما أساتذتها الأعضاء على حضور اجتماعات الجمعية الدورية بدفع قيمة تذاكر السفر والإقامة في الفنادق.

لم يكتف اللوبي الإسرائيلي بالاحتجاج المعنوي على "فساد فكرة المقاطعة"، فسعى لحصار جمعية الدراسات الأميركية بحجب العضوية عنها

وقد خرج توماس فريدمان، الكاتب الراتب بجريدة النيويورك تايمز، معارضا لقرار المعلمين البريطانيين في 2007 بمقاطعة إسرائيل أكاديميا، وأعاد في معارضته إنتاج استنكار اللوبي الإسرائيلي العام للمقاطعة، فوصف القرار بأنه من فعل مغامرين يساريين متشددين مصابين بلوثة العداء للسامية.

ولتأمين مصداقيته، كتب فريدمان بعد حضوره "صدفة" حفل تخريج الجامعة العبرية بالقدس ليشهد بأم عينيه طلابا فلسطينيين يستلمون درجاتهم العليا التي أشرف عليها أساتذة يهود.

وقال إن أسرهم هللت كل ما نادى المنادي باسم واحد منهم، لا يقيمون وزنا للشانئين البريطانيين من أعداء السامية.

وتساءل: لماذا لا يقاطع الأكاديميون البريطانيون جامعات سوريا لقتل حكومة سوريا الحريري أو جامعات السودان لجرم حكومته في دارفور، ثم اقترح على الأكاديميين البريطانيين أن يعينوا طلاب فلسطين بالمنح الدراسية وبعوث العلماء منهم للجامعات الفلسطينية.

وقال إن هذا ديدن الناس الذين يريدون الخير لفلسطين، ولكن فرز الجامعات الإسرائيلية ومقاطعتها، في وجه الجنون الذي يركب عفريته الشرق الأوسط هو عمل لا يقوم به سوى أعداء السامية.

وبالطبع ينفي المقاطعون تهمة العداء للسامية، ويقولون إن من يشجب المقاطعة باسم الحريات الأكاديمية عليه أن يتذكر كيف تحرم إسرائيل الفلسطينيين من هذه الحرية.

وحين سألت النيويورك تايمز كيرتس ماريز، رئيس جمعية الدراسات الأميركية، عن تخيرهم إسرائيل دون غيرها قال "كان ينبغي أن نبدأ المقاطعة من موضع ما". وقال إن ما حدا بهم لهذا الخيار دون غيره هو أن أميركا دولة عظمى وعليها أن تستجيب لداعي المقاطعة بحكم أنها التي تدعم إسرائيل بالعتاد العسكري.

وأضاف أنه غير خافٍ عليهم أن هناك دولا أخرى تستحق المقاطعة أيضا، ولكن لم تلتمس منهم منظمات المجتمع المدني فيها مقاطعة لبلدها.

مقياس عزلة إسرائيل
في هذه النذر الأميركية المقاطعة لإسرائيل مصداق لمن جعلوا عزلة إسرائيل في العالم أكثر همهم، فينشر "المولاد"، مركز تجديد الديمقراطية الإسرائيلية، تقارير دورية عن الحالة الدولية الإسرائيلية من حيث اتجاهات الرأي العالمي حول سياساتها.

وتتناول تقارير المولاد سؤالين: هل تتجه إسرائيل إلى عزلة عن العالم؟ وكيف يمكن تدارك العزلة، إن وجدت، قبل استفحالها؟

ويضطلع المولاد بهذا البحث لقناعته بغياب المناقشة الجدية لمثل هذا الشاغل في إسرائيل، فالإسرائيليون إما نظروا إلى مظاهر العزلة، متى ظهرت، كـ"مؤامرة" في الحد السياسي الشعاري أو كشرط تحقق من أشراط الساعة اليهودية.
نذر المقاطعة فتح للقضية الفلسطينية ولكن الفتح الأكبر هو استنقاذ الليبرالية الأكاديمية لنفسها من عار صمتها لثلثي قرن من الزمان عن محنة الفلسطينيين

وقال تقرير المولاد الأخير إن مقاطعة إسرائيل ما تزال على هامش السياسة الدولية، إلا أن سياسة نتنياهو الصادمة لأميركا تنذر بالخطر، واعترف التقرير بأن سياسات إسرائيل خارج الخط الأخضر مما يجمع العالم على نقده.

ونبه التقرير إلى "الشيزوفرانيا" التي تعتري سياسة إسرائيل، فبينما هي تعلن الالتزام بسياسة الدولتين نجدها تمارس في الضفة والقطاع سياسات لا تمت لقبولها بخطة الدولتين.

وترى المولاد أن الخروج من هذه الشيزوفرانيا يكمن في الوصول إلى حل يأخذ في الاعتبار بقوة القيم الديمقراطية المستقرة في الغرب، وأن تسرع إسرائيل بالتخلص من هذه الشيزوفرانيا واسترداد عقيدة الغرب فيها وإلا اتسع الخرق على الراتق.

قالت السي بي إس إن التصويت بمقاطعة إسرائيل ما يزال في طوره الرمزي ولكنه مؤشر إلى أن تلك المقاطعة ربما تنامت ليعتزل العالم إسرائيل شيئا فشيئا، ولن يجدي إسرائيل شيطنة مشروع عزلها بما تعتقد عن عداء السامية.

فالمقاطعة مثل كل الأفكار، التي إذا جاء أوانها، شقت طريقها للتحقق الكامل لا تلوي على شيء. وهذه النذر بالمقاطعة فتح عظيم للقضية الفلسطينية. ولكن الفتح الأكبر هو استنقاذ الليبرالية الأكاديمية لنفسها من عار صمتها لثلثي قرن من الزمان عن محنة الفلسطينيين على أيدي الصهيونية.

لقد جاءت الليبرالية الأميركية متأخرة لمؤاخذة إسرائيل، التي هي صناعة العالم، ولكن حتى أبطأ الأنهار لابد أن يبلغ البحر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك