ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

 

تتناول هذه المادة التناقضات التي وسمت الفكر السياسي الفلسطيني، كما تبدت في الوثائق الصادرة عن اجتماعات دورات المجلس الوطني طوال العقود الماضية، وهو الهيئة التشريعية الأساسية التي توافق عليها الفلسطينيون في إطار منظمة التحرير التي تعتبر بمثابة الكيان المعنوي والرمزي والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وكان هذا المجلس عقد أول دورة اجتماعات له في القدس (1964)، في حين تم عقد آخر دورة له (رقم 21) في غزة (1996)، وهي الدورة الوحيدة التي التأمت بعد إقامة كيان السلطة (1994) في الضفة والقطاع المحتلين.

وأدى قيام السلطة إلى تهميش المنظمة وتغييب هيئاتها ومؤسّساتها، بحيث لم يبق منها سوى الاسم، وهيئتي اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي، اللتين تمّ حصر دورهما في تغطية التوجهات التي تتخذها القيادة الفلسطينية، والتي هي في ذات الوقت قيادة المنظمة والسلطة و"فتح".
 
أدى قيام السلطة إلى تهميش المنظمة وتغييب هيئاتها ومؤسّساتها، بحيث لم يبق منها سوى الاسم وهيئتي اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي اللتين تمّ حصر دورهما في تغطية توجهات القيادة الفلسطينية
هكذا يمكن القول بأن "المجلس التشريعي"، الذي نشأ بموجب اتفاق أوسلو (1993)، وتأسّس في انتخابات (1996)، حل محل المجلس الوطني، وإن انحصرت شرعيته بفلسطينيي الضفة والقطاع، واقتصرت صلاحياته على كيان السلطة، أقلّه من الناحية العملية، أي من دون نصّ تشريعي من إطارات المنظمة التي ظلّت تعتبر المرجعية العليا لشعب فلسطين.

والحقيقة أن هذا التوجه كان نتاج تحوّل مركز القيادة من الخارج إلى الداخل، ومن كيان المنظمة الجامع إلى كيان السلطة الجزئي، ومن حركة تحرّر وطني إلى سلطة، كتحصيل حاصل لاختزال قضية فلسطين وشعبها، بالأراضي المحتلة (1967) وبفلسطينيي الضفة والقطاع، وبالتالي التخلّي عن الرواية الفلسطينية المتعلّقة بالنكبة (1948)، وتهميش قضية اللاجئين، رغم كل الكلام الفولكلوري عن "حق العودة".

ستشمل هذه المناقشة مسألتين: أولاهما، تعريف المجلس للأهداف، أو للحقوق، الوطنية للفلسطينيين. وثانيتهما، وسائل تحقيق الأهداف واستعادة الحقوق، لتبيّن التغيرات الحاصلة، والتناقضات المتضمنة، في الفكر السياسي الفلسطيني منذ هيمنة الفصائل، بقيادة "فتح" على المنظمة (1968) إلى آخر دورة عقدها المجلس (2006).

معلوم أن المنظمة -التي تأسّست قبل حرب يونيو/حزيران 1967- نشأت على "الميثاق الوطني" الذي نصّ على هدف "التحرير"، باعتبار "فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني (المادة1)، وأنها "بحدودها.. في عهد الانتداب وحدة إقليمية لا تتجزأ" (المادة2)، وأن "الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه". وأن "تقسيم فلسطين، وقيام "إسرائيل" باطل.. مهما طال عليه الزمن" (المادة19).

وقد أكدت قرارات دورات المجلس الوطني -من الأول إلى الحادي عشر- على هذه المبادئ، مع ملاحظة أن قرارات الدورة الثامنة (القاهرة 1971)، تضمّنت بشكل لافت قرارا، وسع من مفهوم التحرير، وضمنه معاني أخرى، من خلال النصّ على: "أن الكفاح الفلسطيني المسلح ليس كفاحا عرقيا أو مذهبيا ضد اليهود.
 
ولهذا، فإن دولة المستقبل في فلسطين المحررة من الاستعمار الصهيوني هي الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يتمتع الراغبون في العيش بسلام فيها بنفس الحقوق والواجبات ضمن إطار مطامح الأمة العربية في التحرر القومي والوحدة الشاملة".

لكن التغيّر النوعي في التفكير السياسي الفلسطيني، تم بدءا من الدورة (12) للمجلس الوطني (القاهرة 1974)، وتمثل بالنكوص عن هدف التحرير إلى هدف إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة (1967)، في ما بات يعرف بـ"البرنامج المرحلي".

اللافت أن هذا البرنامج شمل تناقضات عديدة في مقدمته ونصوصه، إذ جاء فيه: "انطلاقا من الميثاق الوطني، ومن الإيمان باستحالة إقامة سلام دائم وعادل في المنطقة دون استعادة شعبنا لكامل حقوقه، وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير مصيره على كامل ترابه الوطني"، يقرر:

- تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها.

- تناضل منظمة التحرير ضد أي مشروع لكيان فلسطيني ثمنه الاعتراف والصلح والحدود الآمنة والتنازل عن الحق الوطني وحرمان شعبنا من حقوقه في العودة وحقه في تقرير مصيره فوق ترابه الوطني.

- إن أية خطوة تحريرية تتم، هي لمتابعة تحقيق إستراتيجية منظمة التحرير في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية.

- تناضل السلطة الوطنية -بعد قيامها- من أجل اتحاد أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، وكخطوة على طريق الوحدة العربية الشاملة.

وقد اتّضح فيما بعد أن هذه الصياغة المتناقضة، والملتبسة، كانت للتورية، إذ إن مقررات دورات المجلس، من 13-21، باتت تنصّ صراحة على أن كفاح الفلسطينيين بات يهدف لاستعادة الحقوق الوطنية التي أضحت تتمثل بـ"العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني" (الدورة 13، القاهرة 1973)، علما بأن "ترابه الوطني" باتت تعني الضفة والقطاع المحتلين (1967).

وكما سنلاحظ فإن هذا التحول في الأهداف، وتعريف معنى الحقوق، انعكس أيضا، على تعريف وسائل تحقيق هذه الأهداف والحقوق.

فبينما نصّ "الميثاق" على أن "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك إستراتيجية وليس تكتيكا" (المادة 3) -وهو ما أكدت عليه قرارات المجلس المتعاقبة حتى الدورة (11)- بات الكفاح المسلح، بعدها، أحد أشكال النضال. وبعد اندلاع الانتفاضة (1987-1993) أخذت قرارات المجلس تتحدث عن المقاومة الشعبية والجماهيرية والسلمية بكافة أشكالها.

مثلا، فقد تضمنت قرارات الدورة الثامنة (القاهرة 1971) النص على أن: "الكفاح الشعبي المسلح" هو الحل الوحيد للصراع القائم بيننا وبين إسرائيل.. حرب الشعب الثورية هي الطريق الأساسي لتحرير فلسطين".
تم عقد اتفاق أوسلو من وراء ظهر هذه القرارات، ومن وراء ظهر المؤسسة التشريعية الفلسطينية، أي المجلس الوطني، وحتى أنه لم يجر تشريع هذا الاتفاق البتّة في هذا المجلس قبل التوقيع عليه وتنفيذه

وفي الدورة الثامنة (القاهرة 1971) تم النصّ على: "أن الكفاح المسلح.. أي حرب العصابات المتصاعدة نحو حرب تحرير شعبية شاملة هو الشكل الرئيسي للنضال من أجل تحرير فلسطين.. وأن جميع أشكال النضال الأخرى يجب أن تتوازى مع خط الكفاح المسلح باستقامة وثبات".

في حين بات النص، بعد ذلك، على نحو آخر، ففي الدورة (12) ورد الآتي: "تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل، وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها" (القاهرة 1974). أما العبارة التي وردت في الدورة (13) فتضمنت: "مواصلة الكفاح المسلح وما يترافق معه من أشكال النضال السياسي والجماهيري لتحقيق الحقوق الوطنية الثابتة" (القاهرة 1974).

وفي العموم، فقد باتت هذه العبارة معتمدة فيما بعد في مقررات المجلس الوطني، إلى حين اندلاع الانتفاضة الأولى، حيث وردت في الدورة التاسعة عشر (الجزائر 1988) وفق صيغ تعظم من شأن التلازم بين الكفاح المسلح والكفاح الشعبي، باعتباره شكلا لـ"التراكم الثوري المتواصل والخلاق لثورتنا.. داخل وخارج الوطن.. التناغم الثوري بين أطفال (الآر بي جي) وأطفال الحجارة المقدسة.. عبقرية شعبنا حاضرة دوما.. لابتداع الأساليب والوسائل النضالية التي تعزز صموده ومقاومته.. وتصاعد انتفاضته".

وقد تضمنت "وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني" (1988)، النص صراحة على أن المنظمة تسعى إلى "تسوية المشاكل الدولية والإقليمية بالطرق السلمية وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، وأنها ترفض التهديد بالقوة أو العنف أو الإرهاب".

وفي الدورة العشرين (تونس 1991) دعا المجلس إلى "تطوير الانتفاضة.. وتعزيز طابعها الجماهيري والديمقراطي"، باعتبار ذلك "الضمان الحقيقي الذي يكفل تحقيق الأهداف السياسية والوطنية في المرحلة القادمة من كفاحنا الوطني".

كما أكد المجلس "عزم منظمة التحرير على الوصول إلى تسوية سياسية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي.. وضرورة انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط، وجوهرها القضية الفلسطينية، تحت إشراف الأمم المتحدة.. ووفق القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية".

أما دورة المجلس الوطني الوحيدة التي عقدت في غزة بعد إقامة السلطة (1996) فنصّت على: "أن الأمن لا ينفصل عن تحقيق السلام، وأن أقصر الطرق لتوفير الأمن هي السير في طريق السلام والانسحاب (الإسرائيلي) التام من الأرض الفلسطينية".

بل إن هذا المجلس -الذي عقد في ظلّ موجة من العمليات التفجيرية التي شنّتها مجموعات تابعة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي- أكد على "دعمه الكامل لاتفاقات السلام بين منظمة التحرير وحكومة إسرائيل، والتصدي لجميع المحاولات الرامية إلى تعريض عملية السلام للخطر".

ومعلوم أن المجلس الوطني، في هذه الدورة، اتّخذ قرارا بتعديل "الميثاق الوطني"، بدعوى "المرحلة والظروف السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني"، واعتمد "مبدأ حل النزاعات بالطرق السلمية واعتماد حل الدولتين"، بحسب ما نص عليه "اتفاق أوسلو 1993"، الذي نشأت بموجبه السلطة، والذي نص على "إنهاء عقود من المواجهة والنزاع.. والسعي للعيش في ظل تعايشي سلمي وبكرامة وأمن متبادلين".

وفوق هذا التعديل فقد نجم عن ذلك عقد اتفاقية للتنسيق الأمني مع إسرائيل، وتحويل المقاتلين الفلسطينيين (الفدائيين) إلى الأجهزة الأمنية، التي تأسست بموجب الاتفاق المذكور.

من ذلك يمكن ملاحظة أن هذه التحولات جاءت على الضدّ من الميثاق والقرارات التي اتخذها المجلس الوطني في دوراته السابقة، والتي نصّت صراحة على "رفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريرا كاملا.. وكل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها" (الميثاق المادة 21)، والتي دعت إلى صدّ "الدعوات المشبوهة لإنشاء كيان فلسطيني مزيف.. في الأراضي المحتلة بعد عدوان 5 يونيو/حزيران" باعتبار ذلك يعطي "الشرعية والديمومة لدولة إسرائيل".

وباعتبار أن ذلك الكيان سيكون بمثابة "مستعمرة إسرائيلية تصفي القضية الفلسطينية.. لمصلحة إسرائيل.. بالإضافة إلى خلق إدارة عربية فلسطينية عميلة في الأراضي المحتلة.. تستند إليها إسرائيل".

بل إن المجلس قرر أن أي "فرد أو جهة تدعو لهذا الكيان العميل أو تؤيده، عدوة للشعب العربي الفلسطيني"، وذلك بحسب قرارات الدورة الرابعة (القاهرة 1968).

احتكرت القيادة الفلسطينية التقرير بالقضايا المصيرية، ولم تكن مهتمة بالمشاركة السياسية، ولم يحظ الفلسطينيون بمؤسسة لصنع القرار تليق بخبراتهم الفكرية والسياسية

وقد تم تضمين قرارات الدورات التالية نصوصا تحمل نفس المضامين، إذ جاء في مقررات الدورة السابعة، مثلا، (القاهرة 1970): "إن شعب فلسطين وحركة تحرره الوطنية يناضل من أجل التحرير الشامل، ويرفض كافة الحلول السلمية والتصفوية والاستسلامية، بما فيها المؤامرات الرجعية الاستعمارية لإقامة دولة فلسطينية على جزء من الأرض الفلسطينية".

أما في الدورة العاشرة (القاهرة 1972) فنص على: "النضال ضد كل مشروعات التسوية التي تستهدف تصفية قضية شعبنا في تحرير وطنه، أو مسخ هذه القضية بمشروعات الكيانات أو الدولة الفلسطينية، على جزء من أرض فلسطين". و"رفض جميع أشكال التسويات الاستسلامية الأميركية وكافة المشاريع التصفوية".

هكذا، ورغم كل ذلك، تم عقد اتفاق أوسلو، من وراء ظهر هذه القرارات، ومن وراء ظهر المؤسسة التشريعية الفلسطينية، أي المجلس الوطني، وحتى أنه لم يجر تشريع هذا الاتفاق البتّة في هذا المجلس قبل التوقيع عليه، وتنفيذه، كما بينّا.

هذا يفيد، أولا، أن القيادة الفلسطينية لم تكن تهتم بالإنشاءات السياسية، مما يفسّر الفجوة بين الشعارات والإمكانيات، وبين القرارات والسياسات.

ثانيا، واضح أن القيادة احتكرت التقرير بالقضايا المصيرية، ولم تكن مهتمة بالمشاركة السياسية، وأن الفلسطينيين لم يحظوا بمؤسسة لصنع القرار تليق بخبراتهم الفكرية والسياسية.

ثالثا، افتقد الفلسطينيون لآليات العمل الديمقراطي، وللطابع المؤسساتي في أطرهم القيادية والتمثيلية، مما أهدر من طاقتهم الكفاحية، وضيع من إنجازاتهم، وضمنها الإجماعات التي صاغتها حركتهم الوطنية منذ انطلاقها، وكيانهم السياسي المتمثل بمنظمة التحرير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك