غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري



تتحرك عناصر المشهد العالمي على مدار قوس واسع تمتد سكته لتطوي مجالات وحقولا كانت حتى وقت قريب ممنوعة من الحراك والتغيير، وعلى ذات القوس تتغير ديناميات الحركة والفعل أيضا.

وعلى وقع هذه الحركة وانعكاسا لصداها يجري تحويل الأقاليم والأقانيم إلى قطع منفصلة في الهيكل متصلة بالاشتغال وتجرى تعديلات جوهرية على هيكليتها لتستوعب هذا التغيير وتهضمه.

بالتوازي مع ذلك، ثمة مساع لإعادة هيكلة الأزمات العالمية وإعادة بنائها وفق معمار وهندسة جديدين بهدف ضبطها كأزمات موضعية ثم تصغيرها إلى الحد الأدنى ما أمكن عبر تفكيك العناصر الأخطر فيها، وتاليا تقليص مساحة تأثيرها إلى الحد الذي يمكن معه إلغاء أي فاعلية مهمة لها.

القضيتان الإيرانية والسورية أفضل النماذج الدالة على هذا النمط السياسي في مقاربة الأزمات الدولية، ففي الأولى يجري نزع أخطر بُعد فيها، وهو البعد الذي يثير النزاع بين الأطراف الدولية كمقدمة لحصر جملة الأزمات التي تثيرها في المنطقة إلى مجرد قضايا داخلية، يجري الصراع عليها في إطار النظام الإيراني.

ثمة مساع لإعادة هيكلة الأزمات العالمية وإعادة بنائها وفق معمار وهندسة جديدين بهدف ضبطها كأزمات موضعية ثم تصغيرها إلى الحد الأدنى ما أمكن عبر تفكيك العناصر الأخطر فيها

وقد تساعد التنازلات المتوقع أن يقدم عليها نظام الجمهورية الإسلامية في خلق ديناميات جديدة في الإطار الإيراني.

وهذه سياسة يطلق عليها عكس ديناميات الأزمات ومفاعيلها وقذفها في وجه مسببيها ودفعهم إلى طلب المساعدة على الحلول بدل توظيف تلك الأزمات للضغط على البيئة الدولية والحصول على امتيازات مقابلة.

على المستوى السوري، تشير الترتيبات الدولية إلى محاولة تفكيك شبكة العلاقات المتداخلة التي تكونت في إطار الحدث السوري وتفكيك خيوط التشابك الإقليمي والدولي بما يؤدي إلى محاصرة النزاع وإعادته إلى أطره المحلية، وهي مرحلة تأتي بعد مرحلة منع أي من الطرفين من تحقيق مكاسب نوعية تمكنه من التحكم بمسار الحدث نهائيا.

بل تشير اشتغالات الأطراف الدولية على الملف السوري إلى التوجه لصنع توليفة من القوى النظامية والثورية كمقدمة لتوطين الأزمة نهائيا في الإطار السوري وتحويلها إلى أزمة موضعية يجري الصراع فيها ضمن الأطر المؤسساتية والدستورية والأفكار السياسية.

يجري كل ذلك في إطار تغيير جيوإستراتيجي يشمل منطقة الشرق الأوسط بكاملها، حيث تقف جميع الأطراف أمام الواقع الحقيقي لظروفها ومواقعها الأول منذ التغيير الجيوإستراتيجي الكبير الذي حصل عقب إعلان الولايات المتحدة الأميركية نفسها قطبا وحيدا في العالم.

منذ ذلك الحين وحتى بداية الربيع العربي راحت كل الأطراف تتصور نفسها كمحاور إستراتيجية ممكنة ومحتملة في إطار الفضاء الجيوإستراتيجي الذي تقع فيه، انطلاقا من تصوراتها عن أهمية منطقة الشرق الأوسط في الترتيبات العالمية الجديدة وعلى ضوء انخراط الولايات المتحدة الأميركية بشكل كامل في قضايا المنطقة (حروب أفغانستان والعراق وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي).

وقد شهدت تلك المرحلة بروز أطروحات تحالفية وأطر سياسية ذات طابع إقليمي موسع: "مجموعة الدول الثماني"، و"الفضاء العربي الأفريقي"، و"حلف الممانعة"، ومحاولات التمدد التركي باتجاه العالم العربي.

اليوم تبدو كل هذه الأطروحات قد استنفدت مداها، والسبب ربما يعود إلى كون هذه الأفكار والأطروحات قد جرى بناؤها من دون دراسة جدوى محكمة تظهر قدرات مكوناتها على النهوض بها.

كشفت مرحلة الإعداد لضرب النظام السوري التغيير الهائل في إطار آليات صناعة القرار واتخاذه، حيث تم تحويل القضية من مسألة أمن قومي إلى قضية رأي عام

والأكيد أيضا أن هذه الأطر قد جرى بناؤها بحسابات الزمن الذي كان يحل بسرعة ويتطور بدرجة لم يعد معها التوافق مع الحسابات القديمة، بل إنه يتعاكس معها أحيانا ويؤدي إلى نتائج مختلفة على الأرض.

هكذا ستكشف المتغيرات حدود أدوار وقدرات الدول على الفعل، حيث ستكشف المتغيرات حدود الدور التركي في زمن يتغير وتنكشف معه قدرة الطاقة التركية على التمدد حين يدفعها حراكها الداخلي إلى التوقف عن التمدد السريع والانهماك بالداخل ومقتضياته.

وكذا حين يجبر الاقتصاد المعولم إيران على الرضوخ لإدارة العالم والالتفات إلى داخلها الذي يهدد بانفجارات قادمة أو تفتقات قد يستدعي رتقها استنزاف الطاقة الإمبراطورية الإيرانية في مقبل الأيام، وليست مصر بأحسن حالا، حيث تنتصب في وجه نخبها السياسية استحقاقات جرى تنويمها لعقود طويلة فتنفجر دفعة واحدة طالبة حلولا مستعجلة لرزمة من القضايا تمتد من المشاركة السياسية إلى النماء الاقتصادي إلى العلاقات الخارجية للدولة.

لقد كشفت مرحلة الإعداد لتوجيه ضربة للنظام السوري -بغض النظر عن مدى جدية القيادات السياسية الغربية من عدمه- التغيير الهائل الذي حصل في إطار آليات صناعة القرار واتخاذه، حيث تم تحويل القضية من مسألة أمن قومي غالبا ما يجري التعامل معها ضمن دوائر ضيقة إلى قضية رأي عام وصلت إلى حد مشاركة الناخبين في صنعها عبر الضغط على ممثليهم النواب، حصل ذلك في أروقة الكونغرس ومجلس العموم البريطاني.

كان ذلك مؤشرا على تقلص مساحة الصلاحيات للحاكم أو بتعبير آخر عدم ثقة بتصرفاته ووضعه بشكل دائم تحت المراقبة، ولا شك أن الأزمة الاقتصادية وما خلفته وأثرها المباشر على نمط حياة البشر في الغرب كان لها الأثر المباشر في مثل هذا التطور.

باختصار أفرزت التطورات العالمية بيئة سياسية مختلفة تماما تحاول النخب السياسية العالمية التكيف معها والتوافق مع اشتراطاتها، لكن الواضح فيها هو الميل إلى الانكفاء والتخلص من التعقيدات وطرق مقاربتها ووسائل التعامل معها.

هذا النمط فرضته اعتبارات كثيرة من بينها التكلفة المستوجبة على الردع، وتراكم الخسائر المادية حينما حاولت بعض القوى العالمية تغيير العالم، وهي نتاج خبرة تاريخية راكمها الشرق والغرب على السواء.

ويجري استبدال قواعد العمل السابقة بتكتيكات جديدة تهدف إلى موضعة الأزمة ضمن أطرها الضيقة جدا وحصر تداعياتها ضمن الإطار الذي تندلع به، ودفع اللاعبين الأساسيين في اللعبة إلى تحمل كافة أثمان الأزمة واستحقاقاتها.

وفق هذه الرؤية يتم إجبار مختلف اللاعبين على التقيد بقواعد اللعبة وأصول الاشتباك، الأمر الذي يضمن تحويلهم إلى أطراف منخرطة في البيئة الدولية وغير مستغنية عن التفاعل والتبادلية في إطاره.

هل تصبح مقاربة الأزمات الدولية صورة عن طريقة مقاربة الخلافات التجارية، بحيث يجري اعتماد الدبلوماسية ووسائط التحكيم القانوني لحل الخلافات بين الأطراف؟
المؤكّد أنّ العالم، إلى جانب انقساماته الحادّة في السياسة والنفوذ، وفي المصالح أيضا، يخطو خطوات متواضعة نحو التناسق والتكامل، ولعل الدافع إلى ذلك التغيير الكبير الذي حصل في المستويات التجارية والتبادلية والتقنيات الجديدة التي أفرزتها التطورات التكنلوجية في السنوات الأخيرة.

وفي هذا الإطار يذهب بعض الاقتصاديين إلى الزعم أن محرك التكنولوجيا الذي دفع البشرية من صعيد اقتصادي إلى الذي يليه على مدى القرنين الماضيين بدأ وقوده ينفد. والأمر ببساطة أن الإنترنت قد يكون طريفا ومفيدا.

هل تصبح مقاربة الأزمات الدولية صورة عن طريقة مقاربة الخلافات التجارية، بحيث يجري اعتماد الدبلوماسية ووسائط التحكيم القانوني لحل الخلافات بين الأطراف، مما يعني تطوير آليات النظام الدولي، بل وتطوير التنظيم الدولي برمته ليصبح أكثر مرونة وقدرة على استيعاب التطورات المستجدة وحلحلتها؟

وإذا كانت الاتفاقيات التجارية عادة ما تساعد في زيادة حجم التجارة العالمية، أفلا تؤدي الاتفاقيات والتفاهمات السياسية لترشيد الإنفاق في وقت صارت ميزانيات الدول تخضع لقواعد الشفافية الصارمة؟

من المؤكد أن العالم لن ينتهي من الصراعات، بنمطها القديم، بين يوم وليلة، ويتحول إلى أنماط جديدة لكن المؤشرات الصادرة عن الأطراف الفاعلة في العالم اليوم تؤشر على وجود محاولات هنا وهناك من شأن تجميعها في لوحة واحدة تكوين مشهد أوضح لصورة العالم القادمة، انتهت سنة 2013 بتأسيس بعض عناصر هذا المشهد، والمتوقع أن يجري تطوير تلك العناصر والدفع بها إلى واجهة الفعل في 2014، على مساحة قوس واسع لتتحول إلى نسق متناغم وموحد يشكل صورة العالم الجديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك