محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي



عقب الانقلاب مباشرة مررت في أحد المؤتمرات الصحية (القلب) بتجمع من مندوبي شركات الأدوية يقفون مع بعض الأطباء، وكان التجمع قد قارب الانفضاض إلا أن مجموعة صغيرة من الحاضرين كانت منشغلة بحديث وجدته مهما يستحق المتابعة.

وأعترف أن بداية رغبتي في المتابعة كانت عندما فوجئت بأن أحد هؤلاء المندوبين المعروفين بالتزلف الزائد للأطباء يقول لهؤلاء إنه أصبح منذ وقوع الانقلاب في موقع جديد يتيح له أن يتخلص تماما من المجاملات غير الضرورية التي كانت ثقيلة على نفسه.

ويضيف الرجل أنه كان يجد لزاما عليه أن يهنئ أطباء مسلمين بأعياد لا يرى ضرورة لأن تكون أعيادا أصلا، فهي أعياد أناس آخرين في الجزيرة العربية، وليس في مصر، كما أنه كان يضطر إلى مخاطبتهم باحترام زائد لأن في أيديهم السلطة.

وعلى عادة الأطباء فإن طبيبا مسلما فاجأ هذا المندوب بقوله: وهل تظن أن السلطة انتقلت الآن إلى البابا الخاص بك لمجرد أنه جلس في فريق الكورال؟ هل تظن أن الأغلبية أصبحت مسيحية لمجرد أن المسيحيين خرجوا خوفا ونفاقا للجيش في 30 يونيو.

كانت نهاية النقاش بين أطباء مسلمين ومسيحيين غير متوقعة إذ أعلن اثنان من الأطباء المسلمين للمندوب المسيحي المتحمس أنهم سيعاملونه من الآن فصاعدا على أنه صليبي متعصب

وبدأت مناقشة خشنة كان أصحابها قادرين على التحكم فيها وبخاصة أن مندوب شركة الأدوية المسيحي كان في هذا اللقاء يغفر كثيرا من الخشونة في ظل ما كرره من سعادته المفرطة بأن بابا الكنيسة خلع الرئيس صاحب اللحية وكثير الصلوات وأن رأس البابا كان برأس شيخ الأزهر لأول مرة في تاريخ مصر.

لكن نهاية هذه المناقشات كانت غير متوقعة، إذ أعلن اثنان من الأطباء المسلمين الذين حضروا هذه المناقشة وكانوا أقرب إلى "الاستماع" لا "المشاركة" بكل وضوح للمندوب المسيحي المتحمس أنهم سيعاملونه من الآن فصاعدا على أنه "صليبي متعصب".

بينما قال الطبيب المسلم الذي أدار المناقشة مع هذا المندوب المسيحي: إنكم بهذا تظلمون المسيحيين بسبب بعض حماقات مثقفيهم، فما كان من أحد الأطباء إلا أن قال المقولة المشهورة التي انتشرت بعد ثورة 25 يناير والتي يحلو للمصريين أن ينطقوها بالنطق العامي الخاطئ الموحى "كل شيء انكشفن وبان" وهم يعنون بها أن الأمور قد أصبحت جلية واضحة.

وانصرف المندوب المسيحي بعد أن كان قد تجاوز الحدود في التعبير عن توقعاته بأنه (من الآن فصاعدا) سيأمر!! الأطباء المسلمين بشراء الدواء دون أن يقدم لهم مزاياه أو يقدم لهم بعض الخدمات، وأن أي مسيحي في أي موقع ستكون له الكلمة العليا لأنه صاحب الثورة الجديدة التي وصفها بأنها ثورة المسيحيين على هؤلاء الوافدين من شبه الجزيرة العربية حيث التخلف والرجعية والتقهقر والحسبة والأمر بالمعروف ومنع المرأة من قيادة السيارة، وإجبار الناس على الصلاة في وقتها، وحيث تقطع الأيدي وترجم النساء اللاتي استمعتن بالحب بينما المفروض أن تنصب لهن تماثيل فينوس.

كان كلام مندوب شركة الأدوية المسيحي ثقيلا على السمع إلى حد كبير حتى أن زميلا له كان مسيحيا أيضا حاول تهدئة الجو دون أن يتطرق إلى غرابة طرح زميله أو إلى بعد زميله عن روح المسيحية وعن حب الوطن، فما كان من أحد الطبيبين المسلمين اللذين ظلا صامتين إلا أن التفت إليه بكل هدوء وأدب وقال له: هل ترى فيما قاله صوابا؟ وكانت المفاجأة أن الطبيب الذي كان يؤدي دور الاعتذار أجاب بثقة متناهية بقوله: بالتأكيد فإن معظم ما قاله زميلي صواب لكن طريقة إخراج الأفكار في الحديث لم تعجبني!!

بعد انصراف المندوب المسيحي المتعصب جاء دور زميله الناعم الذي يحب الإخراج لينصرف هو الآخر، وبقى في الوقفة الطبيب المسلم الذي أخذ زمام المبادرة في الرد، والطبيبان المسلمان اللذان أخذا القرار ووصفا المندوب المتعصب بأنه صليبي متعصب، كما بقى طبيب مسيحي كان قد تحكم في لسانه طوال المناقشة.

وهكذا أصبحت المناقشة الآن محصورة بين أربعة أطباء ثلاثة مسلمين ورابع مسيحي ظل صامتا فيما مضى من مناقشات، وإن لم يكف عن الانشغال بجهاز المحمول الذي كان فيما يبدو يقرأ عليه بعض الرسائل والأخبار في مواقع التواصل الاجتماعي.

نظر الأطباء الثلاثة في وقت واحد إلى زميلهم المسيحي وكأنهم يريدون رأيه فيما حدث وفيما سمع، فإذا به يبتسم ويطلب من أصدقائه وزملائه المسلمين أن يعطوه الفرصة ليقرأ لهم آخر الأخبار على نحو ما وصلته، وأردف بقوله: لعل هذه الأخبار تهدئ أعصابكم بعض الشيء فلا تفعلون بي أو لي ما فعلتموه في هذين الأحمقين.

وبدأ الطبيب المسيحي يقرأ نص الرسالة التي وردت من مصدر عربي كبير بتأييد الانقلاب وبتهنئة الرئيس المعين ثم انتقل إلى رئيس دولة الامارات ثم إلى الحديث عن دعم هؤلاء للانقلاب، وأردف هذا كله بقوله إذا كان هؤلاء ملوكا مخضرمين في السياسة وقد وقعوا في هذا المحظور فمن باب أولى أن يقع شيخا الأزهر والكنيسة في المحظور نفسه!!

ثم أردف مرة أخرى بقوله: وإذا كان أهلنا من المسيحيين لم يروا الحقيقة المرة في ماسبيرو حين أرادت الثورة المضادة أن تجعلهم وقودا لحرب طائفية تنهي وجود ثورة 25 يناير وتعيد الأوضاع إلى ما قبل 25 يناير فإنهم يستحقون أن يخوضوا تجربة مريرة أو جراحة قاسية تجعلهم يعرفون طريق مصلحتهم الحقيقية بعيدا عن مشاعر الكراهية التي ينميها فيها بعض قادتهم تجاه الإسلام باعتباره "الآخر" الذي لابد من عداوته!!

أفاض الطبيب المسيحي العاقل واسع الأفق في الحديث الذي دار كله حول حقيقة واحدة وهي أنه لا هو ولا ألف مثله من المسيحيين المتنورين الفاهمين للسياسة والمقدرين للوطنية يستطيعون أن يفعلوا شيئا في الوقت الراهن الذي وصلت الأمور فيه إلى هذا الحد المجنون الذي جعل كثيرا من أبناء دينه يؤمنون أن أميركا هي التي ستوليهم حكم مصر بقوة الجيش المصري الذي سلمت قيادته تسليم مفتاح إلى بعض العناصر الحاكمة في تل أبيب وفي واشنطن.

بل وصل الأمر أن قال الطبيب المسيحي إنه يأسف كل الأسف لأن يكون مستوى الوعي عند المصريين ومنهم الأقباط قد تدنى إلى هذا الحد، لكنه يعرف (مع هذا) الأسباب ويعرف ما هو أهم من الأسباب وهو أن محاولة علاج هذا الوضع ستبوء بالفشل ما لم يحدث احتكاك حقيقي على الأرض يجعل كل مغرور -على حد وصفه- يعرف حجمه الطبيعي.

كان الأطباء المسلمون الثلاثة مشدوهين من هذه الصراحة المُرة التي عبر بها الطبيب المسيحي المستنير عن فهم مختلف لوضع ملتبس كان الأطباء المسلمون حتى هذه اللحظة يتصورونه غير ذلك، ويظنون أن الاعلام هو الذي صوره على هذا النحو الدرامي، فإذا بزميلهم المسيحي يصحح لهم رؤيتهم مكررا عليهم حقيقة أن الإعلام المصري لا يأتي بشيء من عنده ولكنه يأتي بما يغذيه به موجهوه من القابعين في الأجهزة العميقة، وأنه يعرف أكثر منهم كيف تدار الأمور.

ويضيف أنه لا يرثى ولن يرثى لإخوانه المسيحيين الذين يتورطون في مشاعر الكراهية وتقودهم هذه المشاعر إلى مخاطر لأنهم في رأيه يستحقون ما اختاروا، بل إنه تمادى وقال إن وضع المسيحيين في مصر لن يستقيم إلا إذا تخلص الشعب من هؤلاء المغامرين والانتهازيين.

طبيب مسيحي: كل إنسان مسؤول عن نفسه، والمسيحية ليست بحاجة إلى هذا التعصب ولا إلى هذه العصابات، وليس من شعار المسيحية أن يطيع القسيس أجهزة الأمن ولا أن يلجأ إليها في كل حين

وعلى عكس ما هو متوقع من أن يلقي الطبيب المسيحي بالعبء والمسؤولية على أجهزة الدولة العميقة فإنه قال بكل وضوح إن كل إنسان مسؤول عن نفسه، والمسيحية ليست بحاجة إلى هذا التعصب ولا إلى هذه العصابات، وليس من شعار المسيحية أن يطيع القسيس أجهزة الأمن ولا أن يلجأ إليها في كل حين.

وفي بساطة شديدة، قال أحد الأطباء المسلمين لزميله المسيحي: إنك تتصرف بهذه الثقة والقوة لأنك تعيش حياة خالية من المشكلات بفضل وضعك المهني والاجتماعي الذي يجعلك محبوبا ويجعل طلباتك مُلباة ويجعل ذاتك مَصونة، لكن هذا ليس حال باقي المسيحيين ممن هم أقل منك موهبة وقدرا.

لكن الطبيب المسيحي الذي تعود الإنصاف رد من فوره بقوله: وأرجو أن تدلوني على ميزة استمتعت بها ولم يستمتع بها أقراني من المسيحيين، وهنا أجابه أكثر زملائه المسلمين بداهة بقوله: يكفى يا أخي أن طباعك هذه ورضاك جعلا كل الناس يظنونك مسلما ويعاملونك على أنك مسلم! ولا ينظرون إليك بريبة أو شك أو توجس.

قال الطبيب المسيحي: لو أن كل مسيحي جعل هذا الوضع شيئا طبيعيا لوجده أقرب إليه من حبل الوريد، وعند هذا الحد سأله أحد زملائه المسلمين طالبا منه أن يجيبه بصراحة أين تعلم هذا التسامح؟ وأين أدرك هذا الفهم العميق؟ وأين وجد هذا الحل العبقري للمعادلة الصعبة؟

وهنا ابتسم صاحبنا وقال: سأجيبكم بما لا تتصورونه وهو أن هذه هي النظرة الحقيقية للمسيحيين الذين أعطاهم الله نعمة الخلاص من المدارس السياسية، وهذه هي الفطرة التي تركناها نحن وأنتم.

ثم اعتذر لهم مما سيقول في آخر جملة له معهم وقال: يا إخوتي من المصريين جميعا ولا استثني أحدا، أنتم الذين ساء تعليمكم ولهذا ساءت أخلاقكم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك