بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

 طروحات أفولية
استمرار الهيمنة
أهمية الشرق الأوسط

من بين تساؤلات عديدة يثيرها الجدل الحامي الوطيس الذي تشهده الأوساط السياسية والدوائر الإعلامية الأميركية بشأن تقييم أداء الرئيس باراك أوباما وإنجازاته على الصعيدين الداخلي والخارجي، تطل برأسها علامات الاستفهام متسائلة عن مصير الهيمنة الأميركية في نظام دولي لم يتجاوز مرحلة الصيرورة، فضلا عن نفوذ واشنطن وحضورها في شرق أوسط ما برحت تغشاه حالة سيولة.

طروحات أفولية
فتح فوز أوباما برئاسة الولايات المتحدة وصراعه مع نفسه أولا ثم خصومه ومنافسيه ثانيا من أجل تحقيق إنجازات ملفتة -في أشد قضايا وملفات السياستين الداخلية والخارجية لبلاده صعوبة- باب الجدل على مصراعيه بين المفكرين والخبراء بشأن التأثير المحتمل لهذا الفوز وتلك الإنجازات على مستقبل الهيمنة الأميركية في عالم يقوده قطب عالمي وحيد بالتعاون مع قوى عالمية كبرى.

لم يتورع فوكوياما عن الإعلان عن أنه ساند أوباما في حملته الانتخابية الرئاسية، وابتهج بفوزه كونه الزعيم الأقدر على إدارة حقبة أفول أو غروب الهيمنة الأميركية باقتدار وبأقل خسائر ممكنة لأميركا والعالم

فثمة من ذهب إلى الادعاء بأن هذا الفوز يدشن مرحلة أفول تلك الهيمنة، حتى أن مفكرا أميركيا من أصل ياباني بوزن فرانسيس فوكوياما لم يتورع عن الإعلان عن أنه ساند أوباما في حملته الانتخابية الرئاسية، وابتهج بفوزه كونه الزعيم الأقدر على إدارة حقبة أفول أو غروب الهيمنة الأميركية باقتدار وبأقل خسائر ممكنة لأميركا والعالم.

وفي السياق ذاته، سطر الكاتب الأميركي الهندي فريد زكريا سلسلة من المقالات في مجلة "النيوزويك "الأميركية عقب فوز أوباما أشارت في مضمونها إلى أن الرئيس الجديد هو الرجل الأقدر على الاستجابة لعصر الأفول الأميركي.

وفي مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٣ أظهر استطلاع للرأي أجري في الولايات المتحدة -أعده معهد "بيو" للبحوث بين 23 أكتوبر/تشرين الأول والسادس من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته- تآكل ثقة الأميركيين بالسياسة الخارجية لبلادهم، فضلا عن اعتقاد أغلبية الأميركيين -للمرة الأولى منذ أربعين سنة- بأن الدور الأميركي الكوني يتراجع، وأن بلادهم تفقد نفوذها وتمارس سلطة أقل في العالم.

وأعرب 70% عن اعتقادهم بأن الاحترام لبلادهم ينحسر عالميا، وأن الولايات المتحدة تؤدي دورا أقل أهمية وقوة على الصعيد العالمي منه قبل عقد مضى.

وهذه النسبة أعلى بـ12 نقطة مما كانت عليه في العام 2009 لدى وصول أوباما إلى الرئاسة، وزادت أكثر من مرتين مقارنة بما كانت عليه عام 2004 أثناء عهد بوش.

وعكس الاستطلاع أيضا نزعة انعزالية متزايدة لدى أميركيين كثر، فلأول مرة -منذ نحو نصف قرن- يعتبر 52% منهم أن على الولايات المتحدة الاهتمام بشؤونها الداخلية وترك الدول الأخرى تدبر أمورها بأفضل طريقة ممكنة، في مقابل 38 % يرون العكس، فيما أبدى 51% اقتناعا بأن الولايات المتحدة تتحرك أكثر مما يجب لمحاولة تسوية مشكلات العالم، وشددوا على وجوب أن تشكل المسائل المحلية -خصوصا الاقتصادية منها- أولوية بالنسبة لاهتمامات الإدارة.

استمرار الهيمنة
إلى غير المنحى السالف الذكر، ذهب نفر آخر من المفكرين الأميركيين. فمن جانبه، ارتأى روبرت كاجان أن أميركا ستظل رائدة ومهيمنة ما بقيت راغبة في ذلك ومؤمنة بقدرتها على الاستمرار فيه.
واعتبر أن الآراء التي ترى أن فوز أوباما يؤرخ لبداية الأفول الأميركي إنما تفتقد الأسس والحجج العلمية الموضوعية، فلا أوباما اعتبر نفسه يوما ما كذلك ولا برنامجه الانتخابي حوى إشارات تشي بذلك، بل على العكس كان الرجل متفائلا حريصا على تعزيز مكانة أميركا ودورها على الساحة العالمية ومصالحة الأميركيين مع أنفسهم ومع العالم أجمع توطئة لإعادة الفعالية لقوة أميركا الناعمة، التي هي إحدى الركائز المهمة لريادتها وهيمنتها، وهو ما كان سببا مباشرا من أسباب تفوقه على منافسه الجمهوري جون ماكين.

ويعتقد كاجان أن مثل هذه الطروحات "الأفولية" ليست بالأمر المستحدث على المجتمع الأميركي، فهي عادة ما تتكرر على رأس كل عقد من الزمن أو نحو ذلك.

يظهر استطلاع
للرأي في أميركا عام  2013 اعتقاد أغلبية الأميركيين للمرة الأولى -منذ أربعين سنة- بأن الدور الأميركي الكوني يتراجع، وأن بلادهم تفقد نفوذها وتمارس سلطة أقل في العالم

ففي أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي على سبيل المثال، سقطت مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية أسيرة لادعاء تشاؤمي في ما يخص مستقبل القوة الأميركية العالمية أطلق عليه وزير الخارجية الأميركية في حينها سايروس فانس "حدود القوة الأميركية".

وفي أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن ذاته، تنبأ بول كينيدي بالسقوط الوشيك للقوة الأميركية نتيجة لما أسماه "التمدد المفرط" لتلك القوة وعدم تناسب قدراتها الاقتصادية مع تطلعاتها الإستراتيجية.

وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي أيضا، حذر المنظّر الأميركي الراحل صموئيل هنتنجتون مما نعته بـ"العزلة الأميركية".

واليوم، يروج البعض لما يسمى "العالم ما بعد أميركي"، أو حقبة "الأفول الأميركي".
وفي مسعى منه لتفنيد تلك الطروحات "الأفولية" من قبل من أسماهم "الأفوليين" اعتبر كاجان أن جميعها كانت أضغاث أفكار، إذ لم يتحقق أي منها حتى الآن، فقد كانت نتاجا لظروف دولية ومحلية قلقة، كما يعتقد أن مروجي تلك الطروحات قد تناسوا أن جل الركائز الحقيقية والموضوعية للريادة والهيمنة لا تزال بحوزة الولايات المتحدة، ويمكن للرئيس الجديد أن يتخذ منها قاعدة للانطلاق نحو آفاق أرحب لتلك الهيمنة وهذه الريادة مستقبلا، وإن أتيحت لبعض القوى الإقليمية أو الدولية بعض مظاهر التميز أو الريادة الشكلية غير الموضوعية في مجالات بعينها كالسياحة أو الترفيه على سبيل المثال.

فاقتصاديا، لا تزال حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي تبلغ 21% حاليا، وهي نسبة لا تقل كثيرا عما كان الوضع عليه في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت تلك النسبة تبلغ 23%، كما كانت في الثمانينيات22%، وفي الستينيات 24%.

وعلى الصعيد العسكري، تبقى القوة العسكرية الأميركية غير قابلة للمنافسة من جانب أي قوة عالمية أخرى.

وفيما يعترف كاجان بأن القوات المسلحة لكل من روسيا والصين تنمو بمعدلات متسارعة في السنوات القليلة الماضية، فإنه يؤكد أن معدل نمو القوة الأميركية هو الآخر يتنامى بشكل أعلى وأسرع، كما تتفوق الولايات المتحدة على ما سواها في ما يتصل بالتطور العسكري التقني والأسلحة الذكية.

ويراهن كاجان على قدرة الأميركيين على تفهم ذلك جيدا وإدراك مدى ضرورة إنعاش ركائز القوة اللازمة لاستعادة ريادة بلادهم، شريطة ألا يصغوا لآراء المحللين والمفكرين ذوي النظرة الأفولية، وأن يؤمنوا -قيادة وشعبا- بأهمية الهيمنة وضرورتها لبلادهم، وأن يثقوا في إمكانات أميركا وقدراتها الذاتية على تصحيح الأخطاء وتعديل المسار.

أهمية الشرق الأوسط
راجت في الآونة الأخيرة طروحات عديدة بشأن تراجع أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، وقد استندت في أغلبيتها إلى معطيات شتى، أهمها:

التحول الحاصل في الإستراتيجية الأميركية الكونية من المنحى الأطلنطي إلى التوجه الباسيفيكي، بمعنى أن واشنطن ستعيد تموضع مصالحها الإستراتيجية عالميا بنقل القسط الأكبر من تركيزها واهتمامها تدريجيا إلى شرق القارة الآسيوية ووسطها كبدائل عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد تراجع الصراع الروسي الأميركي على النفوذ في المنطقة، وتآكلت فرص تجدد الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن‏، خاصة بعد قضاء الولايات المتحدة على أبرز حلفاء روسيا في المنطقة كالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والزعيم الليبي معمر القذافي وتضييق الدائرة على الرئيس السوري بشار الأسد.

بفضل تقنية استخراج النفط والغاز من تشكيلات الصخور الزيتية ستنافس الولايات المتحدة أكبر دول العالم إنتاجا للنفط في العالم بحلول 2017، وستبدأ بتصدير النفط أكثر مما تستورده عام 2025، وستحقق أول اكتفاء ذاتي كامل في الطاقة عام 2030

جاء ذلك بالتزامن مع بلوغ الرفض العربي والدولي للتدخل الأميركي في بؤر الصراع أو حتى في الشؤون الداخلية لدول المنطقة مبلغا ملفتا على نحو بدت ملامحه جلية في استعصاء التدخل الأميركي بسوريا مؤخرا.

وبينما تعتقد دوائر أميركية أن واشنطن نجحت إلى حد كبير في تجاوز نصيب الأسد من تداعيات الثورات العربية على مصالحها في المنطقة، بعد أن تمكنت من تطويع تلك الثورات بما يخدم هذه المصالح، فيما تسنى للأميركيين كبح جماح تطور البرنامج النووي الإيراني عبر تهيئة الأجواء لتوقيع اتفاق جنيف بين طهران ودول (5+1)، لم يعد بمقدور إسرائيل تسويق أكذوبة أنها تلك الدولة المستضعفة التي تستجدي الدعم الأميركي والغربي، لمنع جيرانها من ابتلاعها أو القضاء عليها.

وإلى هذه المعادلة، دلف متغير غاية في الأهمية، ذلك المتمثل في اقتراب واشنطن من تحقيق الاكتفاء الذاتي بمصادر الطاقة كالنفط والغاز، بل ومنافسة كبريات الدول في إنتاجهما وتصديرهما، وذلك بعد عقود طوال داعب خيال السياسيين الأميركيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي أثناءها حلم الخروج من سياسة "الاعتماد المشترك" ما بين أقطار العالم المستهلكة والمنتجة للطاقة، والتي ما برحت تحدد سياسات الطاقة العالمية، وتفرض قيودا على التحركات الأميركية إلى مرحلة "استقلال الطاقة" أميركيا.

فمن شأن هذا الاستقلال في مجال الطاقة أن يحرر مصالح واشنطن الإستراتيجية وسياستها الخارجية من تأثير التداعيات السلبية لتقلبات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في بؤر إنتاج مصادر الطاقة من النفط والغاز، وأن يحصنها ضد الأزمات الناجمة عن التنامي المستمر في استيراد الطاقة مع تقلب أسعارها وارتباك أمن نقلها، وهى تحديات طالما شكلت عبئا اقتصاديا وأمنيا على واشنطن، بدت جلية مؤشراته أثناء التهديدات التي تلقتها بحظر نفطي عربي جراء مواقفها من القضية الفلسطينية وانحيازها الواضح لإسرائيل.

فبفضل التقنيات الجديدة -التي جعلت استخراج النفط والغاز من تشكيلات الصخور الزيتية أمرا ممكنا- ستنافس الولايات المتحدة أكبر دول العالم إنتاجا للنفط في العالم بحلول 2017، وستبدأ بتصدير النفط أكثر مما تستورده عام 2025، وستحقق أول اكتفاء ذاتي كامل في الطاقة عام 2030.

وفيما سيتراجع الاستيراد الأميركي لموارد الطاقة، سينتهي تدريجيا اعتماد واشنطن على نفط الشرق الأوسط، ومن ثم سيتقلص التزامها لجهة حماية طرق تصدير النفط الخاصة به كما الحفاظ على مخزون إستراتيجي عالٍ للنفط الخام وفق نظم الوكالة الدولية للطاقة.

ومن شأن هذه التطورات مجتمعة أن تعطي دفعة هائلة للاقتصاد الأميركي، وأن تحرر كاهل السياسة الخارجية الأميركية من جملة أعباء.

وبعين مغايرة، يرى مراقبون أن تحقيق حلم استقلال الطاقة الأميركي لن يفضي بالضرورة لإنهاء اهتمام واشنطن بمنطقة الشرق الأوسط أو تقليص انخراطها في شؤون العالم، ذلك أن نسبة زيادة اكتشاف النفط والغاز في أميركا كانت مترافقة دوما مع ظهور حاجات موازية ومتنامية لالتهام تلك الزيادة، كما أن تغلغل أميركا خارج حدودها لم يكن من أجل الوصول إلى مصادر الطاقة لتأمين احتياجاتها منها فحسب، وإنما أيضا لغرض السيطرة عليها وتأمينها والتحكم في مبيعاتها ومساراتها بما يساعد على تحقيق الاستقرار في النظام الاقتصادي العالمي، ومن ثم يبقى الدور الأميركي حيويا في هذا الخصوص بغية استبقاء ذلك الاستقرار.
بوصفها واحدة من أهم البؤر عالميا، ومع استمرار علاقة التأثير الجيوإستراتيجي المتبادل بين إسرائيل ودولها، ستبقى البقعة العربية محتفظة بقسط وافر من الاهتمام الأميركي

ويؤكد خبراء أن الثراء الأميركي في قطاع الطاقة قد يولد انخفاضا عالميا في أسعارها ليهبط بسعر برميل النفط إلى خمسين دولارا في العامين المقبلين، مما يسفر عن زعزعة أسس الدول النفطية عالميا، حيث يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تهديد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بتلك الدول جراء تراجع العوائد النفطية.

وهنالك، قد تضطر واشنطن تحت وطأة أجواء الاضطراب التي تلحق ببؤر نفطية حيوية للمصالح الأميركية إلى إعادة تركيز اهتمامها بهذه البؤر بغية تقليص حدة الانعكاسات السلبية لتلك الاضطرابات على استقرارها، وكذا المصالح الأميركية في آن.

وبوصفها واحدة من أهم هذه البؤر، ومع استمرار علاقة التأثير الجيوإستراتيجي المتبادل بين إسرائيل ودولها ستبقى البقعة العربية من منطقة الشرق الأوسط محتفظة بقسط وافر من الاهتمام الأميركي.

تبقى الإشارة إلى أن أغلب الطروحات التي تفترض تراجع أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن إنما تركز فقط على المتغير الاقتصادي في تبريرها لفرضية الانسحاب الأميركي من المنطقة، بينما تتجاهل متغيرات أخرى ليست أقل أهمية تبنى عليها إستراتيجيات الدول كالمتغير الجيوإستراتيجي الذي يُبقي منطقة الشرق الأوسط مرتكزا حيويا لأي نظام عالمي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك