عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

- المشهد السوري
- روسيا والصين
- إيران وحزب الله
- جمع العوامل
- قصف المواقع السورية

كم ابتهجت أميركا بسقوط الاتحاد السوفياتي بداية تسعينيات القرن الماضي، وكم تبدو مهمومة الآن بعد أن ظهر شبح منافستها على الساحة الدولية.

بدا الرئيس الأميركي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إمبراطورا عالميا يعطي ويأخذ، يوزع ويجمع، يقدم ويتوعد، يمنح ويمنع، ويوحد ويفرق، يبشر وينفر، يجول في العالم كيفما يشاء دون تردد أو توجس من أحد.

لقد أصبحت أميركا سيدة العالم، وأخذت على عاتقها توجيه دفة العالم كيفما تشاء إلا من جيوب قليلة هنا وهناك وُصِفت فيما بعد بالدول المارقة أو محور الشر، واستقطبت في سعيها للسيطرة والتحكم حكاما وأكاديميين ومثقفين وجمعيات ومنظمات وأحزابا ليكونوا ممثلين لإرادتها السياسية والفكرية والثقافية، ونشرت مراكزها الفكرية والثقافية في كل أنحاء العالم لتكون حاضرة في الحياة اليومية للشعوب.

أخذتها العزة بالإثم فهاجمت أفغانستان، وأتبعتها بعد ذلك بغزو العراق، ظنت أميركا أن أفغانستان لا تشكل التحدي الحقيقي الذي يثبت للعالم قوتها وقدرتها العسكرية التي تفوق التحدي، فضخمت قدرات العراق العسكرية لتقول لأوروبا واليابان والصين إن من يقدر على العراق يستطيع تأمين الوقود للعالم، وبفضلها هي تبقى عجلة الإنتاج العالمية تدور.

هي لم تتحد الضعفاء، وإنما أوصلت رسالة للأقوياء أن لا قوي إلا أميركا.

روسيا تشكل تحديا واضحا للولايات المتحدة، ولم يتردد الروس أخيرا في توجيه العديد من الانتقادات اللينة واللاذعة للإدارة الأميركية بشأن "تهربها" من عقد مؤتمر للسلام في سوريا
المشهد السوري
لم تعتد أميركا التهديد والوعيد بقدر ما كانت تعطي إنذارات لتتبعها بعمل عقابي اقتصادي أو عسكري، وكانت أفعالها في بعض الأحيان تسبق أقوالها.

لقد وضعت خطوطا حمرا معلنة أمام العالم والنظام السوري مفادها أن استعمال الأسلحة الكيميائية سيؤدي إلى عمل عسكري قاس ورادع ضد النظام السوري، وأقامت لهذا الغرض وحدات عسكرية مدربة من أجل السيطرة على مواقع هذه الأسلحة، ونصبت صواريخ الباتريوت، ونسقت مع دول الجوار السوري، واستمرت في التأكيد على نواياها.

ألزمت أميركا نفسها بما اعتبرته تجاوزا للخطوط الحمر، والتزمت بالقيام بعمل عسكري ضد النظام السوري إذا استعمل الكيميائي، وبدأت بخطواتها التقليدية التي تقود إلى عمل عسكري والتي تتلخص في البحث عن الأدلة الحسية لإدانة النظام، وتهييج وسائل الإعلام، واستقطاب الدعم العالمي، والبحث عن قرار أممي، وحشد قواتها العسكرية بخاصة قوات البحرية.

يملك الرئيس الأميركي صلاحيات الهجوم على سوريا من دون إذن من الكونغرس، وطالما فعل ذلك في آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، لكنه انكفأ هذه المرة وفضل الذهاب إلى الكونغرس للحصول على تغطية تشريعية، أو لاستعماله كعباءة يختبئ تحتها.

وفي هذا ما يؤشر بقوة إلى أن الزعامة الأميركية للعالم التي ظهرت عام 1990 واستمرت على مدى عقدين من الزمن قد أخذت تتراجع، وإلى أنها لم تعد قادرة على القيام بما كانت تقوم به سابقا.

روسيا والصين
نعمت أميركا بمرحلة ذهبية في الأمم المتحدة من حيث إنها كانت تستطيع الحصول على ما تشاء من قرارات أممية تضفي الشرعية الدولية على أعمالها، ولم تكن روسيا مؤهلة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي للتحدي لأسباب اقتصادية وعسكرية ومجتمعية، ولم تكن الصين قادرة على التحدي لأنها لا تستطيع حماية تحديها من الناحية العسكرية، أو منع أميركا من التصرف ضد هذا الطرف أو ذاك.

بقي التحدي الروسي والصيني لأميركا مخففا ولطيفا، وتم التعبير عنه أحيانا بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن.

وعلى الرغم من أنها لم تحصل على تفويض أممي بفرض منطقة حظر جوي على العراق، شرّعت الإجراء وفق إرادتها وتجاوزت الشرعية التي تدافع معها، وأخذت تتصرف وفق ما تراه هي أنه الشرعية دون أن يتحداها أحد.

في الحالة السورية، تحدت الصين وروسيا أميركا في أنهما استعملتا معا حق النقض ثلاث مرات، ومنعتا قرارات أممية باتخاذ إجراءات ضد النظام السوري.

وقد نشطت روسيا في دعم النظام السوري ضد رغبة الولايات المتحدة، وعززت وجودها البحري في ميناء طرطوس، واستمرت في تزويد النظام بالسلاح ومن ضمنه صواريخ أرض جو المتطورة.
وكما يمكن أن يُستشف من التصريحات السورية والروسية المتنوعة أن روسيا تقدم دعما ماليا واقتصاديا لسوريا لكي يبقى النظام قادرا على الاستمرار.

المعنى أن روسيا بالتحديد تشكل تحديا واضحا للولايات المتحدة، ولم يتردد الروس في توجيه العديد من الانتقادات اللينة واللاذعة للإدارة الأميركية بسبب ما تسميها سياساتها في الهروب من عقد مؤتمر للسلام في سوريا.

أما الصين فتدرك تماما اندفاعها الاقتصادي، وأنها ستصبح الدولة الأعظم اقتصاديا في السنوات القليلة المقبلة.

تحدت الصين وروسيا أميركا باستعمالهما معا حق النقض ثلاث مرات، ومنعهما صدور قرارات أممية ضد النظام السوري، وهو مؤشر على تراجع في المكانة الأميركية عالميا

وعلى الرغم من أن قوتها العسكرية لم تتطور بعد لدرجة الردع المتبادل في وجه أميركا، فإنها تعي أن لا طريق أمام الولايات المتحدة لتجاهل مصالحها الاقتصادية من أجل معارضة سورية يتوعد بعض أعضائها الولايات المتحدة بعد سقوط النظام. ستصبح الصين قريبا المحور الاقتصادي الأول الذي تدور حوله اقتصادات العالم، وأميركا ليست معنية بتهيئة ظروف معادية.

إيران وحزب الله
لم تكن تجربة إسرائيل مع حزب الله عام 2006 مريحة، واضطرت للتوقف عن الحرب على الرغم من تشجيع أطراف عربية للاستمرار ودعم الولايات المتحدة. لقد ضغطت إسرائيل على حزب الله بكل ما أوتيت من قوة، لكنها اضطرت إلى أن تقبل بأمر عسكري واقع وأوقفت الحرب لتتجنب الخسائر المعنوية والمادية المتصاعدة. أيقنت إسرائيل وأميركا أن تسليح حزب الله ليس بدائيا، وأن قدراته التكتيكية العسكرية دقيقة وذكية، وأن هذه الحقيقة ما زالت قائمة حتى الآن.

ويبدو أن بإمكان حزب الله مشاغلة إسرائيل وأميركا في حرب غير نظامية طويلة الأمد لا تقوى إسرائيل على الاستمرار فيها من ناحية الوضع المعنوي الداخلي.

وقد عكس صمود حزب الله وقدرته على إصابة وتدمير أهداف عسكرية إسرائيلية جزءا من قدرة إيران التقنية والعسكرية.

والسؤال الذي بقي يلوح بالأفق من دون إجابة شافية وافية هو: إذا كانت إيران قد زودت حزبا ليس كبير الحجم بهذه الأسلحة، فماذا تخبئ هي في ترسانتها العسكرية الحربية؟

أعلنت إيران عبر السنوات الماضية عن تطوير قدرات تقنية عسكرية عدة مرات، ولم يكن يخفى عليها متابعة الولايات المتحدة لقدراتها الحربية المتنوعة التي كان يظهر بعضها في المناورات الإيرانية، لكنها، كما هي الدول الأخرى، تبقي على تجهيزات حربية متطورة طي الكتمان لكي تفاجئ العدو في حالة الحرب.

استمرت أميركا بتهديد إيران عبر السنوات، لكن الحسابات الأميركية لم تكن تدفع أميركا إلى التهور في مواجهة ما يمكن أن يكون مجهولا أو شبه مجهول. والمقصود أن أميركا أخذت تشعر ببعض الكوابح على قراراتها المتعلقة بالمنطقة العربية الإسلامية بسبب قوة إيران المتصاعدة.

جمع العوامل
المسألة أشبه ما تكون بمعادلة رياضية، أو على الأقل حسابات منطقية مبنية على معلومات، ولا بد أن أميركا تضع كل التطورات الجارية على الساحة العالمية وفي المنطقة العربية الإسلامية بحسبانها.

وبالتأكيد تسأل نفسها بشأن إصرار إيران والصين وروسيا على التحدي بخاصة في المجال العسكري. مرت أميركا بفترة ذهبية تميزت بنفاذ إرادتها والعالم صاغر، أما الآن فالوضع بات يتميز بحشود بحرية روسية في المتوسط، وبإعلان روسي أن سوريا تملك ما يكفي للدفاع عن نفسها، وبصواريخ منصوبة تجاه إسرائيل وأهداف أميركية في المنطقة، وبأصابع على الزناد.

تشكل العوامل منفردة ومجتمعة تحديات جديدة للولايات المتحدة، وهي تؤشر إلى أن أحاديتها القطبية تتهاوى، أو هي في طريقها إلى التهاوي.

المشهد العالمي القائم الآن مختلف تماما عما رغبت أميركا ببقائه، ولا بد لها أن تتكيف مع وضع جديد لن تكون فيه الآمر الناهي.

قصف المواقع السورية
يشكل الموضوع السوري الآن موضوع اختبار للقطبية العالمية: هل ما زالت أميركا المسيطر الأوحد، أم أن التحدي القائم حقيقي وله صدى على أرض الواقع؟

تدرك روسيا وإيران أن عدم مقابلة العضلات بعضلات سيبقيهما ضمن حجم محدود يزعج الخصوم ولا يردعهم، وتدركان أن مكانتهما العالمية والإقليمية ستتطوران صعودا إذا قررتا المواجهة

ربما تكون المنطقة العربية الإسلامية على أبواب مفصل تاريخي، وكذلك الساحة العالمية، فإما أن تثبت أميركا نفسها كبطل وحيد، وإما تثبت روسيا نفسها كقطب آخر وليس مجرد دولة عظمى. وإما تنزوي إيران تلعق جراحها وإما تنطلق نحو البحث عن المزيد باعتراف بريادتها الإقليمية والدولية.

والواقع أن أمام أميركا ثلاثة خيارات هي:
- أن تمتنع عن ضرب سوريا، وبذلك تثبت جبنها، وتعترف ضمنيا بقوة ردع أعدائها أو منافسيها، وتقبل بعد ذلك بشركاء جدد لها في اتخاذ القرار. وهذا ينطبق على حال قبولها بصفقة تُطلق بموجبها عدة صواريخ على مناطق سورية هامشية مقابل عدم الرد من الطرف الآخر.

- أن تقصف مواقع سورية، ويتم الرد عليها بقوة من قبل سوريا وحلفائها، وهنا ستجد أميركا نفسها أمام: إما القبول بالرد وما يعنيه ذلك من اعتراف بقوة الخصم، وإما متابعة الرد لتدخل حربا جديدة هي لا تريدها. وبهذا تكون أميركا قد تقلصت أمام العالم.

- أن تقصف أميركا مواقع سورية دون رد من الطرف الآخر، وبذلك تكون قد رسخت استمرارها كملكة على هذا العالم.

والمتوقع أن أميركا تفكر بعضلاتها في أغلب الأحيان وليس بعقلها، وهي كثيرة الأخطاء في أوقات السلم وأوقات الحرب، ولذلك ستنفخ عضلاتها في اللحظة الأخيرة وتطلق صواريخها.

تدرك روسيا وإيران أن عدم مقابلة العضلات بعضلات سيبقيهما ضمن حجم محدود يزعج الخصوم ولا يردعهم، وتدركان أن مكانتهما العالمية والإقليمية ستتطوران صعودا إذا قررتا المواجهة.

ومن حيث إن روسيا تعرف ما لدى سوريا من أسلحة، وتتكهن بأن إيران تملأ ترسانتها بأسلحة فتاكة، وأن أميركا ليست معنية بالتورط بحرب طويلة الأمد قد تستهلك معنوياتها ومعنويات إسرائيل معها، فإن احتمال تشجيع سوريا ومن حالفها على الرد مرتفع جدا.

تتجه أميركا نحو توجيه ضربات صاروخية ضد سوريا، ويتجه الطرف الآخر نحو إثبات حضوره العسكري القوي. هذا بحد ذاته يضع مكانة الولايات المتحدة أمام عهد جديد يتميز بفقدان جزء من سلطانها العالمي، وهو سلطان سيضعف كثيرا إذا لحقت بأميركا وإسرائيل ضربات عسكرية موجعة.

وفي المقابل، ستنهض روسيا بسياسة عالمية جديدة، ومعها سيكون شأن إيران، على الأقل، على الساحة الإقليمية. ويبدو أن على أميركا أن تهيئ نفسها لقبول شركاء في صناعة القرار الدولي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك