سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني



التطورات الأخيرة في الوضع السوري تظهر بأن روسيا هي بالفعل إمبريالية غبية، فقد عادت الأمور لتصب في مصلحة أميركا بعد كل التنازلات التي قدمتها خلال السنة الأخيرة لروسيا، وبعد الدور الذي قامت به لإنجاح "الحل الروسي".

في بداية سنة 2012 صرح باراك أوباما بأن على روسيا أن ترعى مرحلة انتقالية في سوريا كما حدث في اليمن، وكان يعني ذلك أن أميركا تتنازل عن سوريا لروسيا، أو تقدم سوريا لروسيا في ظل البحث عن تقاسم عالمي جديد، في وضع عالمي كان قد بدأ يشهد تحولات كبيرة بعد الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الرأسمالي.

لكن روسيا بدل العمل على حل بدعم أميركي ذهبت إلى دعم السلطة وهي تصعد من عنفها ضد الشعب، وتقرر في الذكرى الأولى للثورة إعادة السيطرة على الوضع بالقوة العارية بدءا من حمص، حيث كانت تعمل على إعادة السيطرة عليها من خلال ممارسة حرب حقيقية باستخدام كل صنوف الأسلحة.

وقد دعمت روسيا ذلك وشاركت مباشرة في الحرب (في بابا عمرو خصوصا)، وكان منظورها يقوم على أساس معلومات "دقيقة" حول حجم الكتائب المسلحة التي تدافع عن الثورة.

قاد "الغباء الروسي" إلى خسارة فرصة كان يمكن أن تجنب سوريا كل الدمار الذي حدث، وتجنب روسيا تحمل مسؤولية القتل والدمار والجرائم واستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل السلطة

وحين جرى سؤال لافروف خلال لقاء مع الجامعة العربية في القاهرة حول الإشراف على مرحلة انتقالية، أشار إلى التخوف من سيطرة المسلحين على المدن، وبالتالي كان واضحا أن "المعلومات الدقيقة" كانت تشير إلى أن أعداد المقاتلين هي كبيرة بحيث يمكن أن تستفيد من خلخلة السلطة لفرض السيطرة على الوضع.

وكانت هذه معلومات مضللة لأن أعداد المسلحين لم تكن بهذا الحجم، ولم يكن الوضع يشير إلى إمكانية للسيطرة على المدن من المسلحين، على العكس من ذلك كان يشير إلى أن تحقيق الانتقال سوف يلاقي الدعم من الشعب، حيث لم تكن جرائم السلطة قد وصلت إلى حد "القطيعة المطلقة".

وكان سهلا أن يفضي تغيير السلطة (وهنا الرئيس والحاشية) إلى شعور عام بالانتصار وقبول هذا التحول. طبعا ربما لم يكن بإمكان الروس حينها إيجاد "ضباط كبار" يوافقون على إزاحة بشار الأسد، وهذا ما سربه الروس بعد أن طرحوا تشكيل "مجلس عسكري".

لكن كان دعم السلطة وهي تطور عنفها ضد الثورة يعزز من تماسكها، ولا يفضي إلى مقدرة على تحقيق انشقاق فيها كان ضروريا لإنجاح تحقيق مرحلة انتقال.

وكنا قد أشرنا إلى أن الروس كانوا قد فقدوا كل الكوادر التي تدربت في الاتحاد السوفياتي والتي كان يمكن أن يتواصلوا معها بسلاسة بعد استلام بشار الأسد السلطة، وبالتالي كانوا بحاجة إلى سياسة "ليست غبية" لكي يحققوا إمكانية نشوء انشقاق في السلطة يسمح لهم بأن يرعوا مرحلة الانتقال لمصلحتهم.

ويبدو أن "الخبراء الروس" الذين ظلوا في دمشق كان قد جرى شراؤهم من قبل السلطة ذاتها، ومن ثم كانوا يقدمون معلومات "دقيقة" (أي مضللة).

بهذا انساق الروس خلف الحل العسكري الذي قررته السلطة منذ البداية، وباتوا معنيين بالقتل الذي يمارس ضد الشعب، أي أنهم أصبحوا في خدمة السلطة وليسوا طرفا قادرا على فرض حل، أو رعاية مرحلة انتقالية.

وبدل أن يجري "سحق المسلحين" توسع دور السلاح وتضخم حجم الكتائب المسلحة، وتحول المئات إلى عشرات الآلاف تنتشر في كل سوريا.

واضطرت السلطة أمام ضغط الثورة إلى الانسحاب من كثير من المناطق ومركزة قوتها الصلبة في مراكز أساسية، خصوصا في المدن، وباتت هذه القوة تتعرض لضربات حقيقية شلتها.

بهذا قاد "الغباء الروسي" إلى خسارة فرصة كان يمكن أن تجنب سوريا كل الدمار الذي حدث، وتجنب روسيا تحمل مسؤولية القتل والدمار والجرائم واستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل السلطة، وأسهم في زيادة كبيرة في التدخلات الإقليمية والدولية كانت تشوه الثورة وتعقد الأمور، وتسهل زيادة التدمير والقتل.

مع التوافق الأميركي الروسي الذي ظهر إلى العلن بعد عامين من الثورة، بدأ يظهر أن أميركا عملت كـ "سمسار" لروسيا في ترتيب وضع الائتلاف الوطني والوضع الإقليمي و"الغربي"

إزاء هذا التعقيد في الوضع باتت روسيا بحاجة إلى "المساعدة" الأميركية، ويبدو أن المسألة التي كان الروس بحاجة إلى حلها هي إقناع "كبار الضباط" بضرورة قبول مرحلة انتقالية وإبعاد بشار الأسد، وكان التسريب الروسي يشير إلى تخوف هؤلاء، وبالتالي حاجتهم إلى ضمانات.

في هذا الوضع أقرت "لجنة العمل" بخصوص سوريا مبادئ الحل التي سميت بمبادئ جنيف في نهاية شهر يونيو/حزيران 2012، وهي المبادئ التي تقرر تحقيق مرحلة انتقال بالتشارك بين السلطة والمعارضة، دون الإشارة إلى وضع بشار الأسد كرئيس. وإذا كان قد ظهر خلاف أميركي روسي حول تفسير المبادئ فقط من زاوية وضع بشار الأسد، فقد كانت المسألة تتعلق بتقاسم العمل بين روسيا وأميركا، بحيث يعمل الروس على ترتيب "طرف مفاوض" من السلطة، وتعمل أميركا على ترتيب "طرف معارض"، وعلى ترتيب الوضع الإقليمي و"الغربي" لمصلحة الحل.

هذا التقاسم في الأدوار ظهر واضحا بعد الحديث عن خلافات حول وضع بشار الأسد، مع بداية سنة 2013، وصل -بعد أن أصبح جون كيري وزيرا للخارجية الأميركية- إلى حد مطالبة المعارضة بالحوار مع بشار الأسد، وإلى تفعيل العمل من أجل عقد مؤتمر جنيف2.

وإذا كانت فكرة تشكيل الائتلاف الوطني السوري قد طرحت منذ صيف العام 2012 انطلاقا من السعي (المدعوم أميركيا) لتجاوز سيطرة الإخوان المسلمين على المعارضة الخارجية المتمثلة في المجلس الوطني السوري -والمدعوم من قبل كل من فرنسا وتركيا وقطر خصوصا- في سياق السعي لقبول مبادئ جينيف، فقد أدى تشكيله إلى سيطرة المجلس الوطني (والإخوان خصوصا) على الائتلاف، وبالتالي إعاقة الذهاب إلى "الحل السياسي".

لكن مع التوافق الأميركي الروسي الذي ظهر إلى العلن بعد عامين من الثورة، بدأ يظهر بأن أميركا تعمل كـ"سمسار" لروسيا في ترتيب وضع الائتلاف الوطني والوضع الإقليمي و"الغربي".

وهذا ما ظهر في اجتماع قمة الثماني في بريطانيا، حيث جرى دعم جنيف2 وفق التفسير الروسي الذي ينطلق من تجاهل الحديث عن بشار الأسد، ومن ثم اجتماع "أصدقاء سوريا" الذي عقد في قطر، وهو الأمر الذي ظهر في تحولات مواقف كل من فرنسا وتركيا خصوصا (وهي التي كانت لها مصالح خاصة في سوريا).

وأدى ذلك إلى فرض توسيع الائتلاف الوطني بضم "كتلة ديمقراطية" من أجل إحداث توازن مع الإخوان المسلمين، أفضى دخولها إلى تهميش دور هؤلاء وسيطرة قوى توافق على الحل الروسي، بمعنى أن أميركا قامت بترتيب الطرف الذي يقبل مسبقا بالحل الروسي، ووفرت البيئة الدولية التي تسمح بتمريره.

في المقابل، ورغم ظهور مواقف من داخل السلطة تشي بوجود كتلة تقبل الذهاب إلى الحل السياسي كما ظهر في تصريحات فاروق الشرع نهاية سنة 2012، وجدنا أن السلطة تندفع لتعديل ميزان القوى على الأرض. وذلك ما ظهر عندما قررت السيطرة على القصير، وبعد السيطرة عليها توسعت للسيطرة على تل كلخ، وبدأت في محاولاتها السيطرة على حمص والغوطة الشرقية في ريف دمشق، ومناطق كثيرة في درعا والشمال ودير الزور.

من أجل ترتيب الأوضاع داخل سوريا، كان الروس بحاجة لإقناع "كبار الضباط" بضرورة قبول مرحلة انتقالية وإبعاد بشار الأسد، وكان التسريب الروسي يشير إلى تخوف هؤلاء، وحاجتهم إلى ضمانات

كما ظهر أن السلطة السورية باتت تستقدم قوات كبيرة من مقاتلي حزب الله، وكتائب أبو الفضل العباس العراقية ومن الحرس الثوري الإيراني، ومن "الشيعة" في اليمن وحتى باكستان وبلدان أخرى، وأن روسيا تغطي هذه الخطوة، وتزيد من تسليحها للسلطة.

وهذا ما أوصل إلى أن تستخدم السلطة الأسلحة الكيميائية بشكل أكبر مما قامت به مرات عديدة من قبل دون أن يثير موقفا أميركيا "شديدا"، رغم أن أوباما كان قد اعتبر أن استخدام هذه الأسلحة "خط أحمر".

السلطة احتاجت إلى ذلك لأنها لم تستطع تحقيق التقدم الضروري الذي يخل بميزان القوى القائم، الذي هو في غير مصلحتها رغم استقدام كل تلك القوى، في سياق التحضير لمؤتمر جنيف2، حيث كان التحضير يتقدم من خلال اللقاء الذي كان يجب أن يعقد بين روسيا وأميركا يوم 26/8 لترتيب عقده في شهر سبتمبر/أيلول، وكان الائتلاف قد أصبح تحت سيطرة قوى وافقت على جنيف2، وبالتالي كان واضحا أن السلطة سوف تذهب إلى المؤتمر في وضع الضعف.

هذا الأمر دفع أوباما إلى إقرار توجيه "ضربة عسكرية"، وإلى فتح الأفق لفشل الحل السياسي وخسارة روسيا التي لم تستطع إيجاد طرف في السلطة يوافق على الحل السياسي الذي قررته هي، والذي يتحقق برعايتها، وربما تخسر كل المصالح التي لهثت للحصول عليها بعد نشوب الثورة وحاجة السلطة لـ"الحماية الدولية".

روسيا إمبريالية غبية، يبدو أنها بحاجة إلى تدريب لدى الإمبريالية الأميركية، فإذا كانت لم تستطع "رعاية" مرحلة انتقالية قبل أن يصبح الصراع مسلحا، ولم تستفد من كل الترتيب الأميركي لكي ينجح حلها هي، وتحصل على سوريا كحصة في التقاسم الدولي، فهل تريد الآن أن يقوم أوباما بإحداث تغيير عميق لكي يأتي طرف في السلطة إلى جنيف2 يوافق على الحل الروسي؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك