عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.



-المحدودية والضيق
-حيثيات التأجيل

بعد ارتكاب النظام الأسدي مجزرة في غوطتي دمشق الشرقية والغربية يوم 21 أغسطس/آب الماضي باستخدام السلاح الكيميائي، تتالت تصريحات المسؤولين الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين بضرورة معاقبة النظام على جريمته عبر توجيه ضربة عسكرية له.

وترافقت تصريحاتهم مع تحركات وحشود عسكرية لمدمرات وبوارج وطائرات، وعقد قادة جيوش عشر دول اجتماعات في الأردن لتدارس الخطط والعمليات والتداعيات، وحبس العالم أنفاسه طوال أيام، متوقعا أن تحدث الضربة بين لحظة وأخرى، إلى أن جاء تصويت مجلس العموم لبريطاني الرافض لاشتراك بريطانيا في أي عمل عسكري ضد النظام، لكي يخرج بريطانيا من تحالف دولي، أخذ في التشكل للمشاركة في الضربة، ثم جاء إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استشارة الكونغرس وطلب موافقته، لكي يرهن أمر الضربة العسكرية بتصويت غرفتي الكونغرس، ولكي يلقي ظلالاً من الشك عليها.

المحدودية والضيق
منذ بداية التهديدات الغربية بمعاقبة نظام الأسد، تحدث جميع المسؤولين الأميركيين عن ضربة "محدودة" و"ضيقة" من جهة الزمان والمكان، بوصفها إجراء عقابيا للنظام لارتكابه جريمة استخدام السلاح الكيميائي المحظور دوليا، الهدف منها ليس إسقاطه، بل إضعافه وإرغامه على القبول بالذهاب إلى حل سياسي.
لا شك أن توجيه ضربة عسكرية "محدودة" في المكان والزمان لن يشكل العقاب المناسب للنظام الأسدي، الذي لم يتوقف عن قتل شعبه، ولو يوما واحدا، منذ أكثر من عامين ونصف العام

وفُهم من ذلك طمأنة الجانب الروسي على استمرار بقاء النظام، وردّ الساسة الروس بالقول إنهم لن يدخلوا الحرب، ولن يخوضوها من أجل نظام الأسد، لكنهم يدركون جيدا أن النظام الذي يدافعون عنه ويساندونه لن يقوى على الصمود أمام أي ضربة قوية، خاصة إذا استهدفت مفاصل قوة النظام ومراكزه الأمنية والتشبيحية.

لا شك أن توجيه ضربة عسكرية "محدودة" المكان والزمان لن يشكل العقاب المناسب للنظام الأسدي، الذي لم يتوقف عن قتل شعبه، ولو يوما واحدا، منذ أكثر من عامين ونصف العام، وأزهق أرواح أكثر من مائة ألف سوري، فضلا عن مئات آلاف الجرحى والمشوهين والمعاقين وملايين المشردين واللاجئين.

ولعل بعض الساسة الأميركيين يدركون تماما أن أي ضربة عسكرية محدودة وضيقة، قد يتمكن نظام الأسد من امتصاصها، ويخرج مدعيا الانتصار، وأنه تعرض لعدوان كوني، وعندها سيلجأ لانتقام شنيع ضد غالبية السوريين، لذلك حذر عضوا مجلس الشيوخ جون ماكين وليندسي غراهام من أنهما سيصوتان ضد أي قرار لا يهدف إلى زعزعة سلطة بشار الأسد، وطالبا بأن يكون العمل العسكري "جزءا من إستراتيجية شاملة تهدف إلى تغيير الوضع في ميدان القتال، وتحقيق الهدف الرئيسي في إجبار نظام الأسد على الرحيل ووقف النزاع".

ومع ذلك، فإن من المستبعد أن يكون هدف أي ضربة عسكرية محدودة هو إسقاط النظام الأسدي، بل معاقبته، والفارق كبير بين المعاقبة والإسقاط، لكن السؤال يشمل مدى قدرة النظام على تحمل ضربة تجرده من صواريخه وطائراته وسلاحه الكيميائي.

ويشمل أيضا مدى قدرته على إعادة تنظيم قواته وشبيحته بعدها، حيث تشير المعطيات على الأرض إلى أن مجرد التلويح الجدي بالضربة العسكرية جعل العديد من الجنود والضباط في الجيش الأسدي ينشقون ويتخلون عنه، وهناك العديد من المقربين من النظام، ومن حاضنته الاجتماعية، هربوا إلى لبنان ودول عربية أخرى، حيث عبر عشرات الآلاف منهم الحدود السورية اللبنانية إثر سماعهم التهديد بشن ضربة عسكرية، فضلا عن عمليات تهريب أموال واسعة إلى المصارف اللبنانية وغيرها، قام بها بعض سارقي أموال الشعب السوري.

بالمقابل، فإن قوات الثوار السوريين على الأرض سيكون لها الدور الحاسم في العمل على إسقاط النظام، والمساهمة في التمهيد لبناء سوريا جديدة.

ولا خلاف في أن أي عملية عسكرية ضد قوات النظام ستساعدهم على التقدم نحو المواقع والمراكز التي تحتلها قوات النظام، وهناك معلومات عن وحدات من الجيش الحر جرى تدريبها في الأردن وتركيا من أجل القيام بمهمة السيطرة على مفاصل قوات النظام العسكرية والأمنية، والتقدم إلى دمشق وسواها، من أجل إنهاء وجود النظام الأسدي.

لا خلاف في أن أي عملية عسكرية ضد قوات النظام ستساعد الثوار على التقدم نحو المواقع والمراكز التي تحتلها هذه القوات

حيثيات التأجيل
لا شك أن لجوء الرئيس الأميركي إلى استشارة الكونغرس له حيثيات وأسباب داخلية وخارجية، إذ إن معاقبة النظام الأسدي في حقيقتها لا تتعلق بعملية محدودة، على الرغم من تركيز المسؤولين الأميركيين في تصريحاتهم عليها، ولو كان الأمر كذلك، فإن الرئيس الأميركي غير ملزم بالرجوع إلى الكونغرس، حيث سبق أن نفذت مختلف الإدارات الأميركية ضربات عسكرية محدودة في أكثر من مكان في العالم، دون أن تستشير أو تشرك أحدا.

ويبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تريد تفويضا لعملية عسكرية أوسع مما تعلنه، زمانا ومكانا، وتتحسب لمدى تأثيرها على النظام ولتداعياتها المحتملة، لكن مهما اختلفت قوتها وتأثيرها، فإنها لن تصل إلى درجة إنزال جنود أميركيين على الأرض السورية كي لا تعيد إلى أذهان الأميركيين حربي العراق وأفغانستان.

والأمر مرهون برد فعل النظام وحلفائه في إيران وحزب الله اللبناني، خاصة إذا هدد أي منهم أمن إسرائيل، عندها ستتطور الأمور إلى حرب واسعة النطاق، لا يعلم أحد مداها ومفاعيلها.

ولعل حسابات العملية العسكرية الأميركية المحتملة لا تخرج عن تخوف الولايات المتحدة الأميركية من انحطاط هيبتها ومكانتها القيادية في العالم، ومن احتمال تهديد أمن إسرائيل، حيث عودتنا مختلف الإدارات الأميركية، التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ أكثر نصف قرن على موازنتها الثابتة ما بين مصالحها الإستراتيجية ومصالح حليفتها إسرائيل.

ويمكن القول إنه ما من شيء يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط إلا وكان هدفه ضمان أمن إسرائيل ومصالحها، بوصفه العامل الرئيسي والمحدد لأي تحرك أميركي في المنطقة، وبالتالي يمكن تفهم رجوع الرئيس الأميركي إلى الكونغرس من جهة اعتباره الضربة العسكرية العقابية مسألة تدخل في حسابات الأمن القومي الأميركي، لذلك سيطلب موافقة مجلسي النواب والشيوخ على استخدام القوة، ويدعوهم للموافقة على طلبه باسم "الأمن القومي للولايات المتحدة".

اللافت هو صيغة عنوان الرسالة التي وزعت على النواب الأميركيين والتي تطلب "السماح باستخدام القوة في ما يتعلق بالنزاع في سوريا"، وتمنح الرئيس إطارا أوسع من النطاق "المحدود والضيق"

ولا يرغب الرئيس الأميركي باراك أوباما في تكرار أخطاء سلفه جورج بوش الابن، الذي خاض حروبا خاسرة في العراق وأفغانستان، لذلك يتوجب عليه أن يعيد حساباته بدقة، وأن لا يتخذ خطوة غير مدعومة من المشرعين الأميركيين ومن الشعب الأميركي، ومن الدول الحليفة للولايات المتحدة الأميركية.

وهذا يعني أن هناك حاجة على المستوى الخارجي لدعم ومشاركة دول أوروبية وإقليمية وعربية في أي عمل عسكري محتمل ضد النظام.

وفي هذا السياق، يأتي تحميل الجامعة العربية النظام مسؤولية الهجوم الكيميائي على غوطتي دمشق، ومطالبة المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤوليته، كي يقدم دعما لصانع القرار الأميركي، إلى جانب دعم ومشاركة كل من تركيا وفرنسا وأستراليا، وربما سيتخذ حلف شمال الأطلسي خطوة داعمة لقرار الرئيس الأميركي.

ومن المهم التذكر دوما أن الولايات المتحدة الأميركية حين تتخذ قرارا بتوجيه الضربة العسكرية، وتريد تنفيذه، فإن من السهل عليها إيجاد تحالف دولي واسع، مكون من عدة دول أوروبية وعربية.

قد يكون أعضاء الكونغرس الأميركي من أكثر الأميركيين رضى عن طلب الرئيس الأميركي موافقتهم على قراره قبل تنفيذ ضربة عسكرية ضد النظام الأسدي، وانعكس ذلك في ترحيب أوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي سرعة تحرك البيت الأبيض نحو نواب الكونغرس بغية الحصول على غالبية تسمح له باستخدام القوة العسكرية، بما يتناسب مع "ردع انتشار السلاح الكيميائي وحماية الولايات المتحدة وحلفائها".

لكن اللافت هو صيغة عنوان الرسالة التي وزعت إلى النواب، التي تطلب "السماح باستخدام القوة في ما يتعلق بالنزاع في سوريا"، ونصها يمنح الرئيس إطارا أوسع من النطاق "المحدود والضيق"، الذي كان أركان الإدارة الأميركية يتحدثون عنه، قبل طلب موافقة الكونغرس، الأمر الذي يمنح الرئيس الأميركي خيارات أوسع في تنفيذ عملية عسكرية، خاصة في حال حدوث ردود غير متوقعة من النظام الأسدي وحلفائه.
يأمل الأسد وحلفاؤه أن لا يمنح الكونغرس موافقته على العملية العسكرية، فهو يدرك أنه لن يقوى على تحمل تبعاتها التي قد تفضي إلى نهاية قريبة لوجوده، خاصة وأن معنويات قواته منحطة

ويأمل النظام الأسدي وحلفاؤه أن لا يمنح الكونغرس موافقته على عملية عسكرية أميركية ضده، وهو يدرك تماما أنه لن يقوى على تحمل تبعاتها التي قد تفضي إلى نهاية قريبة لوجوده، خاصة وأن معنويات قواته منحطة، ولن تقوى المليشيات الإيرانية ومليشيات حزب الله وسواها على حمايته والقتال نيابة عنه، لأن معنوياتها أيضا منهارة، حيث لجأت مثلما لجأت قوات النظام إلى تغيير مواقعها والاحتماء بالمعتقلين والمدنيين السوريين، واستخدامهم دروعا بشرية، وكل ذلك لن ينفعها في حال حدوث عملية عسكرية أميركية.

والأهم أن الجيش السوري الحر يتحين الفرصة للانقضاض على ما يتبقى من قوات النظام والمليشيات المساندة له.

يبقى أن الأجدى هو أن يفهم النظام الأسدي أنه لن يفلت من العقاب هذه المرة، وأن نهايته اقتربت كثيرا، ولن يجديه نفعا الاستمرار في قتل السوريين، وأمامه حل سهل، يقتضي أن يرحل ويسلم السلطة لحكومة انتقالية، بما يجنب سوريا وناسها المزيد من القتل والتدمير، لكن سلوك النظام طوال أكثر من عامين ونصف العام من عمر الثورة السورية، ونهج القتل والإجرام الذي اتبعه، يشيران إلى أنه سيستمر فيما ما بدأه وصولا إلى نهايته وزواله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك